#adsense

بشير والإعلام ومعركة الرأي العام

حجم الخط

يقترن اسم ميلشيا أو حركة مقاومة أو قوة ثورية أو حزب في المفهوم العالمثالثي بالقمع وضيق الصدر عندما يتعلق الأمر بالإعلام، إذ لا بيئة حاضنة لكل ما يربط الناس بالمعرفة والتنوّر بما هي وسائل توعوية ناشزة ممنوع أن ترتفع أصواتها فوق أصوات المعركة، أما في مواجهة العدو فهي أدوات لكشف الأسرار العسكرية والخطط الاستراتيجية والتكتيكات الملهَمة، وما أدراكم ما الأسرار..

في بداية الحرب على لبنان كان بدهيا أن القوى التي وقفت في مواجهة مؤامرة تحويل لبنان الى وطن بديل للفلسطينيين، لم تكن مهيأة لا عسكريا ولا إعلاميا، فجاءت ردات فعلها في الحالين متعثرة ومدمرة لسمعتها في بعض الأحيان. ففي معرض دفاعها عن الحق والسيادة والكرامة الوطنية والاستقلال ارتكبت الكثير من الهفوات التي حولت انتصاراتها العسكرية الى كوارث على سمعتها تجاه ناسها وتجاه الاعداء المتربصين بها. فيما بدا الفلسطينيون وأعوانهم ضحايا ارتكابات “الميليشيات الانعزالية”، وبما أن هذه القوى كانت ضالعة في مؤامرة حاكتها منذ ما قبل اتفاق القاهرة وثابرت على رعايتها وإنضاجها، فمن الطبيعي أنها أخذت كل وقتها لتفريخ إعلام مأجور داخلي وشراء ذمم منظومة كبرى من الصحافة العربية والغربية، كان شغلها الشاغل تحويل تضحيات المقاومة اللبنانية الى جرائم ضد الانسانية والى ارتكابات وفظائع. علما بأن الحرب التي خيضت في لبنان كانت حربا عالمية –إقليمية لكن رحاها دارت في مناطق آهلة ما ساعد في تسميتها حربا أهلية خصوصا أنها لم تجر في مساحات مفتوحة بين جيوش نظامية.

لا ننسى أيضا أن الحرب التي خاضتها القوى المسيحية المقاومة كانت دفاعية بامتياز حيث تعرضت القرى والمدن المسيحية في الأطراف الى عمليات قتل وتهجير ممنهجة على أيدي فلسطينيي النظام السوري مداورة أو بجنوده الممَوهين تحت يافطة جيش التحرير الفلسطيني مباشرة، ما ولد ذعرا وموجات كبرى من النزوح انسكبت كلها على قلب المناطق المسيحية في جبل لبنان.

والشق الثاني من المعركة، لتكتمل الصورة، كان في هجمات منسقة ومكلفة من أجل تنظيف جغرافية المناطق التي صارت المناطق الشرقية من الانفلاش الفلسطيني الذي قطّعت مخيماته أوصال هذه المنطقة وأعملت فيها خطفا وقنصا وقطعا للطرقات ما جعل الحياة فيها شبه مستحيلة.

معارك المخيمات، التي تعرّف بالعلم العسكري بالدفاع الإيجابي اعتبرت زورا هجمات تطهير ديني، علما بأن كلفتها البشرية كانت عالية على المقاومة اللبنانية وعلى المخيمات إذ كانت المخيمات تغص بالمسلحين و بالمدنيين الذي استخدموا كدروع بشرية.

بعد سقوط مخيمات تل الزعتر والضبية وحي الغوارنة والمسلخ والكرنتينا والنبعة والتي كانت قلاعا مسلحة، سارعت منظومات الاعلام المحلي والعربي والغربي المأجورة الى حرف الانتصارات العسكرية عن هذه الصفة وحولتها في لا أدبياتها الدعائية الى مجازر وكوارث ارتكبتها “الميليشيات المسيحية الفاشية الانعزالية”. بدءا من عام 1977 وبعدما انتهت حرب السنتين ورسمت المقاومة اللبنانية بالأحمر حدود المناطق المسيحية، اكتشف بشير الجميل القائد الشاب ومعه التحالف العريض المكوّن من الأحزاب المسيحية أنه ربح الحرب العسكرية على الطريقة الإسبارطية لكنه خسر معظم الرأي العام العالمي، بفعل ما أُلصق بالمقاومة من سيناريوهات كاذبة، وهو كان بدأ يكتشف أن الحرب ستأخذ منحى آخر سيتحول فيه المدفع من آلة رئيسية الى وسيلة ردعية وأن زمن المفاوضات السياسية لا بد آت، ولكسب تعاطف دول الغرب يتعين على المقاومة اللبنانية حكما كسب الرأي العام الغربي الديموقراطي الذي له التأثير الأكبر في تغيير قرارات حكامه، ولهذه الغاية يتوجب خلع الصليب الخشبي من بعض الرقاب وتظهير الصورة الحقيقية لمقاتلي المقاومة اللبنانية على أنهم مقاتلون وليسوا قتلة.

بشير والإعلام الجديد

بعد تنظيم صفوف “القوات اللبنانية” وصهرها ضمن مؤسسة واحدة بدءا من عام 1979 وبعدما انكشف وجه النظام السوري بأنه قوة احتلال مجرمة بينت كل قباحتها ودمويتها في معركة المئة يوم صيف العام 1978، أولى الإعلام اهتماما خاصا لكنه لم يتفرغ للمهمة بقوة إلا قبيل معركة زحلة في نيسان 1981.

ففي أحد أيام كانون الثاني أو شباط من ذلك العام استدعانا بشير وبعض الرفاق، وقسم كبير منا كان مقاتلا وراء المتاريس، لكنه عرف بواسطة بعض المساعدين أننا طلاب إعلام في الجامعة اللبنانية، وطلب إلينا أن نتولى تنظيم الإعلام القواتي في كل متفرعاته، العسكرية الداخلية والمدنية لجهة التعاطي مع وسائل الاعلام المحلية وصولا الى الإعلامَين العربي والغربي، وهكذا كان، ولكن ليس من دون صعوبات، فالحرس القديم المبشر بالانغلاق كان في المرصاد، لكننا بمعية بشير أقصينا “الشباب” والتحدي الكبير كان في معركة زحلة.

زحلة نموذجا

ما إن دوى المدفع السوري إيذانا بإخضاع زحلة وإتباعها نهائيا بمنظومة المدن اللبنانية المحتلة حتى إلتأم جنود الشعبة الخامسة وكان عددنا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة وتجهيزاتنا كانت كناية عن آلة تصوير فوتوغرافية للهواة وكاميرا سوبر 8 من النوعية نفسها. لكن التحدي لم يكن في التجهيزات بل بالخطة التي يجب إدارة معركة زحلة إعلاميا من خلالها. وكان القرار الذي عرض على هيئة الأركان مثابة ثورة حقيقية أدهشت معظم الأعضاء، إلا بشير، الذي أطلق ابتسامة رضى وأسكت المعترضين عليها: “خلّوا الشباب يشتغلوا اللي عم يعملوه راح يربّح “القوات” معركة زحلة وينصف المقاومة ويظهر صورتها الحقيقية”.

أما الخطوط العريضة للخطة الإعلامية فكانت على الشكل الآتي:

*زحلة مدينة لبنانية، لا مسيحية، تتعرض لهجوم وحشي من نظام وحشي لا يقيم اعتبارا للقيم الإنسانية (وما أشبه الأمس باليوم)، وأهلها ورجالها يدافعون عنها و”القوات” هي في موقع المسانِد.

*زحلة المدينة بكل مكوّناتها تتعرض للخطر، وليس كنائسها الخمس والثلاثين، ولا لكونها عاصمة الكاثوليك في المنطقة.

*زحلة غير مجهزة في بناها التحتية لتحمل عبء الحصار والدمار لا بمستشفياتها الأشبه بمستوصفات ولا بمحطات مياهها ولا بمخزوناتها من الدواء والأمصال والبنج

*زحلة قلعة استراتيجية وميثاقية  بسقوطها مع قمم صنين سيسقط جزء من صورة لبنان الكبير كحاضن للتنوع وستنكشف خاصرة الأساطيل الغربية المبحرة في المنطقة أمام الرادارات السوفياتية وستتعرض معها خاصرة اسرائيل، العزيزة على الغرب، لخطر أكيد، ولم يكذب النظام السوري الخبر إذ سرعان ما أرسل الى البقاع بطاريات سام 6 المتطورة، ما سيعرض طلعات الطيران الإسرائيلي لخطر مميت. تزامنت الخطوة مع قصف الطيران الإسرائيلي مفاعل أوزيراك العراقي النووي، الأمر الذي وضع زحلة في صلب صراع يتجاوز لبنان.

بالتوازي، شرّعت الشعبة الخامسة أبواب المناطق المحررة للصحافة المحلية “الصديقة والمعادية” والعالمية وتركت لها اكتشاف هذه المناطق وإجراء المقابلات مع من تشاء وتصوير ما تشاء بلا تدخل من قبل “القوات” إلا لتسهيل عملها وحمايتها، كذلك نظمت الشعبة الخامسة زيارات للصحافيين جماعات وأفرادا الى مختلف الجبهات، فامتلأت فنادق الشرقية بأعداد منهم، ونقل هؤلاء مشاهداتهم وآراءهم بلا أي تدخل وأي محاسبة على ما ينشرون، وسرعان ما تبدلت النظرة الى “القوات” بعدما نقل هذا الإعلام حقيقة تعلق اللبنانيين بمقاومتهم وبأن “القوات” تمثل رأس جسر دفاعي عن قيم الديموقراطية والإنسانية التي ينادي بها الغرب وبأن خسارتها قضيتها ستجعل الغرب في مواجهة جغرافية وحضارية مع القوى الظلامية وما أشبه الأمس باليوم أيضا، فـ”داعش” موجود في كل زمان وله أكثر من أسم ومرادف لكن محركه واحد.

ولم يكتف الإعلام الغربي بالتغطيات اليومية لمعارك زحلة بل استغلت فترات الهدوء المتقطع لتصوير وثائقيات عن المقاومة وأهلها ومجتمعها وطلابها المقاتلين وقت الحرب المقبلين على العلم وقت السلم، وقد تم إنجاز أكثر من خمسة وثلاثين فيلما وثاقيا في تلك الفترة ضجت بها التلفزة الغربية وغيرت الصورة النمطية السلبية عن “القوات” والتي زرعت في رأس الرأي العام الغربي.

في نهاية معركة زحلة أسرّ لي أحد كبار الصحافيين الأميركيين قائلا: “أيها الشاب أنتم تفتحون الطريق عريضا أمام بشير ليصبح رئيس جمهورية لبنان، أنتم تصنعون التاريخ”. وعلى رغم أن هذا الكلام لم يطمئنني شخصيا لأنني كنت أخشى على بشير من أن يكون حرق المراحل قاتلا له وللبنان، وكان خوفي في مكانه. فإن هذا الكلام أشعرني بأننا على الطريق الصحيح.

بشير والإعلام المحلي

بعد الانتصارين العسكري والإعلامي في معركة زحلة، كان لا بد من بناء الجسور مع الصحافة المحلية في شقها “غير الصديق”، وعندما فاتحنا بشير بالأمر أبدى كل انفتاح وبنى صداقات متينة وودية مع صحافيي ” الغربية” وحملهم أكثر من رسالة الى جمهورهم تبشر بأن “القوات” ستنتصر على أعداء لبنان وليس على أعداء المسيحيين: “إن شاركتموها في هذا الجهد التحريري كنتم شركاء في القرار الوطني إن لم تشاركوا فإن “القوات” ستواصل معركتها وستكونون الى جانبها شركاء على طاولة المنتصرين”. هذه المواقف المفعمة بالصدق جعلت أقلامهم تتجرأ على تسويق الصورة الحقيقية لـ”القوات اللبنانية” ولقائدها، في مرحلة أولى ومن ثم جهر بعضهم بالقول إن لا خلاص للبنان الواحد إلا بقماشة من طراز بشير.

بشير والإعلام الغربي

كان أسهل على القائد الشاب التعاطي مع الإعلام الغربي الذي يعرفه جيدا ويحسن مخاطبته بحكم إجادته الفرنسية والإنكليزية بحيث تحول هذا الإعلام الى مجوِّد لصورة “القوات” واللحظة الأقوى تجلت في ارتقاء بشير في أدبيات هذا الإعلام من مقاتل يواجه أخاه اللبناني الى ند وحيد لأبي هول دمشق، حافظ الأسد، وقد كشف بشير للمرة الأولى أمام العالم، المجزرة التي ارتكبها الأسد في حماه خلال ظهوره في الوثائقي الفرنسي الشهير، “لقد قتلوا سفيرنا”، والذي أكد فيه أيضا تورط النظام السوري في اغتيال السفير الفرنسي في بيروت لوي دولا مار عام 1981، الوثائقي الذي أسهمت الشعبة الخامسة في تسهيل إعداده وتصويره مع الصحافي الفرنسي المخضرم ميشال أونوران والذي تسمّر أكثر من عشرين مليون فرنسي أمام الشاشات يوم عرضه، وطرَد الكي دورسي في إثره السفير السوري المعتمد في باريس.

بشير والإعلام العربي

هذه قصة أخرى، فبشير المنهمك بالحرب والذي يمتلك نظرة تعميمية تقول بأن لا إعلام عربيا بالمطلق، أتعبنا في بدايات الأمر ليقتنع بالانفتاح على هذا الإعلام، لكننا وعندما جزأنا له الصورة اكتشف تماهيا كبيرا بين ما يقاتل هو من أجله والصورة المكوّنة لدى الإعلام الخليجي والمصري عن أن سبب البلاوى التي تضرب العالم العربي تتأتى من أحلام الأسد التوسعية وسعيه الى اختصار العرب وقضاياهم في شخصه، ومن رعونة ياسرعرفات. وبعد المقابلات الأولى التي أجراها  تغيّرت صورة “القوات” في الصحافة العربية من مكوّن مسيحي الى مكوّن وطني، يناضل من أجل الحق.

نظرة بشير الى الإعلام الوطني

كانت لبشير نظرة تقدمية عصرية الى الإعلام الرسمي، تبدأ باعتباره إعلاما لكل الوطن لا بوقا للسلطة، عبره يجب أن تجد كل تلاوين الطيف السياسي والطائفي فسحات متساوية للتعبير والاختلاف وهذا ما ظهر جليا في كلمته الى العاملين في تلفزيون لبنان بعد انتخابه رئيسًا، حيث أوضح لهم أنهم ليسوا له ولا للسلطة بل وسيلة للتنوير ونشر الحقائق مهما كانت صعبة. وأذكر يوم أوفدني وكنت في بداية العشرينات من العمر للاجتماع الى وزير الاعلام، ميشال إده، ورئيس مجلس إدارة التلفزيون، شارل رزق. وكان اللقاء من النوع الثالث، فالرجلان اللذان خبرا تجربة الاعلام زمن المكتب الثاني وزمن وزارة الأنباء، دهشا عندما رفضت باسم بشير أي عرض ينتمي الى ذاك العصر، وأرحتهما رغما عنهما من هذه المهمة وأبلغتهما أن خبر الرئيس ليس إلزاميا في نشرات الأخبار ما لم يكن مستحقا وبأن للمعارضة مساحة متساوية في هذه النشرات تماما كما للموالاة.

ولعل كل ما كان يختزنه بشير من طموحات وأحلام للإعلام وخصوصا التلفزيوني، وكنا قد خططناه معاً ضمن فريقنا الإعلامي، كان يريد تفجيره في “المؤسسة اللبنانية للإرسال” التي لم يردها يوما للمسيحيين بل مؤسسة تنطق باسم لبنان وتسوِّق لكل لبنان وتعزز ثقافة السلام والحياة بين أبنائه وبأن تكون منارة لبنان في دنيا العرب والعالم . ولهذه الغاية أراد تحريرها من العبء القواتي في جسمها الوظيفي وخصوصا في الشق الظاهر على الهواء من مقدمين ومذيعين وما أراده لتلفزيون لبنان من تحرر وريادية أراده مضاعفا وملزِما لـ”البنانية للإرسال”.

بشير وحلم استعادة الشتات الإعلامي الى الوطن

بعدما استتب الأمر لبشير سياسيا وعسكريا وإعلاميا، ظل أمر واحد يؤرقه، فقد كان يعتبر أن صورته كرجل ديموقراطي ستظل ناقصة ما لم يسترجع الى أرض الوطن مؤسسات إعلامية تاريخية غادرته إثر تعرضها لأذى مباشر أو غير مباشر من سوء تقدير أو استسهال عسكريتاري ميليشيوي مورس على هذا الإعلام، ولم يهدأ باله قبل فتح قنوات الاتصال على سبيل المثال بجبران تويني اللاجئ الى باريس فدعاه الى العودة مع “النهار العربي والدولي” الى بيروت والى الأشرفية تحديدا، ونمت بين الشهيدين علاقات محبة ومودة وتقدير. وفيما بعد أمر بشير مجموعة قواتية بحماية نقل أرشيف “النهار” من منطقة الحمرا في بيروت الى الشرقية مخافة أن يتعرض للحرق أوالتلف بعدما دخلت القوات الإسرائيلية بيروت وتحولت بعض شوارع العاصمة الى مناطق عسكرية غير آمنة.

بشير والدكتاتور

هذا غيض من فيض نظرة بشير الى الإعلام وكي لا أختم بالوجدانيات، سأخبر قصة مختصرة عن بشير والرأي الآخر.

جاءني المسرحي الكبير جلال خوري الى المجلس الحربي ذات يوم من عام 1982 على ما أذكر، وهو المعروف بميوله غير اليمينية، وعاجلني بالسؤال الآتي: من الآخر، أنا عامل مسرحية عنوانها “الدكتاتور”، أنا مش قاصد فيها بشير لكن كل ما فيها يوحي بأنني استقصده، قل لي، بِعرِضها أم لا، وإذا عرضتها إديش بضل على قيد الحياة؟ واستغرق في ضحكة عالية الهدفية مسرحيا، وهذه بطاقة الدعوة لك لحضور العرض الأول. فأجبته بأن الدعوة يجب أن توجه الى بشير، وهكذا كان، وبشير لم يكتف بقبول الدعوة بل أصر على كتابة بضعة سطور أشاد فيها بالكاتب وبالعمل الفني، نشرت في صدر كتيِّب المسرحية الذي يوزع على الحضور.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل