كان لازم نكمِّل.. شفت واحد كلو غبرة بس ما كان بشير

بين 23 آب و 14 أيلول 1982 اختصار لزمن ارتفعت فيه الأحلام الى أبعد مدى ثم تهاوت وكأنها فصل في مسرحية تراجيدية ينتصر فيها البطل ثم يقضي شهيدًا ليبقى انتصاره مزروعًا على مدى التاريخ. هذه كانت حكاية شباب “القوات اللبنانية” مع بشير الجميل في مرافقته في رحلة الاستشهاد. ولكن الأهم أن الحكاية لم تنتهِ مع 14 أيلول. بعد 23 آب كان السؤال: ماذا ستفعل “القوات”؟ هل ستنتقل مع بشير الى قصر بعبدا؟ من سيبقى؟ من سيعود الى جامعته؟ بعد 14 أيلول عادت الى القاعدة الأساسية: سوف نكمّل وسوف نبقى وسوف نتلاقى مع مواعيد كثيرة ونحن ندرك أن لائحة الشهداء ستطول.

رياض عاقل كان واحدًا من هؤلاء الشباب الذين يستمرون في القتال من أجل القضية، وهو يتذكر تلك الرحلة الفاصلة بين حدود الحلم وحدود الاستشهاد.

بـ 23 آب (1982) كانت جلسة الانتخاب الثانية. كانت صارت جلسة بـ19 الشهر وما اكتمل فيها النصاب. كان مقرّنا في سنتر صوفيل في الأشرفية كقيادة موقع بيروت. وكنا ننام هناك. الشيخ بشير كان يريد أن يتم انتخابه بنصاب الثلثين في مجلس النواب ويومها تم الأخذ باقتراح تحديد الثلثين نسبة لعدد النواب الأحياء.

كانت هناك مواكبة داخلية في “القوات” لعملية الانتخاب ولكن عبر جهاز الأمن وليس عبر القوى العسكرية النظامية.

بعد فشل الجلسة الولى تم التركيز على إنجاح الجلسة الثانية لتأمين النصاب لأن الأكثرية كانت مؤمنة.

يوم 23 آب بدأنا نهارنا في مقرّنا بمتابعة أخبار جلسة الانتخاب. كان عندنا تلفزيون صغير الحجم أسود وأبيض في غرفة الإشارة. كنا كلنا مجمعين. كانوا يعرضون مسرحية بترا ولم يكن هناك إلا تلفزيون لبنان. في بترا هناك شبه بين الشيخ بشير وبترا. خطفوا بترا بنت الملكة والشيخ بشير اغتالوا بنته مايا. لا أتذكر إذا تم عرض المسرحية كاملة أو تم قطعها لبدء النقل المباشر لوصول النواب الى ثكنة الفياضية.

الشيخ بشير كان في غرفة الاجتماعات في المجلس الحربي. لست أدري لماذا بقيت في الصوفيل ولم أنزل الى المجلس لأكون الى جانبه. بقينا كلنا في الثكنة. بدأ النواب يصلون. لم نكن نفهم تفاصيل العملية الانتخابية المتعلقة بالنصاب والانتخاب. كنا ننتظر فقط أن يتم إعلان النتيجة. بدأت الجلسة. خلصت أول دورة. بلشت تاني دورة. وأعلن الرئيس كامل الأسعد النتيجة. نعلن انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية. كنا عم نعدّ معو. بشير الجميل… ورقة بيضاء. لما صار العدد 46 تمت العملية. وتم الإعلان. وبدأت الاحتفالات. وبدأ إطلاق النار ابتهاجًا. رقص وهرج ومرج. طلعنا. دوّرنا السيارات وبدأنا السير في الشوارع. ساحة ساسين امتلأت. قواص بالهوا. ما بحياتي مقوّص بالهوا. ما فيك. لقيت حالي سحبت الفرد وبلشت قوِّص. بلشنا نشوف وين موكب بشير. كان بدو يطلع لعند الرئيس كامل الأسعد بالحازمية. دوّرنا السيارات والجيبات وطلعنا عالحازمية. كان الشيخ بشير وصل وراجع من عند كامل الأسعد. صار يسلم على كل العالم. وصرنا لاحقينو وين ما يروح. كان يومًا تاريخيًا مذهلاً لا يوصف. بتصير تحس إنو هالشباب اللي ماتوا رجعوا عاشوا وإنوا كل شيء تعبتو راح بلحظة. حسينا إنو كل الحرب خلصت. رجعنا عالثكنة وصرنا نفكر شو بدنا نعمل بعدين. خلصت الحرب.

عشنا 21 يوم انتظار ومتابعة. كل يوم لما أوعى من النوم قول خي بعدو عايش. كنا خايفين عليه. ما كان ياخد تدابير أمنية متل ما لازم. مرة كنا عم نجرب آلية عسكرية جديدة وانفخت معنا الدولاب على نهر الكلب. ما كنا نلاقي العفريت. موقفين بالليل وبالعتم. فجأة بتوصل سيارة بتضوي علينا وبتصف ورانا. ما عرفنا مين. واحد من السيارة بيسأل: شو بكم شباب. منطلّع. هيدا صوت الشيخ بشير. كان قاعد ورا وكان معو بالسيارة السفير الأميركاني. تفاجأنا. ما في معو مواكبة. السيارة لوحدها. بيضل مضويلنا الضو حتى لاقينا العفريت وغيّرنا الدولاب. قلنا يعطيكم العافية وفلّ.

كان يبرم عالثكنات بعد انتخابو يخبر الشباب شو رح يصير. نحنا ما إجا لعنا. بعتلنا كريم بقرادوني. كان عندي اطلاع على بعض المعطيات. كنت عارف مثلاً إنو “غروب غاما” شو يعملوا تخطيطات للمستقبل. باللقاء مع كريم اعتذر لأنو الشيخ بشير ما قدر يجي وخبرنا إنو كان قبل يومين بمهمة بطرابلس راح شاف سليمان العلي بتكليف من الشيخ بشير حتى يقلو: الشيخ بشير بدو ياك رئيس حكومة. بس بيتمنى عليك إنو كل القرارات اللي بيوقّع عليها ما لازم تنام بالجوارير. شو بيقلو سليمان العلي: وقت الشيخ بشير بيمضي على قرار بيتنفذ.

يوم اللي استشهد الشيخ بشير عملنا بوسي الأشقر اجتماع. كان قائد منطقة بيروت. كانت الساعة 12 الضهر. مننزل عالاجتماع بالثكنة حد المجلس الحربي. كنا كلنا. بيقلنا بعتت وراكم عالاجتماع حتى بلغكم إنو الشيخ بشير عيّني قايد الحرس الجمهوري. افهموا منيح إنو رح نثبت الوجود المسيحي بالشرق. بدنا نبني مؤسسة عسكرية قوية ورح يكون نواتها الحرس الجمهوري والأميركان رح يعطونا أحسن أسلحة. دبابات أم 60 وطيارات ومدافع… بلشت آخد أسامي الشباب اللي بدها تلتحق بالحرس الجمهوري. كنا تلاميذ جامعات بعدنا عم نتابع اختصاصاتنا وما كنا بأجواء نلتحق بشكل كامل بمؤسسة عسكرية ونتفرغ فيها. منطلع من الاجتماع ما عنا جواب. منطلع أو ما منطلع؟ عم تقلب حياتك كلها من حياة مقاومة مدنية عسكرية لحياة عسكرية بالكامل. بعد كم ساعة كان استشهد الشيخ بشير. وبالتالي ما عادت المسألة مطروحة. صرنا بدنا نشوف شو رح نعمل وكيف رح نكفي بـ”القوات”.

كنت بغرفة العمليات تحت الأرض سمعت لبدة. صوت انفجار. بلشت التلفونات تدق: تبلغنا صار انفجار ببيت كتائب الأشرفية. فورًا بشلت الأسئلة: إذا كان الباش بالاجتماع. أول شي كان في جواب إنو ما كان. كان عنا صديق بالشعبة الرابعة معنا عم يحضر هالاجتماع. طلعنا أنا وشخص تاني تا نشوف شو صار ببيت الكتائب. وصلنا بعد شي عشرين دقيقة أقل من نص ساعة. ما كانت عجقت بعد ولا بلشت عملية إزالة الأنقاض. كان في بعض المسؤولين من “القوات” عم يفتشوا. قبل الاجتماع ببيت الكتائب كان الشيخ بشير عيّن عباس مسؤول عن أمنو الشخصي ولكن بقيت التدابير مش متكاملة. ما كان الشيخ بشير يقبل المواكبة القريبة جدًا. جرَّب عباس يفتش البناية اللي فيها الاجتماع اعترض مسؤول بالمركز إنو مش ضروري يصير تفتيش. اتصل بالشيخ بشير. الشيخ بشير طلب من عباس ما يفتش. بيتركوا الشباب البناية. كان باب بيت جدو لحبيب الشرتوني مفتوح. سكروا الباب ونزلوا. صار الانفجار. لما وصلنا كان الياس الزايك. قلنا قربوا. قربوا. حكيت معو. خلينا نشيلو. قلنالو مع مين حكيت؟ قال مع الباش. قلنالو: ليش الباش هون؟ قال: إيه بس حكيتو رد عليي. منفوت بالزاروب بين بيت الكتائب والبانية اللي حدو. بيطلع بوجنا ردم. بيقول الياس: هيدا الردم ما كان قبل شوي. صرنا نعيّط: بشير. بشير. بشير. ما في جواب. يمكن حدا حكي من جوا وفكر الياس إنو الشيخ بشير. رجعنا وقفنا مع العالم.

كنت واقف حد سيارة إسعاف. بيطلع واحد على الحمالة. بتصير العالم تصرِّخ: بشير. بشير. ودار الزقيف. صرنا نبوّس بعضنا إنو الشيخ بشير ضهر ما مات. بعيد عني شي متر الشخص اللي عالحمالة وبيحطوا بالإسعاف وبتمشي. وكمل الصريخ: طلع بشير. طلع بشير. دوّرنا الجيبات ورجعنا عالثكنة على أساس قطوع وظمطنا منو. بالثكنة بالصوفيل بيقلي عامل الإشارة: بوسي بدو يحكيك. بحكي معو بيسألني: قالولي شفتو للشيخ بشير عايش إنت. قلتلو: مظبوط. قلي: شفتو أكيد؟ قلتلو: شفتو ومش لوحدي. قلي: رح إرجع إسألك: إنت شفت شخص عم يطلعوه بالإسعاف ويقولوا عنو بشير أو شفت بشير. شفت وجو؟ تعرفت عليه؟ انصدمت. قلت إذا بوسي عم يسألني هيك يعني في شي صار. يعني هيدا مش الشيخ بشير. قلتلو: شفت حدا كلو غبرة وكلهم عم يعيطوا بشير. كان في ممرضة بسيارة الإسعاف هيي بتعرف. قلي: حكينا معها. شافوا شخص فكروا بشير. هيدا ريمون أسايان مش بشير الجميل. كانت ضربة موجعة. بعد شي ساعة بيجي شاب كان مع فادي فرام بيبلغنا خلص تعرّفوا على جثة بشير بمستشفى أوتيل ديو.

الفرح اللي فرحناه بـ 23 آب لا يوصف.

الزعل اللي زعلناه بـ 14 أيلول لا يوصف.

ما كانت دمعتنا سخية بـ”القوات” على كتر ما كان راح إلنا شهدا. هيداك النهار ما فيك تشوف وجوه الشباب والبكي اللي عم يبكوه. ولكن ما كان عنا خيار. كان لازم نكمّل.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل