#adsense

بشير تحت المطر في الدون بوسكو… مشروع “التعبئة العامة للمجتمع”: هتلر لا ينام

حجم الخط

وثائقي “بشير” أحيا الذكريات. ذكريات المواجهات البطولية. ذكريات العنفوان والخطابات القويّة والمواقف الجريئة المملوءة بالتحدّي. من أهم صفات بشير التحدّي. كان بشير يتحدّى في خوضه المعارك السياسية والعسكرية حتى ولم تكن الظروف ملائمة. حتى ولو لم يكن ميزان القوى لصالحه. بالنسبة للبعض إنه تهوّر. أما مع بشير فكان التحدّي بكلماته القويّة ونبرته الخطابية وحركة يديه واصبعه استنهاضًا للقوة الكامنة في الأشخاص والمجتمع. لغة التحدّي “البشيرية” كانت مصدر قوّة للشباب عسكرياً وملهمة الخيارات السياسية للمستشارين ودافعاً لتعيد القوى الاقليمية والدولية النظر في بعض من سياساتها تجاه لبنان. إنه سر القادة “الكارزميين”. وبشير أبرزهم في تاريخ لبنان المعاصر.

لم يُعدنا وثائقي “بشير” أربعة عقود الى الوراء. إنما أحيا ذكريات مضى عليها أربعون عاما. وذلك لسببين: الأول ان الموضوع هو بشير الذي لا يزال حاضراً في ذهن كل من التقاه او سمعه او شاهده عبر التلفزيون. والثاني ان الزميل جورج غانم برع في صناعته. كيف لا وهو محترف “وثائقيات”. ثقافته تدعم قراءته الجيوسياسية للأحداث. ومعرفته بكافة جوانبها تجعله يرى أبعد مما يقوله الضيوف. يتقن اختصار حدث كبير بكلمات قليلة. يقدّمها بصوته الرخيم الذي يضع المشاهد في قلب الحدث. موضوع الوثائقي هذه المرّة رجل استثنائي عاش في مرحلة استثنائية وصنع احداثاً استثنائية… كلمات كلّمت كل واحد منا. استحضرت في وعي كل منا الماضي الكامن في اللاوعي. ماض لا نريده ان يمضي.

وثائقي “بشير” وصورة نزار نجاريان وكلماته أعاداني بالذاكرة الى مرحلة التدريب العسكري في المدرسة. عدت بالذاكرة الى ملعب “ثانوية الجديدة الرسمية”، وساحة “مهنية عجلتون”، وأروقة “معهد الدون بوسكو”. هناك كان لقائي الأول ببشير.

بحسب الدكتور فؤاد بو ناضر بشير كان صاحب فكرة التدريب الإلزامي الشامل لتلامذة المدارس الثانوية. وقد أوكل إدارته الى نزار نجاريان (او “نازو” كما يعرفه الرفاق). بدأ المشروع غداة تأسيس “القوات اللبنانية” في العام 1980 بتدريب عسكري في المدرسة. كان يجري بعد الظهر او قبله. بحسب توقيت التعليم في تلك الأثناء بحيث لا تتوقف الدروس. ويستمر لثلاث او أربع ساعات. يوم او يومان في الأسبوع. تولى التدريب عناصر من الوحدات الخاصة التي كانت أوّل المجموعات العسكرية المركزية في “القوات اللبنانية” والأكثر تنظيماً وكفاءة في تلك الفترة. كان المدربون يأتون بلباسهم العسكري “المرقّط” وسلاحهم الفردي. يضعونه جانباً ويدربوننا على مبادئ القتال الأساسية بواسطة بواريد خشبية. نحملها وكأنها لعب. نركض بها بحماسة. ونقلب بها رأساً على عقب في الملعب غير آبهين بصلابة أرضه… نتعامل مع التدريب وكأنه لعبة حرب طفولية. بعد سنوات ستصبح اللعبة حقيقية! وسيسقط فيها جرحى وشهداء!…

لا يسمّي رفاق بشير ومساعدوه المشروع تجنيداً إلزامياً إنما “تعبئة عامة للمجتمع”. يتفقون على هذه التسمية على رغم اختلافهم على المشروع. المعارض الأبرز له في تلك الفترة كان الأستاذ أنطوان نجم، أحد مستشاري بشير. فهو كان مقتنعاً بأن التدريب العسكري يؤثّر سلباً على التحصيل العلمي لتلامذة المدارس. وكان يستند في رأيه هذا إلى إحصاء أجراه على مدى سنوات تبيّن له ان الشاب الملتزم حزبياً لا يحصّل نتائج دراسية مثل الشاب المتفرّغ كلياً للدراسة. تفهّم هذا الأخير اعتراض مستشاره الذي كان “مدرّسا” قبل ان يكون مناضلاً حزبياً ومستشاراً سياسياً. ولكن قال له: “إن المسألة وجودية. ولا بد من تعبئة عامة للمجتمع”.

بعد ساعات التدريب في ملعب المدرسة خلال العام الدراسي 1980-1981 أصبح المشروع أكثر تنظيماً. فكان أول مخيّم تدريب في “مهنية عجلتون” في صيف 1981. هنا أصبح التدريب أكثر احترافاً وأشد قساوة. كان مخيماً تدريبياً بكل معنى الكلمة. مدته أسبوع. تلك كانت أول تجربة عسكرية. لبسنا فيها البدلة الخضراء وانتعلنا “الرنجر” (الحذاء العسكري). حرّ شهر آب كان حارقاً. بالكاد تطفئ لهيبه “شربة المياه” من “مطرة”، المدرّب سيرج متى، التي كنا نتقاسمها لتكفينا طيلة فترة قبل الظهر. تقاسم مياه “المطرة” كان جزءًا من التدريب لخلق روح الجماعة في ما بيننا وتعاضدنا في الظروف الصعبة. سيرج كان من عناصر وحدات بيروت الذين شاركوا في معركة زحلة “البطولية”. رياضي من الطراز الأوّل. لا ينتبه احياناً انه تخطى المسافة المقرّرة “للمارش الليلي”. فيصِل بنا حتى فيطرون. يلفت انتباهه إيلي نصار، رفيقه. فيعيدنا الى المخيّم بعد منتصف الليل.

 

تطوّر مشروع “التعبئة العامة” خلال العام الدراسي 1981-1982. وأصبح المخيم ثابتاً في “معهد الدون بوسكو” على طريق قرطبا. هناك خضعنا لعدّة دورات تدريبية تحت نظر ذاك القديس الشاب. مدّة كل منها أربعة أيام. وجه “نازو” الأبيض كان محبباً لنا. وصوت بوق “هتلر” لا يزال في مسامعنا. حتى اليوم لا أعرف اسمه الحقيقي. ولكني أذكر جيداً انضباطه وهندامه العسكري المميّز. نستيقظ على صوت عصاه يضرب بها حديد الأسرّة. وننام على صوته الصارخ “إطفاء الأنوار”. ومن يتأخر في النوم يسمع دعساته بين الأسرّة. وكأنه لا ينام… متأهب ليل نهار. حاضر أينما كان. يراقب في الساحات وفي غرف الطعام… وعقوبة “الوضع الهندي” جاهزة لديه. وقد ذقتها مرّة. فكانت أوّل عقوبة عسكرية… اعتقدت حينها أنّها أقسى ما يمكن ان يتعرّض العسكري له…

في مخيمات التدريب هذه في عجلتون والدون بوسكو كان أول لقاء لي ببشير. كان يحرص على زيارة كل مخيّم تدريب. يعاين عن قرب. يطّلع منا ومن المسؤولين عن الحياة في المخيّم. وأمامنا كان يلقي الخطابات النارية. أحدها كان تحت المطر تحدّى فيه إيران “الخمينية” وسوريا “الأسدية” ووزراء الخارجية العرب الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء على لبنان. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية راح يطلق من أمامنا المواقف النارية تجاه الناخبين الإقليميين والدوليين. ويعلن أنه يرفض أي رئيس “غير مقبول لبنانياً ومصرّين عليه لبنانياً وذلك حتى إذا سوريا حتى إذا مصر، وحتى إذا الفاتيكان، وحتى إذا كانت أميركا… أرادوه…”. ربّما كانت تلك الخطابات الحماسية العامل الأساسي في نجاح مشروع “التعبئة العامة”. نجح بشير في جذبنا الى مشروع المقاومة وتحدّي الداخل والخارج من أجل لبنان الـ 10452 كلم مربّع.

مشروع “التعبئة العامة” كان أحد أبرز التحدّيات التي خاضها بشير ليس ضد الخارج إنما في الداخل. الأهالي الذين اعترضوا على المشروع في بداياته قبلوه فيما بعد. والعديد منهم شجّعوا عليه بعدما رأوا في “القوات اللبنانية” مؤسسة عسكرية تدافع عن أرضهم ووجودهم واستقلالهم وحريتهم… وبعدما رأوا في بشير قائدًا استثنائيًا بحجم وطن. وفي ذاك الرابع عشر من أيلول بكى أهالينا معنا حزنا على خسارة قائد أصبح خلال فترة قصيرة حلم وطن. لقد نجح بشير في مشروع “التعبئة العامة للمجتمع” وربح التحدّي…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل