
سكوت، طلّ الشيخ بشير، اشتقنا لهالطلّة يا شيخ، اقعدوا يا ولاد وتعرّفوا ع البطل… وتحلّق كل من في البيت حول الشاشة الصغيرة، بدا المشهد وكأنه تلفزيون أيام زمان يوم لم يكن سوى تلفزيون لبنان ولم يكن في بيوت الضيعة سوى بيتين او ثلاثة يملكون تلك الآلة السحرية، نهرع إليها كل ليلة ثلاثاء لنحضر أبو ملحم في “يسعد مساكم”، الآن عدنا وكل ليلة ثلاثاء نستعيد مشهدية مماثلة إنما لبطل شاشة مختلف تماما، فلنقل بطل ساحات سحر الوطن والعالم والشاشة الصغيرة لزمن قصير، رحل البطل وبقيت الساحات والشاشات تحكي عنه الحكاية، بشير الجميل.
فجأة عادت التفاصيل الكبيرة الراحلة تنتصب بوجه زمن الحاضر، زمن أقل ما يوصف بزمن الدجل والمنافقين والتجار، وثائقي اخترق جمود الزمن السياسي في لبنان ولا سياسة عمليا، إنما صفقات تمرر وتجار هيكل في كل آن، عاد صوت بشير الجميل يخترق ويضج ويرفع إصبع العنفوان ذاك، عبر وثائقي من إعداد جورج غانم، يبث كل ثلاثاء على مدى خمسة أسابيع عبر شاشة MTV والحلقة الأخيرة يوم 14 أيلول ذكرى استشهاده.
عندما قرر جورج غانم توثيق حياة بشير الجميل بشريط وثائقي لا يجب أن يتعدى الساعات الخمس، كان يعرف انه سيواجه عراقيل كبيرة، أولها الأرشيف الهائل من الصور والخطابات لبشير في مقابل نقص في الأحداث المصورة بلبنان، فاستعان بالوكالات الأجنبية مثل رويترز والـ ا.ف.ب، والتلفزيون الفرنسي وما شابه، ما ضاعف كلفة إنتاج الوثائقي الذي مولته شركة كوانتوم للسيد إيلي خوري ومؤسسة بشير الجميل.
الصعوبة الكبيرة الثانية كانت التواصل مع الجهات كافة التي كان لها الدور الأبرز في تصاعد مسيرة البشير العسكرية والسياسية وصولا الى رئاسة الجمهورية، وتحديدا الفلسطينيين والإسرائيليين أيضا، هدف غانم الرئيس كان ان يتعرّف الجميع الى بشير الجميل الحقيقي، الخصوم قبل الرفاق والمناصرين “بعد 34 سنة في جيل جديد لازم يتعرف على هالشخصية الاستثنائية، ثمة مجموعة رفاق له لا تعرف عنه سوى ما تحب أن تعلم، ثمة جيل لا يعرف عنه شيئا إلا بحسب ما يسمعه او يراه هنا وهناك، أما الخصوم فيعرفون عنه القليل وما يرونه من وجهة نظرهم السلبية إذ يعتبرونه عدوا او عميلا او مجرد شخص أراد أن يصفّي خصومه ليصل الى الرئاسة، فأردت أن أوضح للجميع وبالوثائق والأحداث، من هو حقيقةً بشير الجميل” يقول غانم.
عمل شاق وصعب خاضه غانم ليصل الى أقصى ما يمكن من الموضوعية في الوثائقي الذي استهلك نحو أربعة آلاف صورة للبشير حصل عليها من مؤسسة بشير الجميل، فضلا عن خطاباته الكثيرة، وحاول في خمس ساعات مدة الوثائقي إبراز أهم الأحداث المفصلية التي طبعت مسيرته، وبالتالي غيّرت في مسار الأحداث اللبنانية، مثلا حادثة اختطافه من قبل الفلسطينيين في الدكوانة التي حولته الى مقاتل شرس وتمرد من بعدها حتى على قيادته في حزب الكتائب، أي على والده الشيخ بيار “ركزت بالوثائقي على نشأة فكر بشير المقاوم وعلى المناخ العام الذي انطلق منه وتحديدا وكما كان يقال إنو بشير كبر على درج بيت الكتائب، الأكيد إنو الفلسطينيين والسوريين هني لـ عملوا بشير المقاتل الشرس، استفزته كثيرا محاولة الفلسطينيين السيطرة على البلد فصار مناضلا غاضبا كما استفزه لاحقا الاحتلال السوري، مقاومة البشير غيرت مجرى الأحداث في منطقة عمليا ما كانت من اهتمام الدول الكبيرة على الإطلاق لكنه سلّط الضوء على شخصه وعلى لبنان بمقاومته”.
.jpg)
أصعب ما واجهه غانم في الوثائقي هو التواصل مع الجهات كافة كالفلسطينيين مثلا، ورفض بعض الجهات اللبنانية مما كان يعرف يومذاك بالحركة الوطنية التحدث في الوثائقي تجنبا للإحراج من جماعتهم، والصعوبة الأبرز كانت توضيح علاقة بشير مع الإسرائيليين وبشفافية مطلقة “بشير ليس عميلا إسرائيليا كما يحلو للبعض أن يصوّره، بشير مقاوم ورجل القرار الصعب بظروف قاسية وبالغة الصعوبة هذا ما حاولت ان أثبته في الوثائقي، وأنا نقلت الصورة على الأقل كما أنا عايشتها وأعرفها وبعد قراءات كثيرة ومعمقة، وتابعت تقارير أجنبية كثيرة، وأحب ان أوضح ان ما كان ممكنا ألا نتحدث عن علاقته بالإسرائيليين وخصوصا عن مدى غضبه منهم مثلا عندما علم بوصولهم الى الليطاني حيث تصادم معهم بشكل حاد جدا، كان يجب ان ألقي الضوء على كل تلك الأجواء المحيطة به لأوضح للناس تكوين فكر بشير المقاوم اللبناني الحقيقي وتطور صورته عند قادة العالم آنذاك” يقول غانم الذي حاول في خمس ساعات اختصار حياة كاملة لمناضل قلب صورة لبنان الضعيف المهزوم المترنّح تحت وطأة الاحتلال الفلسطيني المسلح والاحتلال السوري، الى لبنان مقاوم شرس لا يقبل الخضوع وليقلب معه الكثير من المعادلات التي كانت مرسومة سابقا له.
هذا هو التاريخ كما جرى، ولا يمكن لأحد التلاعب بأحداث التاريخ لأنه مدوّن بسجلات الأيام والشهود الأحياء والوثائق المصورة المدوّنة في الأرشيف، وما فعله الوثائقي انه نفض الغبار عن تلك الوثائق ووضعها في الصوت والصورة أمام عيون الناس. قال البشير يوما “مستعد للتعاون مع الشيطان إذا كنت بخلّص بلادي من الاحتلال” وهذا ما فعله لينقذ لبنان يومذاك من الاحتلال الفلسطيني المسلح الذي كان بدا يستعد لاجتياح كل لبنان وجعله وطنا بديلا عن فلسطين.
رجل في خمس ساعات عبر صوت جورج غانم الرائع، ومعلومات علمية غير خاضعة لمزاجية كاتب أو أهواء سياسية معينة، هو التاريخ كما هو وكما حصل اخترق عبره جورج غانم المسافات الزمنية بالحوادث والصور، ليضع الرجل الملتبس بعد لدى كثر أمام مجهر التاريخ، بالنسبة لنا البشير بطل استثنائي، بشير من صنع لنا صورة المقاوم الغاضب الذي تجرأ على ديكتاتور وقال له “إيدك عن لبنان”، هذا ما أبرزه بشكل لا يقبل جدلا وثائقي جورج غانم، ونحن كل ثلاثاء نستعيد زمنا لم نعش كل تفاصيله ولا نعرفها أساسا، لكن نحيا بروحيته ومنه استمدينا ذخيرة النضال تلك، فنجلس مساء كل ثلاثاء لنلتقي بمن نحب “يللا سكوت بلّش الباش اقعدوا يا شباب”….سيكون فراغا كبيرا في الثلاثاء الذي يليه من دون الباش…
.jpg)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
