القرار الاتهامي الصادر عن قاضي المجلس العدلي في قضية تفجير مسجدي “السلام” و”التقوى” في طرابلس قبل ثلاث سنوات بالتمام، في 24 آب وكان يوم جمعة، وعند توقيت الصلاة، يقع في 44 صفحة تسعى إلى رصد كل التفاصيل التي توصل إليها التحقيق، بتتبع الهواتف والكاميرات وإفادات الشهود، ولكن قبل كل ذلك والأهم منه، باعترافات بعض الفاعلين ممن أمكن توقيفهم.
القرار أكد ما كان يعرفه الجميع من أن وراء الفعل الإجرامي ضباط مخابرات سورية، وتواطؤاً بدرجات متفاوتة من عناصر ومسؤولين في تشكيل صغير يُفترض أنه إسلامي، شائع أنه متورط بالتعامل مع المخابرات السورية بعد اعتقال بعض كوادره منتصف الثمانينات. وهؤلاء أمضوا سنوات طويلة في سجون دمشق وخرجوا «متعاونين» مع جلاديهم، فيما نسج بعضهم الآخر، ممن وفد بعد ذلك إلى هذا التشكيل، ومنهم المتهم الرئيسي، خيوطاً مع جهات أمنية سورية ترتكز إلى هذه العلاقة من ناحية، وإلى شبكة من المصالح الصغيرة والتسهيلات التي توفرها هذه الصلة من ناحية ثانية، وفيها شؤون التهريب على أنواعه والتجارة بالهواتف والسيارات وفيها ملاهٍ و…
لكن هذا كله يعلمه القاصي والداني في طرابلس (ومعتاد في لبنان عموماً)، ولا مفاجأة فيه، والأهم أنه لا يثير أي انفعال، باعتبار أنها حال لطالما كانت موجودة، وإنْ اختلف أو تنوّع المشغّلون.
أما ورود اسم حي بعل محسن في القرار بتكرار، وكذا اسم «زعيمه» علي عيد (توفي من مرض نهاية 2015) فهو، وإن كان متوقعاً بل معروفاً أيضاً، فإنه يمتلك أهمية كبيرة يخشى أن تترتب عليها نتائج. فالحي هو تلك التلة الواقعة على المدخل الشمالي لمدينة طرابلس، يقطنها بغالبية ساحقة أناس ينتمون إلى المذهب العلوي، وهم من أبناء المدينة ومن الوافدين إليها من قرى سهل عكار والريف السوري القريب، ومعظمهم كان يهرب إليها من بؤس مدقع. وقد نمت بحكم تطورات الواقع السياسي علاقات وروابط مع السلطة السورية، عززها نشوء تنظيم في مطلع السبعينات (وكان في مخاض دام سنوات قبل ذلك) من أجل الدفاع عن «حقوق العلويين» وتمثيلهم ضمن نظام المحاصصة الطائفية اللبناني (بعد انتزاع الاعتراف بوجودهم كطائفة).
ويقابل بعل محسن حي باب التبانة الذي كان في ما مضى المنطقة الحيوية لتجارة الجملة في المدينة ورابطها مع الريف الزراعي الممتد بينها وبين سورية (عكار)، وكذلك مع مدن حماة وحمص (ومن بعدهما الداخل العربي) التي كانت تورِّد إلى لبنان عبر طرابلس منتجات متنوعة، فكانت في باب التبانة أسواق القمح والخضار ومستودعات شتى. كما كان الحي الكبير والمكتظ مركزاً لصناعات حرفية و»معامل» صغيرة من كل نوع، وورشات حدادة وميكانيك. والحيّان المتقابلان انخرطا في جولات من المواجهات المسلحة التي كانت تدور لأيام أو أسابيع أحياناً، وتستخدم فيها أسلحة تبدأ بالبنادق القناصة والرشاشة وتنتهي بمدافع الهاون والقذائف الصاروخية.
18 جولة انتهت في 2014، وحصدت مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمعاقين والمشردين، وخراباً هائلا في العمران وفي الأوضاع الاقتصادية ليس للحيين فحسب بل لمجمل مدينة طرابلس المنكوبة أصلاً بالإهمال والنكران. وهذا، بينما كان الكل (هنا أيضاً!) يعرفون أنها معارك يجري التخطيط لإشعالها في غرف مغلقة بعيدة عن أماكنها، ولغايات شتى بعيدة عما يقال بخصوصها، وأنها في أحيان كثيرة صارت مجالاً لصراعات بين متنفذين من المدينة أو بين بعضهم والسلطة المركزية في بيروت لغايات في نفس يعقوب… وأنها درّت مبالغ مالية كبيرة على «مُشغِّلي» هؤلاء الشبان البائسين الذين اقتاتوا على فتاتها، فيما تصل نسبة البطالة في هذا الحي إلى مستويات مذهلة، ويقع 90 في المئة من سكانه عند خط الفقر أو دونه (في مدينة 57 في المئة من سكانها يقفون هناك بحسب تقارير الإسكوا المتكررة عاماً بعد عام)، مما يجعل باب التبانة «فافيلا» بالمعنى الذي يُستخدم فيه التعبير في أميركا اللاتينية. وقد سمحت الجولات الدموية تلك بتوجيه التوترات في منحى مذهبي منسجم مع الجو العام في المنطقة، وخلفت ثارات يصعب محوها، بصرف النظر عن التكاذب الذي يطفو على السطح أحياناً.
وجدت السلطة في سورية أن من الأسهل عليها استخدام علاقاتها تلك مع هذا الحي لإخفاء السيارات المفخخة بعد تجهيزها، وإيواء الأشخاص المكلفين بوضعها في الأماكن المقررة لها، ثم المساعدة في تهريب الفاعلين، معرِّضة بذلك سكان الحي لمزيد من مشاعر الكراهية والنبذ، ولخطر الانتقام منهم بعد مقتل 50 إنساناً في تلك الظهيرة، جلهم من المصلين والمارة وبينهم أطفال كثر، وجرح 500! وهذا تماماً كما وجدت أن من الأسهل عليها استخدام ميشال سماحة في تهريب عبوات ناسفة ومتفجرات بسيارته من سورية إلى لبنان، على اعتبار أنه وزير سابق وشخصية عامة، ما يسهِّل عليه التنقل بلا تفتيش، مضحيةً به بلا اكتراث ولا حساب.
وهو مسلك يكشف في الحالتين ليس الاستهتار فحسب، وليس انعدام الكفاءة المريع فحسب، بل خصوصاً مبلغ «الحشرة» التي تعاني منها دمشق، بحيث يبدو كل فعل من هذه وكأنه الطلقة الأخيرة، عساها تصيب. ولكن تصيب ماذا؟ هل من «ضرورة» فعلاً لارتكاب تفجيري المسجدين، وما الفائدة المرجوة منه، إذا وضعنا جانباً (بوصفه هراء خالصاً) الهدف المعلن من الضباط الاستخباريين للمنفذ: اغتيال إمام المسجد الأول، وسياسي معادٍ لسورية يقع بيته أمام المسجد الثاني، وهما طبعاً لم يصابا بأي خدش. ويبدو أن الضابط المذكور أصر على التنفيذ يوم الجمعة وفي وقت الصلاة حتى يكون الحدث «مدوياً»!
وأما الخاتمة فهزلية بالضرورة: بيان المكتب الإعلامي لحزب «البعث» في لبنان يستنكر «محاولة شد العصب الفتنوي عبر تحريك ملف مسجد التقوى» الآن. (نعم، «عصب فتنوي»: مصطلح جديد). ترى القيادة القطرية اللبنانية لحزب البعث العربي الاشتراكي أن سبب «التحريك» ذاك هو «ما يلوح في الأفق من بوادر تحول إقليمي ودولي يتعلق بالأزمة السورية، فضلاً عن إنجازات الجيش السوري في الميدان…»، إلى آخر ثرثرة تُحشر فيها طبعاً الصهيونية والاستعمار. نحتاج إلى جيش من الأطباء النفسيين!