
اقترب ١٤ أيلول تاريخ سقوط التاريخ على مذبح التاريخ. نعم يا سادة هذا الوطن، بشير الجميّل كان تاريخ لبنان. استحق صفة “التاريخ” وصفة “لبنان” لأنّه كان لكلّ لبنان، ونذر نفسه للبنان الحلم. ومن رفضه آنذاك رفض هذا اللبنان .
يطل ١٤ أيلول وما زال بشير الجميّل هو هو بالنسبة الينا. بعضهم ما زال يخاف حتى صوره أو شعاراته، وما زالت ال ١٠٤٥٢ كلم٢ ترعبهم لأنّهم باتوا اليوم يريدون السيطرة عليها بالكامل، وفاتهم أنّ روحية البشير لا زالت تضجّ في نفوس محازبين ومناصرين بعد أكثر من ثلاثة أجيال على رحيله.
هم مرعوبون اليوم من رؤية صورته مرفوعة مع كل أسماء شهداء المقاومة اللبنانية في معراب هذه السنة كما كل سنة، منذ ذلك الأيلول في العام ١٩٨٢.
بشير اليوم يعيش ازدواجيّة في الشعور، حزين لأنّ لبنان الذي أراده لنا ولكل اللبنانيّين لم يتحقّق بعد. لكن البشير فرح من عليائه لأنّ روحه ما زالت نابضة في قلوب كل الأجيال التي توالت من بعده.
من يقرأ خطاب القسم الذي أدلى به فخامة الشهيد يعتقد أنّه يتحدّث اليوم في العام ٢٠١٦ وهذا ما يؤلمه كثيراً. لم يتبدّل شيئاً. لكن من ينظر اليوم إلى الحزب الذي أسّسه بشير، حزب “القوات اللبنانيّة”، يطمئنّ لأنّه يرى لبنان في عيون كل القواتيّين.
جيل بعد جيل وما زال مشعل البشير مشتعلاً، لم ينطفئ ولن ينطفئ أبداً مع رئيس حزب سار أمام كلّ محازبيه وارتضى الحريّة في المعتقل على العبوديّة تحت سماء الإحتلال والوصاية من بعده. إنّه سمير جعجع، هو هو كما البشير، سار على خطى المؤسّس. ولعلّ هذا ما يريح روح البشير أكثر. فالقوّات اللبنانيّة لم تتبدّل منذ تأسيسها، هي حزب الـ 10452 كلم2، حزب الكيان، حزب التّاريخ. واليوم “القوّات” رائدة في مجتمعها تقود ثورة، ثورة على الفساد الذي استشرى في كلّ دوائر الدّولة، ولم تتلطّخ أيدي القوّاتيّين به. “القوّات” اليوم هي ثورة بوجه كلّ من تسوّله نفسه نقض الميثاق والوفاق. فالتّركيبة اللبنانيّة، على هجانتها، تستطيع ان تؤمّن ديمومة هذا الوطن، فيما لو تمّ احترام دستوره. لكن الإشكاليّة الكبرى التي تدمي عيون البشير اليوم هي عدم احترام دستور لبنان ولا حتّى تطبيق أدنى بنوده. وما طبّق منه بعد الطّائف كان بطريقة استنسابيّة أتت لصالح فئة نصرها الإحتلال على حساب فئة أخرى، هي فئة البشير التي دفعت الثّمن الأغلى.
بشير الجميل… معه صارت للشهادة فخامة وتحوّلت الفخامة من يومه إلى شهيدة. وهذه المعادلة لن نستطيع الا تغيير شقّها الثاني ليبقى لبنان. ماذا وإلا … عود على بدء ستبقى الجمهوريّة شهيدة وتتحوّل كلّ الفخامات إلى شهداء.