
تصير الأغنية بدلاً عن حنين. وعد يا لبنان نحمل الغنيي ونمشي بالساحات نحكيها بغنيي عن بشير لـ كان صوتو ملوَ الزمان… يا الله أين صار البشير، كيف أصبحت الاغنية وعدا؟ كيف صار الوعد قسماً؟ كيف صار القسم أيقونة؟ أتكون الأغنية في وقت ما، زمن ما، اشتياق دائم ما، بدلا عن ضائع ليس “ما” انما هو البشير بحدّ عنفوانه؟ القضية بكل ما فيها وما عليها؟
يدور القرص المدمّج، الـ CD بمعنى آخر، يجلس المقاتل القديم الى بدلته الزيتية المعلقة في ضمير أمة، ماذا يسمع؟ هي ذكرى 14 أيلول، ليس عيد ارتفاع الصليب وحسب، إنما ذكرى حمل المسيحيين في لبنان صليباً كبيراً جديداً دامياً، استشهاد البشير ورفاقه، واحدة من قوافل شهداء كثر كثر على دروب جلجلة المسيحيين، أي الأغاني التي توصّف حالنا في ذاك اليوم المشؤوم؟
لا أحد يسأل هذا السؤال، ثمة اغنية لا تقبل جدلاً، او لعلها نشيد، هو ليس وعداً للبنان بحد ذاته انما وعد لحالنا نطمئن من خلاله أنها “مشيت ع وعد البشير القوات اللبنانية”.

نسمع تلك الأغنيات الأناشيد لنثبت لحالنا قبل الأيام، قبل ذاك الوطن المستحيل، اننا ما زلنا في القضية، ما زال البشير يسكن ضميرنا، إيماننا، نقول انه استشهد ونهرع الى أغانيه ننشد وجوده فيها، لنصرخ اننا “ع دعساتك نحنا مشينا دعساتك مليانة دروب” لا نريد الخروج من هاك الملعب، نريد بقاء ما كي لا يتكرر مشهد ما حين “هزت منازلنا صيحات العدوان صرخت مدافعنا إيدك عن لبنان” إيدك عن لبنان، وكأنه صوت البشير يصرخ بوجه الاحتلال مهدداً حافظ الأسد قبل أن تمتد يد الأخير ذاك لتنال من لبنان والبشير ولتصبح أغنية “وعد يا لبنان” صوت آلاف القلوب وهي تنده على البطل الغائب، تطالب السماء أن تصدقها بأنها على الوعد باقية.
“بعدما استشهد بشير بكم يوم اتصلت فيي صولانج وطلعت لعندها ع بكفيا وإذ يأتي سجعان قزي وآخرون من الرفاق، قالتلي سماع هالغنية، وبلّشت باسكال صقر تغني وعد يا لبنان…” وهنا يصمت جو توتنجي، تخنقه الغصة، تغلبه الدمعة، صاروا أربعة وثلاثين عاما يا رجل كيف يبكي بعد الرفاق؟ “ما بقدر إحكي عن هاللحظة وهالغنية بالذات إلا ما اتأثر واتضايق” يقول رفيق البشير مذ كانا في العاشرة من عمريهما وصولا الى الفراق الكبير، ما زال يعيش توتنجي إرث رفيقه حتى اللحظة ويوما بعد يوم، بين صوره وخطاباته، صوته الصارخ بالعنفوان ما زال يضجّ فيه وكأنه موجود، حي يرزق قليلا ويقرع الباب ويدخل، يكمل حبل ذكرياته “خلصت الغنية وكان أمام كل منا بركة دموع ما قدرنا نقول رأينا فيها وكان ألفها الياس الرحباني لإطلاقها بذكرى أربعين البشير، رجعنا سمعناها عن جديد تـ نقدر نحكي ونحكم عليها، الآن وبعد 34 سنة بعدها الغنية بذات التأثير لأنها ما زالت بذات المطرح هون جوا بالقلب وبالحنين للبشير والتأثر على غيابو، هيدا الشعور انعكس على آلاف الناس لـ آمنت ببشير، صارت الغنية رمز”.

صارت الأغنية أيقونة، والأيقونة أيقونات بعدما تحوّل بشير نفسه الى أيقونة شعبية تتناقل أخبارها وبطولاتها الأجيال المتعاقبة، احتل بشير وجدان الأغنية، توّجته الألحان شهيد الجمهورية، صار في خلود الكلمة واللحن “والصرخة اسما بشير”.
الناس العطشى لبطلها حاولت التمسّك بأي شيء يثبت أنه ما زال موجوداً، أن الزمن والاحتلال والقمع لن يمحوا البطل من عنفوان الناس، وان نضاله إرثهم الذي لن يندثر “صارت الناس بدها تتعلّق بأي شي الو علاقة بـ بشير فكانت الأناشيد والأغنيات، تصوري عندما قام نديم بجولة لأميركا من فترة قصيرة فوجئ إنو هالأناشيد منتشرة بشكل كتير قوي بين الشباب والصبايا والجالية اللبنانية بالاغتراب عموما” يقول توتنجي ويذهب ليكمل مشواره مع رفيق دربه.
.jpg)
ذهب البشير الى ضيائه ولتصبح أناشيد المقاومة اللبنانية، مقاتلاً بحد ذاتها إنما من نوع آخر ترافق المقاتلين في جبهاتهم، في ثكناتهم، في انتصاراتهم وأيضا في انكساراتهم، وتطورت الأغنيات وصار لكل سلاح أغنيته، سلاح الإشارة والمدفعية والمشاة والبحرية والصدم، ولما انسحب المقاتلون من الجبهات، بقيت الأغاني والأناشيد، بقيت “حمرا ومكتوبة بالنار” وبقي وعد البشير “وبقيت ع وعد البشير القوات اللبنانية”، صارت الأغنية حلماً، عاش الشباب في أحلام بطولاتهم الملحنة نغماً وشعراً، لفترة احتلال أسود طويل كانت هي الحرية الوحيدة المتاحة لهم، هي التراث الذي لم يتمكن الاحتلال من اجتياحه، كيف تجتاح مساحة شغف كهذه؟ كانت الذاكرة التي عجز عن محوها أسوأ الأنظمة الأمنية على الإطلاق في تاريخ لبنان، وصمدت مع صمود المقاومين في السلم كما في الحرب، رحل الغرباء المحتلون وبقي بشير بطل الجمهورية وشهيدها، وبقيت الأناشيد تراثاً من تراث عريق نستحضره كلما عنّ ع بالنا موال عنفوان، حكاية مواجهة في عمر النضال الطويل ذاك…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
