خاص “المسيرة “: بشير وواشنطن بين تبني فيليب حبيب ومُعارضة واينبرغر!

واشنطن – خاص 

إذا كانت علاقة وطيدة غير معلنة قامت منذ فترة بين الرئيس الشهيد بشير الجميّل والأميركيين بفعل بروز دور القيادي غير الرسمي على الساحة اللبنانية ما فرضه لاعباً محلياً وإقليمياً أو حتى دولياً قبل تسلمه أي منصب رسمي وفق مفهوم أي علاقة قد تقيمها الإدارة الأميركية مع شخصية خارجية، إلا أن إقتناع السفير فيليب حبيب المبعوث الرئاسي الأميركي إلى الشرق الأوسط في تلك الفترة (1981 – 1983) وهو الماروني الأميركي من أصول لبنانية، بشخصية الرئيس بشير القوية، جعلته يتصرف معه بمثابة أب سياسي له، وهو ردّد مراراً أمام مقربين منه العبارة التالية بالإنكليزية: he’s like my son  وهو فتح له الطريق السياسي إلى واشنطن، وإلى تحضيره الاجتماع الشهير في القصر الجمهوري في بعبدا بين الرئيس المنتخب ووزير الدفاع الأميركي في تلك الفترة كاسبار واينبرغر، وعلى الرغم من حنين حبيب وحبه لبشير إلا أنه لم يستطع تغيير مسار السياسة الأميركية تجاه لبنان في تلك الفترة، وانصاعت إدارة رونالد ريغان لرؤية وزير دفاعه بأن وافق على سحب قوات المارينز من بيروت، وتراجع بعدها الاهتمام والرعاية الأميركية المباشرة للبنان على حساب لعبة المصالح وتوازن القوى الدولي والإقليمي الذي كان سائداً آنذاك.

إستنكار ريغان

وقعت عملية اغتيال بشير كالصاعقة على عقل وقلب فيليب حبيب الذي سارع إلى إبلاغ البيت الأبيض بالحادث الأليم، ما دفع الرئيس الأميركي روناد ريغان إلى إصدار بيان الإدانة التالي:

إن الأنباء عن الاغتيال الجبان لبشير الجميل، الرئيس المنتخب للبنان، هو صدمة للشعب الأميركي والمتحضرين من النساء والرجال في كل مكان. وقد جلب هذا القائد الشاب الواعد نور الأمل إلى لبنان. ونحن ندين مرتكبي هذه الجريمة البشعة ضد لبنان وضد قضية السلام في الشرق الأوسط، ونعرب عن تعاطفنا العميق مع السيدة صولانج بشير الجميل وابنهما، ولعائلة الجميل بأكملها، إلى الرئيس إلياس سركيس، لحكومته، وشعب لبنان. ونحن نضم صوتنا معهم في الحداد.

والمأساة يمكن أن تكون أكبر إذا إستمر الإضطراب في هذا البلد الذي مزقته الحرب. فهذا يجب ألا يحدث. وختم ريغان بيانه بالقول :” تقف حكومة الولايات المتحدة إلى جانب لبنان مع الدعم الكامل في ساعة الحاجة هذه.”

بيان الخارجية الأميركية

وفي الخامس عشر من أيلول من العام 1982 تحرّكت الدبلوماسية الأميركية من جديد على خط إحتواء التوتر المتصاعد في لبنان والذي أذكاه وفق مصادر في الخارجية الأميركية عاملان، أولهما إغتيال بشير الجميّل ودخول القوات الإسرائيلية إلى الجزء الغربي من بيروت ذات الغالبية المسلمة، وعلى هذا الأساس عملت الإدارة الأميركية سراً وعلناً على إيصال رسالة واضحة إلى الرئيس اللبناني إلياس سركيس، بأنها تؤيد جهوده للحفاظ على النظام. وأبلغته صراحة بأن الولايات المتحدة تريد من الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني استعادة سلطتهم في بيروت وبقية أنحاء البلاد.

وأعقب هذه الرسالة عبر القنوات الدبلوماسية بيان رسمي شديد اللهجة من الخارجية الأميركية جاء فيه:

نحن نستنكر عملية الاغتيال الصادمة للرئيس المنتخب. ” هذه المأساة الأخيرة العنيفة فقط تعيد التشديد على ضرورة الاستعجال في البحث عن السلام في الشرق الأوسط”.

وقالت الوزارة  إن عملية الاغتيال ”تؤكد على ضرورة أننا لا نغفل عن الأهداف المهمة التي وضعها لبنان لنفسه إلا وهي استعادة سلطة الحكومة المركزية التي لا تزال المفتاح لمستقبل لبنان”، وأضاف البيان: “إن الولايات المتحدة سوف تفعل كل ما بوسعها للمساعدة في هذه العملية من خلال هذه الفترة العصيبة في تاريخ البلاد.”

ولم تكتف وزارة الخارجية بهذا البيان، بل وفق توجيهات الرئيس ريغان عقدت سلسلة اجتماعات عاجلة وعلى مستوى رفيع مساء يوم الثلاثاء بتوقبت واشنطن، تقرّر على إثرها إيفاد المبعوث الرئاسي الخاص موريس درايبر Morris Draper ، إلى إسرائيل لإقناعها بضرورة إنسحاب قواتها من بيروت الغربية،  وإبلاغها بأن استمرار وجود قواتها في العاصمة قد يعرقل الجهود الرامية إلى تعزيز الحكومة المركزية، ويمكن أن يعرقل أيضاً اختيار رئيس جديد للبلاد.

واشنطن والمسؤول عن الاغتيال!!

وفي حين أعلن مسؤولون أميركيون بعد يوم واحد من عملية الإغتيال إنهم لا يعرفون من هو المسؤول عن هذه العملية قبل تسعة أيام فقط من تسلم مهامه رسمياً ودستورياً كرئيس للبلاد. كان اللافت ورود تكهنات في واشنطن بأن هذه العملية قد تم التخطيط لها من قبل جماعات مسيحية معارضة للجميل أو من قبل جماعات مسلمة يسارية ترتبط بعلاقة مع سوريا.

وقد رفضت واشنطن رسمياً بشكل مطلق على لسان المتحدث بإسم وزارة الخارجية آنذاك جون هيوز تحميل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الاغتيال.

أما مسؤولون رسميون أميركيون فرأوا أن عملية الاغتيال جاءت في وقت كانت الحكومة اللبنانية وبتشجيع أميركي واضح تتحرّك لإعادة بسط سلطتها في أعقاب خروج منظمة التحرير الفلسطينية والقوات السورية من العاصمة اللبنانية بيروت.

نيويورك تايمز

في الخامس عشر من أيلول عام 1982 كتب الصحفي في صحيفة نيويورك تايمز “إدوار غارغان” مقالاً عرض فيه لصفات بشير الجميّل القائد، ومما ورد فيه إنه “بدأ قائدا لميليشيا مسيحية صغيرة خارج بيروت، شق طريقه إلى الأعلى في حزب الكتائب الذي كان من أقوى الأحزاب في الحرب اللبنانية ولمدة إثنين وعشرين يوما كان رئيساً منتخباً للبنان. وهو كان أصغر رئيس في تاريخ البلاد.”

ذي تايمز

في 30 آب  1982 نشرت صحيفة «ذي تايمز» البريطانية نصّ حديث خطير أدلى به أرييل شارون للكاتبة والصحافية الإيطالية المعروفة اوريانا فلاتشي. وأهم ما جاء في الحديث دفاعه عن تراجعه حيال الوعد الذي أعطاه لبشير الجميل بتحرير لبنان من الوجود السوري والفلسطيني المسلح، مقابل توقيع معاهدة سلام. وأخبرها أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة دمرت قواعد الصواريخ في منطقة البقاع وزحلة، إضافة الى إسقاط أكثر من مئة طائرة حربية سورية.

وعندما كرّرت فلاتشي سؤالها حول أسباب تراجعه عن الخطة المتفق عليها والتي أيدها بيغن، أخبرها أن البيت الأبيض حذر إسرائيل من التمادي في ضرب النفوذ السوري لأن موسكو هددت بالتدخل المسلح. ولما بلغت المسألة هذا الحد من الخطورة، أمره بيغن بوقف الغارات وسحب قواته من بيروت والجبل.

حديث لمحطة تلفزيون أي بي سي  ABC

في التاسع من حزيران من العام 1982 أجرت محطة التلفزة الأميركية أي بي سي حديثاً مطولاً مع القائد بشير، وفي هذه المقابلة، أعرب الجميل عن أمله في أن نعيش الآن الساعات الأخيرة من ثماني سنوات من الحرب.” وردّد في هذا الحديث مراراً  عبارة أن ” لبنان قد يكون سهلاً تناوله، ولكن يكاد يكون من المستحيل هضمه.”

ودعا بشير في هذا الحديث إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية، بما في ذلك قوات الأمم المتحدة، وإنشاء حكومة مركزية قوية وجيش مركزي في لبنان بعد إعادة توحيده. وفي هذا الحديث رفض الجميّل الرد  على سؤال عما إذا كان يعتبر إسرائيل حليفاً له، وأوضح أنه رفض المشاركة في المعركة بقوله “إنها ليست معركتي، ولا يفعلها الإسرائيليون من أجلي.”

الاجتماع مع وزير الدفاع الأميركي

في الأول من أيلول من العام 1982 وصل وزير الدفاع الأميركي آنذاك كاسبار واينبرغر Caspar Weinberger إلى بيروت  حيث عقد اجتماعاً مع الرئيس اللبناني الياس سركيس وعدد آخر من المسؤولين، إلا أنه اختار الاجتماع مع الرئيس اللبناني المنتخب أيضاً بشير الجميل في القصر الجمهوري، وحضر الاجتماع يومها عدد من المسؤولين الأميركيين إضافة إلى قائد الجيش آنذاك العماد فيكتور خوري ورئيس أركان الجيش أضافة إلى بعض مساعدي بشير.

رؤية واينبرغر للبنان!!

وعلى الرغم من أن كثيرين كانوا يعتقدون في تلك الأيام أن الولايات المتحدة خططت لتدخلها العسكري في لبنان وفقاً لتأييد الرئيس ريغان لخطة وزير خارجيته آنذاك جورج شولتز الذي دعم مهمة القوات المتعددة الجنسيات في بيروت، إلا أن وزير الدفاع الذي إنصاع ريغان في ما بعد لرغبته وقرّر سحب قوات المارينز من بيروت، كان يعتبر أن لبنان هو المعركة الخاطئة للولايات المتحدة وهو حدّد مبادئ لأي تدخل عسكري مستقبلي للولايات المتحدة، وهي أنه لا يجب أن يكون هناك التزام من قوات الولايات المتحدة في الخارج ما لم يكن هناك مصلحة واضحة وحيوية للولايات المتحدة أو حلفائها. وكان يعتبر أنه يجب تحديد الأهداف العسكرية والسياسية بوضوح قبل الدخول في أي نزاع، ويرى أيضاً أن العلاقة بين الوسائل العسكرية والدبلوماسية، والأهداف السياسية يجب إعادة تقييمها باستمرار وتعديلها إذا لزم الأمر وهي لا تنشأ فقط في بداية الاشتباك العسكري. وأخيراً كان مفهوم واينبرغر يقوم على أنه لا معركة تستحق القتال أو سوف تكون ناجحة من دون ضمانات معقولة وبأنه سيكون لديها دعم من الشعب الأميركي والكونغرس.

وعلاوة على ذلك كان يعتبر، أن دخول القوات الأميركية إلى بيروت تحت عنوان القوات المتعددة الجنسيات، لم يكن ناتجاً عن تفهم جدي للربط بين الاستراتيجية والأهداف والعلاقة بينهما. لذلك قررّ الرئيس ريغان سحب القوات الأميركية من بيروت خوفاً من أن تصبح مستنقعاً عسكريا كبيراً للولايات المتحدة، بدلا من عملية لحفظ السلام متعددة الجنسيات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل