بشير الجميل تاريخ مش أرشيف

 

ظهْر الاثنين 5 تشرين الثاني من العام 2012، وقّع مركز فينيكس للدراسات اللبنانية في جامعة الروح القدس – الكسليك ومؤسسة بشير الجميل اتفاقية تعاون، في حرم الجامعة الرئيسي، تقضي بتجميع أرشيف الرئيس بشير الجميل وحفظه وفقاً للمعايير الالكترونية الحديثة. وفي تاريخ 10 آذار من العام 2014 تسلم مركز فينيكس الأرشيف من مؤسسة بشير الجميل كاملا بعدما تم نقله من الأشرفية إلى الكسليك بسيارات مصفحة مجهزة لنقل الأموال والمقتنيات الثمينة، وواكبتها حراسة مشددة، كما تم تصوير عملية النقل. لكن القصة لم تبدأ في هذا التاريخ ولا في ذاك…

منذ أربع سنوات، والعمل جار في مركز “فينيكس” التابع لجامعة الروح القدس على تنظيم الأرشيف الخاص بالشيخ بشير الجميّل والمتعلق بالأفلام والصور والتصريحات والمواقف، كذلك الأرشيف الذي يتناول حقبة مهمة من تاريخ لبنان المعاصر. وقد تسلمت الجامعة في الكسليك هذا الأرشيف عبر مركز “فينيكس” الذي يعنى بتنظيم أرشيف عدد من الرؤساء والشخصيات اللبنانية وتاريخ المقاومة ولبنان.

يتضمن أرشيف بشير الجميل مئات الساعات من أفلام الفيديو وآلاف الصور مع عدد كبير من المواقف صدر بعضها في المجموعة الصوتية التي انتجتها مؤسسة بشير الجميّل منذ سنوات، كما أصدرت المؤسسة ابتداء من العام 1985 مجموعة من ستة مجلدات هي “موسوعة بشير الجميّل” نشرت فيها مواقفه وتصريحاته وخُطبه منذ العام 1977 وحتى العام 1982.

تقسم عملية انتقال وحفظ هذا الكنز الزاخر، إلى مرحلتين: مرحلة التحضير وترتيب الإتفاق مع مؤسسة بشير الجميل، التي تخللتها مفاوضات واجتماعات والإتفاق على بعض النقاط المحددة بما يضمن حسن التعامل مع المعلومات خصوصا تلك التي تتخذ طابع الأهمية أو السريّة. ومرحلة ترميم وصيانة وتبويب الوثائق والمستندات والصور التي تسلمها المركز موضّبة في صناديق ولكنها غير خاضعة لمقتضيات التبويب العلمي. وفيما استغرقت المرحلة الأولى عامين، مرّ عامان آخران على بدء المرحلة الثانية، لكنها لا تزال في بداياتها وما زال أمام العاملين في المركز الكثير من العمل للإنتهاء من هذه المهمة.

نبض المقاومة الحيّ

ليس أرشيف بشير الجميل مجموعة وثائق ومحاضر اجتماعات وصوراً تؤرخ لمرحلة من تاريخ لبنان، هو في الحقيقة ذاكرة شعب ونبض مقاومة. وكما أن الشيخ بشير لم يكن مجرّد رئيس بين رؤساء، كذلك أرشيفه ليس واحداً من أرشيف عدد من رؤساء وقادة راحلين. ليس لأنهم أقل شأنا منه، بل كونه إرث بشير الذي صنع الأحداث وغيّر مجرياتها وكتب التاريخ بحروف أثبت من أن تغيّرها السنوات، وبنبض أعلى من أن تخفيه صناديق مكدسة على رفوف الحفظ من الإندثار والنسيان.

أصلا، إن كل من يدخل ذاك الدير الشاهد على نشوء المقاومتين القديمة منهما والحديثة العهد، يشعر برهبة المكان ووطأة التاريخ. ففي تلك الحنايا المتواضعة دارت أبرز النقاشات، وحُبكت أعظم القرارات في تاريخ المقاومة اللبنانية. هو لم يكن شاهدا على رموز وقيادات وقرارات فقط، بل إن الشيخ بشير نفسه كان من بين أبرز تلك الوجوه والعقول والقلوب التي صنعت حقبة مهمّة من تاريخ المقاومة ولبنان. ومن هنا أهمية عودة الإلتحام بين القضية والتاريخ وبين الشخص والمكان.

حتى في قلب أمان ذاك الدير المنيع، ليس الأرشيف مكشوفا على الداخلين إلى عمق المكتبة. هو موضوع إلى ما بعدها خلف أبواب محكمة الإقفال، لزيادة الأمان في الوصول إليه من جهة، ولحمايته من العوامل الخارجية المؤثرة على مثل هكذا محفوظات من جهة ثانية. وبعد بعض الإستيضاحات والحصول على الإذن يرافقك المسؤول المعني في كل خطوة ومحطة ليكون كل ما يجري تحت مراقبته وإشرافه. وبعدها يفتح القسم المتاح من الأرشيف أمام الباحثين مع كل ما يلزم من مواكبة لمزيد من الإيضاح والتعاون لما فيه خير العمل والغاية من المهمّة.

لكن هل كل ما يتضمّنه الأرشيف متاح أمام العامة؟

هناك مانعان على الأقل يحولان دون الوصول إلى كامل المادة الموجودة في الأرشيف وهما:

الأول، هو أن عملية الأرشفة العلمية لم تكتمل بعد نظرا لحجم المواد وعدد الوثائق الكبير، وهو ما يتطلّب سنوات عديدة لإنجازه.

والثاني، طبيعة المواد المصنّفة عادية أو مهمّة أو سريّة للغاية والتي لا يمكن إتاحتها لأي كان. وعملاً بهذا التصنيف، تم تقسيم المواد إلى ثلاث فئات: الفئة (A) والفئة (B) والفئة (C).

  • الفئة (A)، تندرج ضمنها المواد والمستندات العادية التي يمكن للجميع الإطلاع عليها والحصول على نسخ منها بعد موافقة الإدارة. وهي تتضمّن مجموعة كبيرة من الرسائل المتبادلة بين الشخ بشير وعدد من صانعي القرار في لبنان والعالم. كما تتضمّن العديد من الدراسات ومحاضر الإجتماعات التي تجسّد مراحل نشوء المقاومة ونموها السريع خلال فترة قصيرة من الزمن، مع ما يتصل منها بجذور المقاومة الممتدة في عمق التاريخ إلى أكثر من ألف عام.
  • الفئة (B)، هي تلك التي تتضمن وثائق ومعلومات على جانب من الأهمية والسرية، ولا يمكن إتاحتها لأي كان نظرا إلى مساوئ الخطأ في التعامل معها. لذلك يتطلّب الإطلاع عليها الحصول على إذن مسبق من مؤسسة بشير الجميل، بعد تقديم صاحب العلاقة طلبا خطيا بذلك. في هذا الجزء من الأرشيف آلاف المستندات والوثائق والصور، ومخزون ثمين من المعلومات التي تضيء على تلك المرحلة من تاريخ لبنان وعمر المقاومة. كما فيه مستندات شخصية خاصة بالشيخ بشير.
  • الفئة (C)، تحتوي هي أيضا على كمية كبيرة من الوثائق وغيرها من المستندات البالغة الأهمية نظرا إلى طابعها السري والحساس. وهي تشتمل بحسب القيمين على الأرشيف، على محاضر اجتماعات وقرارات ورسائل متبادلة بين الشيخ بشير قيادات إقليمية ودولية كان لدولها دور في مسار الأحداث اللبنانية في الفترة الممتدة منذ بداية الحرب اللبنانية حتى استشهاد الشيخ بشير. والمعلومات المصنّفة ضمن هذه الخانة ستبقى محجوبة عن العامة على مدى عشرين عاما قبل أن يتقرر الإفراج عنها أو عن جزء منها. ويعتبر الكشف اليوم عن هذه المعلومات ذا تأثير سلبي في الأحداث، أو أنها قد تستخدم في غير الغاية المرجوة منها، ما يؤثر على أوضاع أو على جماعات أو على أشخاص. لذلك تقرر الإبقاء على سرّيتها إلى ما بعد الفترة المحددة.

مخزون نضالي ووطني

يتضمّن أرشيف بشير الجميل في معهد فينيكس الكسليك 25 ألف صورة وعددا مماثلا من الوثائق والمستندات. ولذلك فإنها ليست جميعها مؤرشفة ومنظّمة بعد، وبحسب القيّمين على المشروع فإن العمل سيستغرق وقتا لأن عملية الأرشفة والتعامل مع المادة الموجودة في المركز لا يقتصر على التبويب أو التصنيف فقط، بل إن مسألة العناية بالمستندات وترميم ما تعرض منها لأي نوع من أنواع التلف هي مسألة دقيقة وإحترافية وتستغرق وقتا. كذلك تشتمل العملية على مهمات أخرى موازية كالعناية بالأفلام وتخزين المواد ونقل بعضها إلكترونيا بحيث يصبح ممكنا الوصول إليه عبر الموقع الإلكتروني المخصص لذلك.

مسألة العناية عند طلب الإطلاع على الأرشيف والتعامل معه، أساسية بالنسبة إلى القيّمين على المركز والعاملين فيه. فهم لا يترددون في التشديد على التوجيهات بضرورة الإنتباه أثناء البحث سواء لناحية حماية المستندات من التعرّض لأي تلف أو فقدان، أو لناحية كيفية التعاطي مع المعلومات نفسها حتى المتاح منها وغير السرّي. إضافة إلى ذلك يتوجب على طالب البحث في الأرشيف ملء استمارة تتضمن معلومات شخصية عنه وعنوانه وكيفية الإتصال به، وكذلك الهدف من البحث ووجهة استخدام المادة.

الحرص على أرشيف بشير الجميل واضح في سلوك جميع القيّمين عليه في المركز، هو يبدو في عيونهم ورد فعلهم منذ المبادرة لطلب الإطلاع عليه. فالجميع متيقّن، حتى من غير توجيه، أن هذا المخزون التاريخي الوطني الشخصي، هو أكثر من أرشيف في خزائن مرصوفة في غرف مبرّدة، هو ذاكرة مقاومة في حضن وطن ووجدان جماعة، وتاريخ قائد وشعب ونضال، أهميته أنه استمرار لما سبق من نضالات، وتأسيس لما سيلي، وهي سلسلة طويلة ومترامية الأبعاد.

ففي إحدى الوثائق مثلا يتحدث كاردينال واشنطن ترانس كوك في تقرير له عن زيارة قام بها للبنان بين 29 كانون الأول 1979 و3 كانون الثاني 1980 تلبية لدعوة من البطريرك الماروني مار أنطونيوس بطرس خريش، عن أهمية التنوع اللبناني المتعدد الطوائف وعن توزّع السلطات في ما بينها، مشددا أن المصالح الخارجية كانت وراء الحرب اللبنانية وليس الخلاف بين اللبنانيين… وفي وثائق أخرى تُبرز محاضرات حصلت في واشنطن كم أن القضية اللبنانية كانت حاضرة على المسرح الدولي.

مأساة زحلة كانت حاضرة أيضا، فأرخ العديد من الوثائق المعاناة والظلم وكيف أن حتى الصليب الأحمر مُنِع من الدخول إلى المدينة المحاصرة لإجلاء المصابين، مما دفع الجاليات اللبنانية في كندا إلى حث الحكومة على منع سحق المسيحيين في المدينة التي شكلت ملاذا لمسيحيي البقاع.

أما الملاحظة الأهم في ما تم الإطلاع عليه من وثائق ومستندات فقد تكون في وثيقة صادرة عن مرجع أممي مؤرخة في 22 كانون الثاني 1980 وتتحدث عن إنتحاريين إيرانيين تم إرسالهم إلى لبنان. وعن أن تعقّد الوضع في إيران يؤثر سلبا على الوضع العالمي ويعقّد الحلول الممكنة. يضاف إلى ذلك تدخُّل الروس عسكريا في أفغانستان في حين أن الأزمة في يوغوسلافيا تزيد الوضع تعقيدا، وكيف أن كل ذلك يعيق الحلول الممكنة في لبنان.

رسائل أخرى بين المقاومة المسيحية والفاتيكان ومثلها مع مراجع دولية متعددة تظهر كم أن المسيحيين كانوا مهددين كجماعة بوجودهم، وكم أن جهودا وطغوطا ديبلوماسية ومعنوية بُذلت وكانت رديفا للتضحيات الميدانية، فتكاملت معها لصياغة قناعة دولية ساعدت على صمود المسيحيين وتوضيح الصورة التي كانت مشوّشة عند بعض مواقع القرار في العالم.

الكسليك حضن الذاكرة

أرشيف بشير الجميل محفوظ في جامعة الروح القدس في الكسليك ومركز “فينيكس”، إلى جانب تراث ضخم لرؤساء الجمهورية اللبنانية السابقين الرئيس كميل شمعون والرئيس فؤاد شهاب والرئيس الياس سركيس حيث تُحفظ مخطوطات وصور من أرشيف الرؤساء منها ما يُكشف عنه لأول مرة.

وإغناء لذلك وتدعيما لأهمية هذا المشروع قدّمت مؤسسة بشير الجميل كل ما لديها من مذكرات وأوراق وصور وأفلام عن بشير الى مركز فينيكس الذي أعلن عن موقع إلكتروني هو  www.archivesbachirgemayel.com  ليتسنى لكل من يملك أية مقتنيات أو مستندات أو صور خاصة ببشير أو تغني هذا الأرشيف كي يزوده إياها.

وكان المركز قد دعا كل من يملك أرشيفا يتعلق بالرئيس بشير الجميل ولديه نية المساهمة في إغناء أرشيف هذا القائد الفذ، أن يقدمه إلى المركز أو أن يبلغه به ليتم التنسيق حول كيفية الإفادة منه، وذلك من خلال التواصل مع مركز فينيكس للدراسات اللبنانية أو مؤسسة بشير الجميل. وفي السياق عينه، وجه النائب نديم الجميل نداء إلى “جميع اللبنانيين من أصدقاء الرئيس بشير ورفاقه في المقاومة، الذين يملكون صوراً أو منشورات أو مخطوطات أو أفلاماً، إلى التعاون من أجل جمع إرث الرئيس بشير السياسي”.

وقال: “لن أتحدث عن أرشيف بشير المادي فقط إنما عن إرثه المعنوي الذي يحمله الشباب ويحتفظون به ويعملون بوحيه. أما الشق المادي فسيضم ليس فقط أرشيف بشير المصور أو المكتوب، إنما حقبة مهمة من تاريخ لبنان المعاصر التي تشمل جزءاً من تاريخ الكتائب والقوات والمقاومة اللبنانية وهي مرحلة طويلة من المعاناة.”

أما الرئيس السابق لجامعة الروح القدس نائب الرئيس العام للرهبنة اللبنانية المارونية حاليا الأب الدكتور كرم رزق فيشير إلى “أن محفوظات الرئيس بشير الجميل تشكل مجموعة مهمة لأنها تغطي حقبة خطيرة ومصيرية من تاريخ لبنان، وتلك الأيدي التي خططت وأمعنت في تهديم بنيان الوطن ومؤسساته هي نفسها أو بواسطتها قد يزوّر التاريخ ويجنى على الشرفاء والمخلصين. ولكننا لنا ملء الثقة بأن هذه الكنوز ستُنصِف نضال وتضحيات من قدّموا دمهم فداء عن لبنان، وعلى رأسهم الشيخ الرئيس بشير الجميل الخالد أبداً في قلوب الوطنيين المخلصين وفي الذاكرة الجماعية”.

وهل يختصر كل ذلك أهمية هذا الأرشيف تخليدا لذكرى القائد الشهيد؟

ثمّة من يقول لا، ويضيف أن أهمية أرشيف بشير الجميل في الكسليك بالذات هو قصة ارتباط الشخص بالمكان والجماعة بالقضية، وهي المسألة الأكثر تجسيدا للواقع وإن اتشحت بزي الميثولوجيا. وربما هذا ما يميّزها عن غيرها من قصص النضال عبر التاريخ وعبر العالم. فأرشيف بشير الجميّل عاد إلى حضن المكان الذي لطالما احتض بشير. والمميّز في الأمر أن جامعة الروح القدس هي جزء من هذا التاريخ وبعض من صانعيه وشيء من النَفَس الذي شكّل دفعاً كبيراً للمقاومة اللبنانية وأحد أبرز العناصر التي ساعدت على إنجاحها.

والأكثر تميّزاً أن الذاكرة الجماعية للبنانيين وللمسيحيين تحديدا، ما زالت، بما تحمله من مخزون مُشعّ عن تلك المرحلة من تاريخ لبنان، أكبر أرشيف لمعاناة شعب قاومت عيونه المخارز وظلت شاخصة إلى فوق، ولذكرى قائد طبع مرحلة من ذاك التاريخ بطعمٍ من العنفوان لن يقوى الزمن على محوه أو تبديده!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل