
دخلت سوريا في الساعات الأخيرة في هدنة عسكرية برعاية أميركية-روسية يأمل البعض ان تشكل فرصة حقيقية لانتقال الوضع السوري إلى مرحلة جديدة مزدوجة: وقف إطلاق النار عسكريا، والشروع في مفاوضات سياسية على البارد تفسح في المجال بإنجاز التسوية الموعودة.
ولكن لا مؤشرات فعلية إلى ان الهدنة ستكون طويلة وتؤسس لمرحلة انتقالية، علما انه يجب التمييز بين الهدنة والتسوية، إذ ليس بالضرورة ان تقود الهدنة إلى تسوية، لانها غالبا ما تشكل انعكاسا لميزان القوى على الأرض ووصول القوى المتصارعة إلى قناعة باستحالة الحسم عسكريا، الأمر الذي يقودها إلى تطبيع الحالة الموجودة على الأرض من دون الذهاب إلى تسوية سياسية تتطلب توافر مجموعة معطيات وعوامل ما زالت غير متوافرة وأبرزها الآتي:
أولا، لم تصل القوى السورية المتصارعة إلى قناعة بعد بضرورة الذهاب نحو تسوية سياسية، إذ ان النظام ما زال يتمسك بدوره وسلطته ونفوذه في اي تسوية محتملة، فيما المعارضة تتمسك بإسقاط النظام او بالحد الأدنى الموافقة على مرحلة انتقالية محددة زمنيا يكون فيها النظام بلا صلاحيات ومجردا من اي نفوذ سياسي وعسكري وأمني، ومن دون التقليل بالمقابل من عامل مهم أيضا وهو ان الطرفين ما زالا يعتقدان بقدرتهما على تحسين شروط مواجهتهما العسكرية وان الحسم العسكري متاح وممكن، الأمر الذي يعني استبعاد صمود الهدنة الحالية او اي هدنة أخرى.
ثانيا، الظروف الإقليمية المتصلة بالأزمة السورية غير مساعدة على دفع التسوية قدما، خصوصا لجهة الصراع السعودي-الإيراني المفتوح على التسخين لا التبريد بفعل إصرار طهران على مواصلة سياستها التوسعية والتصعيدية، والترويج بان الرياض أولويتها اليمن لا سوريا ومستعدة للمقايضة بين الوضعين لا يخرج عن سياق الترويج، لأن السعودية لن توافق على اي تسوية تتيح للنظام السوري البقاء في السلطة، ولا تسوية في سوريا من دون موافقة الرياض لسببين على الأقل: لانها الدولة الأقوى عربيا وإسلاميا، وبالتالي يستحيل إبرام اي تسوية من دون مظلتها، ولأن المجتمع الدولي وتحديدا واشنطن ليست بوارد الدخول في مواجهة مع أكثر من مليار مسلم.
ثالثا، تعقيدات الأزمة السورية لن تسمح للرئيس الأميركي باراك أوباما بما تبقى من وقت فاصل عن الانتخابات الرئاسية الأميركية من الخروج بإنجاز لإدارته وحزبه، وبالتالي محاولات اللحظات الأخيرة لن تثمر، ويستحيل إنجاز تسوية من دون الرعاية الأميركية، ما يعني ان الأنظار ستكون مشدودة للإدارة الجديدة وكيفية مقاربتها لهذه الأزمة.
ففي ظل غياب البيئة السورية الحاضنة للتسوية، كما غياب البيئة الإقليمية المساعدة لهذه التسوية، وغياب أيضا البيئة الدولية المظلة للحل السوري، فإن الهدنة ستسقط عند اول مفترق او مفصل كونها يفترض ان تكون مبنية على أسس وقواعد دولية-إقليمية-سورية ثابتة، الأمر غير المتوافر بعد، ما يعني ان الهدنة السورية لن تصمد…