
لأن بشير استثنائي، لأنه خارق لكل روتين ولكل ما هو معتاد، أردناه هذه المرة سجلا ذهبيا استثنائيا، ما كان بشير الجميل حتما فنانا لم يكن كاتبا ولا شاعراً ولا مفكراً، لكن ذاك القائد المقاوم أحب الفن والثقافة، “عشقه” فنانون ومثقفون، أقنعهم بالقضية، حملوا “سلاحهم” فنا وثقافة رديفا لمقاومة من نوع آخر تطوعوا لها… وكل على هواه، ذاك القائد أدرك وهو في خضم حروبه لأجل بقاء لبنان ومسيحييه، أن المقاومة لا تكون فقط بالسلاح والحرب، إنما أيضا بحب الحياة وإعلاء شأنها إبداعا فنونا فرحا وحضارة… فأعلنها حربا ثقافية وفنية يرويها فصولا صديقه المخرج والممثل القدير منير معاصري.
“الدول التي تموت ثقافياً تموت حضارياً.. تزول” كتب منير معاصري على سجل “المسيرة”… الحديث عن بشير الجميل يلهمه بالكثير يرسم على وجهه ابتسامة ودمعة لرجل عرفه رافقه وصار كظله، رجل كان مشروع دولة، كان ليكون رجل لبنان كبير، لكن بشير رحل وتأجّلت كل الأحلام، ما كان مسموحًا للبنان الحلم أن يصبح حقيقة…
المخرج المخضرم صاحب السجل الفني المذهب إبداعاً فنياً مسرحياً وتلفزيونياً وسينمائياً، تقاطع درب مسيرته مع درب بشير، عنه يقول الكثير، يتذكر الكثير، تبرق عيناه حنينا لكثير من حكاياته، ويصمت لبرهات تخالها طويلة، حين يحكي لنا عن مشاريع كان يبني لها ذاك القائد مع مثقفين وفنانين ومفكرين وضعت على السكة لكن وفجأة توقف كل شيء… لماذا؟ يصمت طويلا، ليش قولك؟ تسرح نظراته ويتذكر.. كثير كان يبنى، الكثير كان سيطلق، كثير كان سيكون لبنان… لو عاش بشير، ولهذا قتلوه، كي لا يعيش ذاك اللبنان.
“يا شباب ما بدنا نفل”… ومن وقتها ما عدنا افترقنا
ما الذي جمع ذاك المسرحي الكبير بذاك المحارب المقاوم قائد الميليشيا المسيحية الأقوى؟
سيجيبنا معاصري بسرعة “لم يكن سياسيًا كان رجل مقاومة، عندما صار رجلاً سياسيًا، عندما أصبح رئيسا للجمهورية طيَّروه”.
كيف تعرف إليه؟ لا يهتم معاصري كثيراً برواية الظروف التي عرفته على بشير، يهمه الحديث عما الذي وجده في بشير “عندما تعرفت إليه كان لبنان غارقا في الحرب، كان بشير من جماعة المقاومة دفاعا عن الوجود بكل بساطة، وخلاصة توجهه يومذاك: إما نستسلم وإما نقاوم، كثيرون هربوا من هذا الواقع، شمعوا الخيط ورحلوا الى حياة أكثر أمانا هاجروا استقبلتهم أوروبا، وفتحت قبرص أبوابها، الأموال تفتح الأبواب، لكن ثمة آخرين اختاروا البقاء والصمود، “يا شباب ما بدنا نفل” في خضم ظروف الحرب تعرفنا الى بشير والى صرخته تلك، لقائي به تم عن طريق صديق مشترك، ومن وقتها ما عدنا افترقنا”.
صداقة ثقافية خاصة جدا نشأت بين رجل المقاومة الأول والمخرج اللبناني “كاريزما وثقة متبادلة جمعتنا على درب الحرب والاستقلال عززها إيمان بقضية واحدة هي قضية الإنسان، آمنت به وبخطه، كان هناك صدق كبير بالتعامل معه”.
بشير الرجل العسكري المقاوم المحارب والقائد أين كان من عالم الثقافة والفن؟
يخبرنا معاصري أن بشير كان يبدي حبا واهتماما واضحا بالنشاطات الفنية والفكرية والثقافية، وكان شديد الاهتمام بضرورة إطلاق هذه الحركة على مستوى المنطقة الشرقية المسيحية آنذاك، معتبرا أن الحياة الفنية والنشاطات الثقافية جزء لا يتجزأ من المقاومة والصمود، مبدأه هذا صوَّب اهتمامه أكثر فأكثر نحو عالم الفن والثقافة في لبنان، اهتمام دفعه لبناء جسور مع أركان هذا العالم، وصولا الى الحدث الأول والأهم الذي وثَّق علاقة بشير بحركة المثقفين، علاقة أطلقت فعلا مفهوم المقاومة الثقافية.
بشير وصالون يوسف الخال الأدبي
يروي منير معاصري أنه في تلك المرحلة كان هناك طبقة ما يسمى بالمثقفين والفنانين الذين كانوا يظهرون رفضا للحرب وأمرائها وكانوا يعتبرون أن هذه الحرب “ما كان لازم تصير”، وكان الشاعر الكبير وعميد الشعر الحديث يوسف الخال قد درج على جمع المثقفين من شعراء وكتاب ومفكرين وفنانين كل يوم جمعة في منزله في غزير وفي هذا اللقاء كان يتم تداول الآراء في مجالات الأدب والشعر والفن والموسيقى وغيره، أظهر الشيخ بشير اهتماما بهذا اللقاء، وأعرب عن رغبته بالتعرف الى هؤلاء المثقفين، وهكذا وفي إحدى اجتماعاتهم عرض عليهم معاصري رغبة بشير قائلا “يا شباب بشير حابب يتعرف عليكم”، فوجئوا وسألوني “شو بيهموا من لقائنا؟ لكنهم وافقوا واتفقنا على اللقاء”.
هؤلاء المثقفون الذين كانوا يجتمعون أسبوعيا كان في طليعتهم الى صاحب الدار يوسف الخال وزوجته الشاعرة والرسامة مهى بيرقدار الخال، نديم نعيمة (أخصائي في الأدب العربي)، الشاعر فؤاد رفقة، المسرحي ريمون جبارة، المفكر فريد سليمان، الشاعران موريس عواد وأنسي الحاج وغيرهم..
مع هؤلاء المثقفين الرافضين للعنف والحروب، اجتمع بشير للمرة الأولى، وكان اللقاء الذي غيّر كل قناعاتهم ومفهومهم لتلك الحرب وأهدافها.

قال بشير للمثقفين: “عملوا شي هون بالمنطقة وإلكن مني كل الدعم”
بعد جلسة طويلة وبعد نقاش وتبادل عميق للآراء، وبكلماته البسيطة الصادقة تمكن ذاك القائد المحارب من إقناع هؤلاء المثقفين بأن تلك الحرب هي بكل بساطة دفاعا عن الوجود، إما نخوضها وإما يمحى لبنان ومسيحيوه عن خارطة العالم.
أحب هؤلاء المثقفون بشير، “عشقوه”، اقتنعوا بتلك المقاومة وأرادهم أن يكونوا جزءا أساسيا منها فكانت رسالته حرفيا لهم: “عملوا شي هون بالمنطقة وإلكن مني كل الدعم”.
وصلت الرسالة، وانطلق العمل على بناء مقاومة من نوع آخر… بعد لقاء الجمعة ذاك، نشأ نوع من صداقة بين بشير وأعضاء هذه المجموعة، آمنوا هم بالقضية، وتراهم أصبحوا، وكل منهم يساهم ويقاوم على طريقته وبسلاحه، بالصورة، بالكلمة، بالشعر، بالكتابة، بالمسرح، بالأغنية بالموسيقى، انطلقوا جميعا وبحماسة كبيرة على جبهات عدة نحو مشاريع ثقافية وفنية متعددة مشجعين بقرار دعمه لهم ولمشاريعهم، وفي مقدمهم الشاعر الكبير يوسف الخال الذي انخرط في نشاط إذاعة لبنان الحر ليصبح مسؤولا عن كل ما يقدم من نصوص.
“كان بشير يحضر كل مسرحياتنا”
يخبر معاصري أن المنطقة الشرقية كانت تفتقد جدا للنشاطات الثقافية، فالمسارح في بيروت كان معظمها على خطوط التماس أو في المنطقة الغربية ومنها مسرح البيكاديللي أو مسرح بيروت، وبالتالي كانت المنطقة الشرقية تفتقد للمسارح، وحيال ذلك، ابتدعنا مسرحا في طبرجا بيتش كان يتسع ل 150 كرسيًا، وهناك كنا نعرض مسرحياتنا، وكان لافتا أن بشير كان حالما يسمع بعرض مسرحي جديد يتصل للاستفسار، ويظهر حماسة لحضوره، وأصبحنا نوجه له الدعوات لحضور كل المسرحيات وكان يلبيها كلها، “كان يتصل ليبلغنا أنه آت، فكنا نحجز له غالبا الصف الخامس في صالة المسرح حيث الرؤية تكون أفضل و لنجنبه الغبار الذي يضطر لتنشقه الجالسون في الصف الأول”.
كان بشير ينتظر في الخارج الى حين بدء العرض المسرحي، فيدخل بهدوء تام كأي إنسان عادي، ما كان أحد في الصالة لينتبه لدخوله، وفي كل مرة يحضر عرضا مسرحيا كان يدلي برأيه الخاص به بكل بساطة ودون فذلكة ولا ادعاء، “هو أساسا ليس مطلعا على الحركة أو على الفن المسرحي بعمق، ولم يكن يدعي خلاف ذلك”.
ويقول معاصري استمرارنا في العمل المسرحي كان فعلا نوعًا من المقاومة، وتحديًا كبيرًا لإثبات الوجود، نحن جماعة المسرح قدم لنا الكثير من العروض للهجرة، منهم من فعلها وهاجر، ومنهم من قرر البقاء وكان عليه عدم البقاء مكتوف الأيدي، والمشكلة أن الجمهور اللبناني لم يكن يتمتع بالثقافة المسرحية ومسرحنا كان يفتقد للشعبية ولا يجتذب الجمهور العريض، وهكذا كان 200 شخص في أحسن الأحوال يحضر مسرحياتنا، وبين صفوف هذا الجمهور المسرحي النخبوي كنا حتما سنجد بشير الجميل حاضرا مع كل عرض مسرحي جديد.
“كنا نعتز بما نقدمه من مسرحيات وحفلات ومعارض فنية، نستمر معها في الحياة نمارسها بحرية ونطلق طموحنا ولكأننا نعيش حياة طبيعية، نبني متحدِّين الحرب والموت والدمار، هذا أيضا مقاومة”.
ومن هنا يروي معاصري “طلعنا بمشروع مهم جدا، بدأنا العمل على إطلاق نشاط ثقافي فني في المنطقة الشرقية من خلال إنشاء مسرح جوال، واقترحت عليهم يومذاك اعتماد فكرة كانت تطبق في فرنسا، كانت جديدة ومستحدثة يومذاك، من خلال اعتماد مسرح جوال هو نوع من خيمة – بالون ينفخ معزز بنظامي التدفئة شتاء والتبريد صيفا يقدم الحفلات في كل الفصول. بدأ العمل على المشروع وعلى تأمين تكاليفه، كل المجموعة كانت تعمل على هذ المشروع، لكن سرعان ما توقف كل شيء مع اغتيال بشير”.

“شربل” من روما الى كل لبنان
ومن ضمن النشاطات البارزة التي سجلتها سنوات الحرب تلك، مسرحية شربل، كان ذلك في العام 1977 في أكثر أيام الحرب اشتدادا، وكان لبنان يحتفل بتطويب القديس شربل في الفاتيكان، وللمناسبة “أنشأنا مجموعة أصدقاء القديس شربل وحضرنا لمسرحية من كتابة وإخراج ريمون جبارة وتمثيل أنطوان كرباج رضى خوري وكميل سلامة، وقمت أنا بدور شربل الختيار، وقررنا عرض المسرحية في روما بالتزامن مع حدث التطويب، لنقدمها على أربع حفلات موزعة على يومين سبت واحد، في كنيسة سيستينا الشهيرة، لتشهد تدفقا كبيرا غير متوقع إذ حضرها 10 آلاف شخص توزعوا 2500 شخص في كل حفلة، وكان الحدث الكبير بنقل المسرحية مباشرة عبر الإذاعة، إذ لم يكن يومذاك من بث تلفزيوني مباشر، ما دفعنا لتخصيص طاولة خاصة للمذيعة الشهيرة شارلوت وازن الخوري وسجعان قزي (الوزير حاليا)، حيث نقلا الحدث المسرحي مباشرة عبر أثير إذاعة صوت لبنان من روما لكل لبنان ولكل مسيحييه.
وبعودة فريق مسرحية “شربل” الى لبنان، وعلى رغم ظروف الحرب المستعرة، عرضت المسرحية على خشبة مسرح كازينو لبنان بنجاح كبير وطبعا كان الشيخ بشير وكما دائما.. حاضرا ومصفقا.
“كانوا يلاحقونا على كل كلمة”
ويشير معاصري الى مشكلة أثارها “آفيش” المسرحية حيث سمي شربل قديس لبنان، فكان اعتراض على التسمية، أوصلنا الى اعتماد تسمية أخرى “قديس من لبنان”.
“كانوا يلاحقونا على كل كلمة”، وفي هذا السياق يخبرنا معاصري أن يوسف الخال كان يكتب غالبا بالعربي النحوي، وكانت له مجموعة شعرية سماها “الولادة الأولى”، وعندما قرر الكتابة باللغة العامية اللبنانية أطلق مجموعة ثانية سماها “الولادة الثانية”، وما أن أطلقها في حفل توقيع في المكتبة الشرقية حضره بشير حتى تلقى سيلا من الانتقادات تهاجمه معتبرين أنه تخلى عن لغة العرب.
في هذا الوقت وبالتزامن مع النشاطات الواسعة التي بدأت المجموعة تقوم بها، بقي الاجتماع الأسبوعي في دارة يوسف الخال في غزير ثابتا ومكرسا ولا شيء يحول دونه لا قصف ولا حواجز، فهذا اللقاء الى نشاطاتهم ومساهماتهم الثقافية التي انخرطوا فيها على جبهات متعددة صارت بمثابة واحة ثقافية فنية يتنشقون بها ومنها الحياة ويبثونها الى الغير بإبداعاتهم.
ما كان بإمكان بشير حتما المشاركة كل أسبوع في لقاءات دارة يوسف الخال، لكنه أصبح قريبا جدا من رواد تلك الدار وعلى تواصل دائم معهم على رغم كل انشغالاته، كان دائما يجد الوقت لملاقاتهم ودائما حاضر لمواكبة نشاطاتهم. وما كان اهتمام بشير الثقافي ينحصر بالحركة المسرحية، كنت لتراه حاضرا أيضا ومتتبعا ومشجعا لكل الحفلات الفنية ومعارض الرسم والكتب في المنطقة.
“كنا نرى ونلمس صدقه في اهتماماته الثقافية”
ويؤكد معاصري أن علاقة بشير بالمثقفين ما كانت تكتيكا ومواكبته لأعمالهم ما كانت يوما بدافع حب الظهور أو الدعاية، كان مؤمنا بدورهم في المقاومة، وكان تعاطيه معهم يتسم بالتواضع والبساطة، كان هو من يبادر الى الاتصال لدى معرفته بعمل جديد يحضر أو يعرض، ما كان لينتظر دعوة وترجاية منا ليحضر، وعندما يحضر تراه يحرص على الدخول في العتمة لكي لا يعرفه أحد، هو القائد الأقوى كان الأبعد عن حب الظهور… كنا نرى ونلمس صدقه في اهتماماته الثقافية”.
ويروي أنه في حفل توقيع يوسف الخال لديوانه الجديد، طبعا حضر بشير، وكان هناك صف طويل من المدعوين، ففاجأنا بإصراره على الوقوف في الصف كغيره من المدعوين، ليفاجئ الخال بحضوره.
كان اهتمام بشير موجها نحو الإنسان وكيف يعيش حرا وبكرامة، “ما كنا نرى أمامنا قائدا يتجاهل أو يضحي بالإنسان من أجل هدف زعاماتي أو سياسي، والمثقفون الذي صاروا أصدقاء مؤمنين جدا بقضية صارت فعلا قضيتهم، لمسوا لديه مفهومه للإنسان الذي ندافع نحن عنه عن وجوده وعن كرامته عن حبه للحياة ولممارستها بحرية، ليصبح هذا الهدف الأساسي في تلك الحرب وفي تلك المقاومة”.
شكل هؤلاء المثقفون نواة من 6 الى 7 أشخاص وأخذوا جميعا يحضرون لأعمال ذات طابع وجودي، من معارض الرسم الى مسرحيات أنطوان جبارة الى أشعار ونصوص يوسف الخال عبر لبنان الحر، الى أناشيد موريس عواد فإلى أعمال مباشرة وأخرى غير مباشرة، تؤدي الرسالة بطرق ذكية وتوظف بطريقة غير مباشرة لتبقى راسخة في الذاكرة قد تكون الأفعل في النفوس من أخرى مباشرة هدفها تهييج حماسة الجماهير.
وما كان بشير بعيدا عن عالم الفن السابع، ولكن انشغالاته كانت تحول دون حضوره الى صالات السينما، وعوضا عن ذلك كانت تؤمن له تسجيلات لأفلام سينمائية VHS، وكان حريصا دائما على حضور الحفلات الفنية في كازينو لبنان، وما كان القيّمون على كل هذه الأنشطة فنية كانت أو ثقافية لينكروا أن مجرد حضور البشير كان ليروّج لأعمالهم ويجتذب الناس، حضوره كان خير دعاية لكل عمل يعرض.

أحب أصواتا لبنانية “تشممه رائحة الجبل والزعتر”
كان هذا وجهه الآخر الذي يعكس حقا الإنسان الذي يسكنه، ووسط هول ضجيج أصوات الرصاص والمدافع كان ليجد الوقت لسماع الموسيقى والأغنيات، لكن لمن كان يطرب بشير الجميل؟
يكشف معاصري أن بشير كان يستمع لأصوات من لبنان “يشمُّ فيها رائحة الزعتر والجبل” ومن إذاً غير وديع الصافي وفيروز ونصري شمس الدين وجوزف عازار.
ما كان يدعي المعرفة “أنا بهالشغلة profane فهمني شو بتعني”
ويحدثنا معاصري عن صداقة قوية جمعت بشير بالشاعر موريس عواد كاتب أجمل أناشيد المقاومة ومنها “من هاك الملعب ما نسينا” الى أغنيات كثيرة. ويتذكر “أوقات كتيرة كان بشير يشارك باجتماعاتنا، كان يحضر ويستمع بإسهاب، ما كان حضوره أبدا يعني أنه هو من سيتكلم والآخرون يصغون، كان يصغي كثيرا ويستمتع بنقاشات يوسف الخال وأنسي الحاج وفريد سلمان (رئيس لجنة جبران خليل جبران) الشعرية، كانت اجتماعات رائعة لأدمغة كبار يتفاعلون ويتبادلون الآراء وبشير حاضر يستمع يعطي رأيه، تماما كما بعد حضوره أي عمل مسرحي، وأروع ما فيه أنه ما كان يوما يدعي المعرفة لكنه كان يبدي اهتماما كبيرا للمعرفة، “شغلة ما بيعرفها كان لا يتوانى للاستفسار حول معناها “أنا بهالشغلة profane فهمني شو بتعني”.
الكل كان يحلم ويعمل لعهد بشير
كان بشير يجمع حوله غروب غاما “أكبر مخوخ، في كل القطاعات السياسة الاقتصاد الأمن التربية الإنماء الرياضة الشؤون الاجتماعية وغيرها.. وصارت مجموعة المفكرين والمثقفين جزءا أساسيا من مجموعة غاما تلك التي كانت تحيط ببشير وتؤسس لعهده رئيسا وقائدا، الكل كان يحلم ببشير الكل كان يحلم ويعمل لعهده.. لقضية صارت قضيتهم جميعا، وفي المقابل الكل كان خائفا على بشير، على الحلم، لكن هو ما كان خائفا “كان مؤمنا بالإرادة الإلهية، يرسم إشارة الصليب على صدره ويسلمها ربانية، كان يقول إذا بدهن يقتلوني راح يطالوني شو ما عملت، مستشهدا دائما بحادثة اغتيال الرئيس المصري أنور السادات”.
اعترض المثقفون الفلسطينيون “شو لاحقينا ببشير لهون”!
رحيل بشير كان بمثابة حلم وانطفأ، لكنه استمر ساكنا وجدان تلك المجموعات التي كانت تحيط به، فلم يترك أعداؤه فرصة إلا وتصدوا لهم انتقاما ليتهموهم بتلك الوصمة، “وصمة بشير”… اغتالوه نعم لكن طيفه بقي ماثلا يخيفهم.
يروي معاصري أنه في العام 1994، توجه مع ريمون جبارة وفريق مسرحية “صانع الأحلام” لعرضها في مهرجان قرطاج، وصودف وجود مثقفين فلسطينيين في المهرجان كانوا يقيمون في لبنان ورحلوا إثر الاجتياح الإسرائيلي وترحيل الفلسطينيين عام 1982، هؤلاء ساءهم نص المسرحية الذي يتحدث عن بطل يقتل بالخيال وفي الواقع، يقتلون حلمه، وعندما يخرج الى الحرية يترصدونه ويقتلونه جسدا. “ربحنا جائزة الإبداع في مهرجان قرطاج لكن المثقفين الفلسطينيين لم يعجبهم العرض ولا الجائزة حتما وقالوا “شو لاحقينا ببشير لهون”.
رحل بشير وبقي في قلوب هولاء المثقفين، تابعوا أعمالهم وإبداعاتهم وطبعا لم تنطفئ شعلة تلك المقاومة في قلوبهم، ريمون جبارة استمر حتى الآخر يقول “أحببت سمير جعجع لأنني أشم فيه رائحة بشير”، الشاعرة والرسامة مهى بيرقدار الخال، رسمت بشير لتقدمه للأطفال في كتاب “باشو”، كلهم لا زالوا يذكرون ذاك اللقاء الأول معه، يومها غنى أنسي الحج لبشير، وكيف صاروا ينتظرونه كل جمعة وكيف صارت قضيته قضيتهم وضحكته ضحكتهم وحماسته حماستهم.
اغتيل بشير… وفي جعبة صديقه المخرج والممثل الكثير ليرويه، والكثير ليأسف عليه، حزين هو لأننا “ما عرفنا عيشنالو الذاكرة… ولأن المقاومة المسيحية لم تؤرخ كما يجب”، يردد ما كان يقوله بشير “هوجمنا كمسيحيين ودافعنا كلبنانيين” وللتاريخ يقولها: “لولا المقاومة المسيحية لما كان في شي بعد إسمو لبنان، وخوفي الكبير أن تضمحل تلك الذاكرة، أن تزول من صفحات التاريخ”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]