
(كنيسة الأيقونة العجائبية ـ الأشرفية في 14 أيلول 2003)
“وأنا إذا رفعت عن الأرض، جذبت إليّ الجميع”
1 ـ حقق المسيح الرب انتصاره النهائي على سيد هذا العالم الذي هو الشيطان، وعلى الشر والخطيئة، وحرر البشرية من عبودياتها، بموته على الصليب فاديًا، وبقيامته من الموت مخلصًا، فاجتذب إليه جميع الناس، ليشركهم في الصراع الروحي الرامي الى تدمير سلطان الشر فيهم، وفي تكريس الذات لخدمة الحقيقة والعدالة، الحرية والمحبة (الإرشاد الرسولي: العلمانيون المؤمنون بالمسيح 17). هذا ما تنبأ عنه الرب يسوع قبيل آلامه وموته: “الآن دينونة هذا العالم. الآن يطرد سيد هذا العالم خارجًا. وأنا إذا رفعت عن الأرض، جذبت إليّ الجميع” (يو 12/31 ـ 32).
2 ـ تجمعنا اليوم الذكرى السنوية الحادية والعشرون لاستشهاد رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب الشيخ بشير الجميل، بعد واحد وعشرين يومًا من انتخابه، وهو في الرابعة والثلاثين من العمر، على مقربة من هذا المكان وفي مثل هذه الساعة، يوم عيد ارتفاع الصليب المقدس في 14 أيلول 1982. إننا، برعاية الغبطة والنيافة الكردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق الكلي الطوبى، نقيم هذه الذبيحة المقدسة لراحة نفس الرئيس الشهيد ورفاقه الذين سقطوا معه على مذبح الوطن، ولإحياء ذكراه التي توقظ الضمائر وتنعش الآمال. وقد شرّفني صاحب الغبطة بتكليفه إياي تمثيله وإلقاء هذه الكلمة باسمه ونقل بركته الرسولية وتعازيه الى أسرته وأهله الأعزاء وهذا الحضور الكريم. وقد قال في عظة الرثاء يوم جنازته، مستوحيًا الآية من سفر رؤيا يوحنا (8/10): “سطع نجمًا كبيرًا في سماء لبنان لما علق عليه من آمال زاهية، وهوى من عليائه شهيد طموحاته الكبيرة الى بناء وطن منيع الجانب، خفّاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة والاستقلال” (وغابت وجوه، الجزء الأول، صفحة 344).

3 ـ اجتذبه صليب الفادي فحمله صليب لبنان، في بيته الوالدي بيت الشيخ بيار الجميل وهو طفل بعمر الاستقلال. وكان شعاره، وهو في العاشرة: “لبنان أولا” فأطلقه إسمًا للفرقة التي أسسها في بكفيا مطلع السبعينات وجعله القضية الأولى في برنامج رئاسته، فأعلن قبيل استشهاده بخمسة أيام في 9 أيلول 1982: “لدينا اليوم تطلعات وآمال جديدة تنطلق جميعها من “لبنان أولاً”. فنحن ننظر الى المستقبل بكل أمل، لنحقق ما استشهد من أجله خمسة آلاف من شبابنا. كما استشهد لبنانيون آخرون، يعتقدون غير معتقداتنا ولهم وجهة نظر معينة الى لبنان. نحن نحترم كل شاب سقط في سبيل فكرة معينة عن لبنان، ولكن جميع الأفكار التي كانت تتصارع في وقت من الأوقات ستتوحد اليوم وستندمج كلها، إذ أصبح عندنا لبنان واحد” (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 175 ـ 176). وأضاف في خطابه الأخير في دير الصليب قبيل استشهاده بقليل: “إن لبنان الواحد هو لبنان الـ10452 كلم2 الذي علينا أن نربحه كله، لكي يكون لجميع أبنائه بكل طوائفهم ومعتقداتهم وشعائرهم” (المرجع نفسه، صفحة 187). وقبلها بيومين صارح وفودًا شعبية من منطقتي البسطة وعائشة بكار في بيروت أنه بسبب تدخل الغريب في شؤوننا الداخلية حصل ما حصل، وسقط مئة ألف قتيل بين مسلم ومسيحي، إضافة الى مصابي الحرب والمهجرين الى أي فئة أو منطقة انتموا. فليسامح الله الغرباء الذين فعلوا بنا ما فعلوا وليسامحنا نحن الذين أفسحنا المجال أمامهم ليحقق كل منهم مآربه على حساب مصلحتنا، فصار هناك لبناني ليبي، لبناني عراقي، لبناني سوري ولبناني مصري، ولبناني لا أعرف ماذا. آمل بعد اليوم في أن يعود اللبناني لبنانيًا، وأن نتناسى كل الأحقاد التي عانيناها، ونفتح صفحة جديدة في ما بيننا” (المرجع نفسه، صفحة 181).
4 ـ إذا رفعت عن الأرض، جذبت إليّ الجميع”. بارتفاعه على صليب الفداء “صنع الرب يسوع السلام بدم صليبه”، على ما قال بولس الرسول: “أنتم الذين كنتم من قبل غرباء وأعداء بأفكاركم وأعمالكم الشريرة، قد صالحكم الله الآن بجسد ابنه البشري أي بموته، ليقيمكم في حضرته بلا عيب ولا لوم (كولوسي 1/20-22).
عيد ارتفاع الصليب دعوة للارتقاء الى السلام مع الله والناس، وللالتزام ببناء السلام، لكي نصير حقاً أبناء الله بالإبن الوحيد: “طوبى لفاعلي السلام فإنهم أبناء الله يدعون” (متى 5/9). ارتفاع الصليب مسؤولية تدعو جميع الناس، على اختلافهم وخلافاتهم، ليصيروا واحدًا تجمعهم النعمة والحقيقة. ويقولها بولس الرسول: “أما الآن ففي المسيح يسوع أنتم الذين كنتم من قبل بعيدين، صرتم بدم المسيح قريبين. فإنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا، في جسده نقض الجدار الفاصل بينهما أي العداوة” (أفسس 2/13-14).
في ضوء هذه الحقيقة المطلقة قرأ الرئيس الشهيد المنتخب شهادة الشباب والأطفال الذين ضحوا بكل شيء وضحوا بحياتهم ليستمر لبنان، وقال في خطاب ألقاه أمام المعوّقين في 29 آب 1982: “أحب أن أؤكد لكم أننا سنكون أوفياء لكل ما قمتم به من أجل لبنان. وأنا كرئيس جمهورية لبنان أود أن تكون هذه الكلمة موجهة الى كل لبناني مصاب في الحرب، والى جميع الشهداء اللبنانيين، وقد مات كل منهم في سبيل نظرة معينة الى لبنان، إلا أنهم جميعًا ماتوا من أجل لبنان. آمل في أن يتوحد لبنان من جديد. وسأبذل كل ما في استطاعjي لتوحيده. وسيتوحد الشعب والإنسان، وتتوحد الأرض. وإننا نطلب من الغرباء، الذين كانوا سبب محنتنا، أن يعودوا الى بلادهم، لنعود نحن كلبنانيين أوفياء لكل الشهادات التي قدمت ليبقى لبنان واحدًا سيدًا مستقلاً (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 119).

5 ـ رُفع يسوع على خشبة الصليب محكومًا عليه بالموت، بقرار سياسي، تقاطعت فيه مصالح تيوقراطيتين: اليهودية الإسرائيلية والوثنية الرومانية، في قلب صراع على أرض أرادتها التيوقراطية اليهودية ليهوه إله إسرائيل، والتيوقراطية الوثنية لآلهة روما. فقتلوه متفقين، على رغم خلافاتهم المستميتة، لأنه أراد تحريرهم من تيوقراطيتهم، يوم قال: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مرقس 12/17). بهذا القول حرر من جهة، الأمانة ليهوه من التعلق بالأرض بحيث لا يستبيح الإنسان بعد اليوم القتل والاعتداء باسم الله حفاظاً عليها وعلى حقوقه، فيما دعا الى العباة “بالروح والحق” (يو 4/23-24)، ونزع عن الأرض طابعها القدسي فتكون إدارتها أمرًا بشريًا لا يلزم الأمانة لله مباشرة بل تعود الى الحوار وعمل المؤسسات البشرية العامة. ومن جهة ثانية، حرر السلطة السياسية، المتمثلة بالقيصر، من طابعها الألوهي. فالقيصر مجرد إنسان يحكم عليه من جهة أفعاله كإنسان مثل غيره. وشرح بولس الرسول هذا الكلام بالقول: “نحن نعلم أن لا وثن في العالم، وأن لا إله إلا الله الواحد. وقد يكون من يزعم أنهم آلهة، بل هناك كثير من الأرباب، أما عندنا نحن، فليس إلا إله واحد وهو الآب، الذي الكل منه ونحن به، ورب واحد هو يسوع المسيح، به كل شيء وبه نحن أيضًا (كورنتس 8/4-6).

6 ـ رُفع لبنان على صليب العالم منذ العام 1975، لا لخلافات تنبع من الداخل، بل من صراع التيوقراطيات القديمة والحديثة، الدينية والسياسية، وصراع “التيوقراطيات” المستحدثة التي تستعبد الناس لآلهة المال والسلطة والقوة والسلاح والمناصب. لقد رفض لبنان دومًا أي نظام تيوقراطي وظل دولة تشهد أن “حرية المعتقد مطلقة” وبتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، وتضمن للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية” (الدستور اللبناني، المادة 9) وتمسك لبنان بنظامه الديمقراطي البرلماني القائم على احترام الحريات الشخصية والحريات العامة مثل حرية الرأي والمعتقد، وحرية التعليم والاجتماع وتأليف الجمعيات وحرية الملكية والاقتصاد (الفصل الثاني)، وعلى المساواة بين جميع اللبنانيين أمام القانون، بحيث يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة من دون ما فرق بينهم (المادة 7)، وعلى ميثاق العيش المشترك الذي بموجبه تتمثل الطوائف، إلتماسًا للعدل والوفاق، في الوظائف العامة من دون أن يؤول ذلك الى الإضرار بمصلحة الدولة (المادة 95). تجاوز لبنان الى الآن محنة الصليب، على رغم استمرارها، بوعي أبنائه دعوتهم التاريخية، حسب تعبير قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وهي المحافظة عليه “أرضًا نموذجية، يدعى فيها أناس متباينون على الصعيد الثقافي والديني الى العيش معًا، على الأرض نفسها، والى بناء أمة حوار وعيش مشترك، والى الإسهام في خير الجميع” (الإرشاد الرسولي: رجاء جديد للبنان، 119).
7 ـ في عيد ارتفاع الصليب، رُفع الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل على صليب لبنان، بقرار سياسي تقاطعت فيه مصالح دول وأفراد وفئات خشيت على مصالحها الشخصية من قيامة لبنان الواحد. ألم يتعهد يوم انتخابه في 23 آب 1982: “وضع خط فاصل بين الماضي والحاضر وبدء مرحلة جديدة مع الجميع بتخطي الفئويات والحساسيات والاعتبارات قائلاً: “إن يدي في يد كل لبناني مخلص ويدي في يد كل عربي مخلص، ويدي في يد كل رجل دولة، وفي أيدي أصدقائنا في الخارج الذين يريدون مساعدتنا بإخلاص” (الرئاسيات، صفحة 97)؟ ألم يصرح بجرأة وصدق أن “المشكلة ليست بين مسيحيين ومسلمين، بل حقيقة المشكلة هي وجود جيوش غريبة على أرض لبنان بنبغي إخراجها… لقد ارتكبنا عدة أخطاء في السابق، ولكن لنا الحق في أن نعيش كدولة حرة مستقلة، وآمل في ألا نعود الى تلك الأخطاء. يجب أن ننتظر الى المستقبل، وعندما نصل كلبنانيين الى اتفاق وطني، سوف نجبر الغريب على أن يترك أرضنا” (المرجع نفسه، صفحة 103)؟ ألم يقل بصراحة للحزبيين: “علينا أن نخلق علاقات طبيعية ومتجانسة بين الدولة والحزب، وأن نعرف أين تبدأ حدود الحزب وحقوقه وأين تبدأ حدود الدولة وحقوقها، وعلينا ألا نخلط بين الحزب والدولة، ويجب ألا تهيمن الدولة على الحزب أو الحزب على الدولة، فالحزب له دور والدولة لها دور” (المرجع نفسه، صفحة 132)؟ ألم يصارح الميليشيات: “آمل في أن نكون معًا في المستقبل وأن أتمكن من النزول الى ثكناتكم: ثكنات القوات اللبنانية، وثكنات المرابطون، ثكنات “أمل”، وثكنات كل لبناني كانت له في وقت من أوقات هذه الحرب، لنشرح للجميع معنى هذه المسائل، وأنه ابتداء من اليوم يجب أن تكون عندنا دولة واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة ومصدر قرار واحد، فالقول “لبنان واحد” يعني رأسًا واحدًا لا رأسين، وقرارًا واحدًا لا قرارين” (المرجع نفسه، صفحة 151)؟ ألم يشدد باسم الديمقراطية التي تميّز لبنان على قيام حكم ومعارضة، بحيث يجب أن تكون الديمقراطية كاملة، وأن تقوم الأحزاب بأدوارها كاملة، وأن يتحمل كل واحد مسؤوليته، وأن يبت مجلس النواب هذه الأمور، وأن تتحمل الحكومة مسؤوليتها، وأن يحافظ رئيس الجمهورية على الدستور المؤتمن عليه وعلى كل الممارسات الديمقراطية” (المرجع نفسه، صفحة 107).
نعم، كل الذين تمسكوا بخلاف ما دعا إليه الرئيس الشهيد هم الذين اغتالوه سواء بالفعل أو بالفكر، بالقرار أو بالتنفيذ، بالتنظيم الفعلي لعملية الاغتيال أو بالشوق. فاغتياله اغتيال لبنان الواحد الموحد، لبنان السيادة والقرار الحر، اغتيال الديمقراطية والعيش معًا في حوار الأديان والثقافات. ولهذا السبب، عملية الاغتيال دائمة الى أيامنا بأبشع وسائلها التي أشار إليها النداء الرابع الذي أصدره مجلس المطارنة الموارنة برئاسة صاحب الغبطة والنيافة أبينا السيد البطريرك في 3 أيلول الجاري، وهي: فساد الإدارة والإهمال في شتى المجالات، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي والمالي والسياسي والأمني والوطني، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية العامة، وتفكك الأحزاب وتسييس القضاء، وانتقاص السيادة بفرض وصاية والاستخفاف بالقيم الإنسانية والدينية والخلقية.
8 ـ منذ ألفي سنة، رُفع يسوع فادي الإنسان على الصليب، فكان “قداس دائم على قمة العالم” يتواصل كل يوم على المذابح، وفي قداسنا هذا، من أجل فداء البشر وخلق عالم جديد، ويتواصل حسيًا في آلام المصابين والمتألمين والضحايا البريئة من أجل “إتمام ما ينقص من آلام المسيح لخلاص العالم” (كولوسي 1/24)، ومن بينهم الرئيس المنتخب الشيخ بشير ورفاقه وعائلاتهم التي ما فتئت جراحها تنزف للمأساة بحد ذاتها، ولتكرارها في محاولات اغتيال أحلامه الجميلة، وهي أحلام قال عنها صاحب الغبطة في عظة رثائه يوم الجنازة “إنها باقية ولن تتبخر لأنها أحلام شعب يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام، وسيقيّض الله لأحلامه من يجسّدها وقائع ملموسة وحقائق راهنة تبقى على الدهر، ولن تقوى يد الإجرام مهما اشتدت قبضتها على تحطيمها وإبادتها (وغابت وجوه، الجزء الأول، صفحة 345).

9 ـ في ختام هذه الكلمة، أجدد باسم صاحب الغبطة والنيافة أبينا السيد البطريرك الكلي الطوبى، التعازي الحارة والآمال الكبار… ومعًا نرفع عيوننا وقلوبنا وسط المخاطر والهواجس الى فادي الإنسان يسوع المسيح الذي قال: “وأنا إذا رُفعت عن الأرض، جذبت إليّ الجميع”، سائلينه النور والقوة والرجاء لنوصل رفع ذواتنا ووطننا وشعبنا الى قمم الخير والحق والحرية والسلام. آمين.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]