
بعد أربعة وعشرين عاماً ماذا نسأل بطرس خوند، أو من نسأل عن بطرس خوند؟! غير الصدى من نحاور، عمن نسأل وأين وأي جهة؟ أي طبيب بعد سيختم ذاك الجرح النازف الهادر وجعاً دماء وظلماً، المفقودون والمخطوفون في أقبية بشار الاسد، الحارس الامين على حمل تراث والده في القمع والقتل والخطف والارهاب؟
أسألكم انتم يا من تمدّون له يد العون في حربه على شعبه، هل تجرّأ أحدكم وسأله مرة عن مواطنيهم اللبنانيين الغارقين في عذاب القبور وهم بعد أحياء؟ أو من تبقّى منهم كذلك وهم أموات في قعر اللاانسانية؟ ما عدنا نسأل عن مفقود، مخطوف، مناضل، مجرد انسان، لا نسأل عن بطرس خوند وحسب، ذاك المناضل الذي تربص به “دواعش” الزمن واختطفوه من أمام منزله، من بين أطفاله ذاك الـ15 ايلول 1992، لا نريد أن نسأل ذاك الديكتاتور الخانع القابع تحت أهوال حروبه يواجه بسلاح الغرباء والاخرين، ومع ذلك لا يجد متعة أنقى وأصفى من تعذيب اللبنانيين والتنكيل بهم حين يجد فرصته، وفرصه ما زالت كثيرة وكبيرة لأن مساعديه من بيننا كثر، لا نريد ان نتوجّه اليه بالسؤال لاننا نعرف الاجابة المتحجرة اياها منذ عشرات السنين “لا معتقلين لبنانيين لدينا”!!! غريب كيف تبخّروا في حين تتواتر أخبارهم من حين لآخر، من هناك وهنالك، من نسمة أمل نادرة الى نسمة اخرى عابرة، ولكن نسأل تلك الدولة المحسوبة علينا دولة ولا دولة، أين المعتقلون يا سيدة حرة مستقلة كما تدّعين؟ اين ملفاتهم وأخبارهم واسماؤهم ووجوهم وملامحهم؟! هل تذكرين بالأساس أن لديك معتقلين مفقودين مغيبين مدفونين أحياء في أقبية النظام السوري ذاك؟ ام لعلك فقدت الذاكرة استنسابياً، الزهايمر غبّ الطلب؟!
نسألك يا حكومة المستنفعين، هل حملتِ مرة ملف معتقل وشممت رائحة الامهات المنتظرات عند خيمة الاسكوا، هل بلل دمعهن المالح أصابعك وانت تتصفحين مئات الصفحات الصفراء التي أكلها العت، وباخت حروفها لان الهواء ما عاد يدخلها مذ دخل شبابنا في موت الديكتاتور؟! هل فعلتها مرة؟ قولي نعم واكسري فينا مزراب الوجع ذاك، قولي حاولت وسألت عن بطرس خوند والالاف من أمثاله وفشلت، قولي انك تعرّضت للضغوطات للتهديدات للفشل الذريع وانت تلملمين اسماءهم من هنا وهنا، قولي أي شيء أي شيء يوحي انكِ سعيتِ حاولتِ جهدتِ حزنتِ غضبتِ، قمتِ برد فعل ما، لا أفهم الا تملكين حشرية المعرفة على الاقل؟؟!! طيب هؤلاء الشباب الرجال اليسوا لبنانيين، اليسوا ابناءك، ام هم لقطاء من جنسيات هجينة وآباء من دون هوية ولا منبع ولا اصول حتى رميتهم هكذا في المجهول والتجاهل؟!
نسألك ونحن نعرف الجواب مسبقاً، لن تسألي عنهم ولا تملكين الجرأة أساساً على فعل ذلك، هذا ملف صعب شائك، هو جيد حين يريد أن يتاجر به بعض السياسيين من حين لآخر لمكاسب انتخابية، وعندما تنتهي الانتخابات يطوى الملف والاسماء في أدراج النسيان، صاروا رجالنا النسيان يا حكومة الغبار…
اما أنت بطرس خوند، ما زلت يا مناضل تقف بالبدلة الزيتية فوق تلة من تلال لبنان، حتى حين خلعت العسكر لتعود مدنياً الى أولادك وتبني وطن السلم مع رفاقك، بقيت في الصورة في البدلة اياها، أتعرف السبب؟ لان الكرامة حين تظلل الكبار لا تزيح عنهم مهما تلونت صورهم وثيابهم، تبقى الوجوه علامات، ولا علامة زيّنتك مرة غير الكرامة وشرف الانتماء الى المقاومة الى لبنان… لا أعرف اينك تحديداً، في أي قبو، في أي سجن من ظلام الديكتاتور، نعرف أننا ننتظرك، تعود حياً أو غائباً لا سمح الله نحن في الانتظار، انت بطلنا وتبقى كذلك، ويدوم ظلك بطلاً لان الاقبية السوداء لا تمحو هامات الرجال انما هامات الرجال تحوّل الاقبية الى محبسة فيها يسوع وفيها عنفوان الكبار، ناطرينك بطرس خوند وستعود وسيموت السجّان وسنراقب موته وانت على اكتاف الحياة…
