(10).jpg)
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1577
يستمر تخويف اللبنانيين بخطر عقد مؤتمر تأسيسي يغيِّر صورة لبنان. يساهم في زيادة الخوف عملية تعطيل الدولة والمؤسسات في شكل كامل ومتلاحق بحيث أن الفراغ الشامل يمكن أن يكون مقدمة لمثل هذا المؤتمر. يضاف إلى ذلك تمسك “حزب الله” بسلاحه واستقواؤه على اللبنانيين الأمر الذي يوحي بأن لديه القدرة عندما يقرر لفرض هذا المؤتمر بالقوة وبالشروط التي يريدها. ولكن هل هذا التهديد وارد أم أنه محاولة لفرض وصاية “حزب الله” الدائمة على الدولة والمؤسسات؟
حاول “حزب الله” أن يعقد مؤتمره التأسيسي الأول في 8 آذار 2005. بالنسبة إليه كان المطلوب الإبقاء على عهد الوصاية السورية على لبنان ومنع انسحاب الجيش السوري تطبيقا للقرار 1559 والقول إن الشعب اللبناني يرفض هذا الإنسحاب وأن الحشد الذي جمعه في ساحة رياض الصلح وضم جميع القوى التي حماها عهد الوصاية هو الذي يشكل الكلمة الفصل في لبنان. ولكن ذلك الجمع لم يكن يعبر إلا عن المجموعات التي تريد أن يبقى لبنان دولة منقوصة السيادة وتابعة وخاضعة للإحتلال السوري الذي شكل “حزب الله” جناحه العسكري والسياسي الأكثر فعالية.
ولكن في 14 آذار 2005 قال الشعب اللبناني كلمته. ذلك النهار شكل فعلاً المؤتمر التأسيسي للبنان الذي يريده. لبنان كامل السيادة. دولة قائمة بذاتها. تحترم فيها المؤسسات. تتأمن فيها السيادة جنباً إلى جنب مع الشراكة الحقيقية. تحصل فيها الإنتخابات بطريقة ديمقراطية. تتأمن فيها صحة التمثيل النيابي. يتم تداول السلطة. تستطيع الأكثرية النيابية الفعلية أن تحكم. تحاسب الحكومة في مجلس النواب. يحمي الجيش اللبناني الحدود اللبنانية كاملة. لا سلاح خارج إطار الشرعية. لا مشاريع خاصة خارجة عن إطارالدولة اللبنانية. إدارة فاعلة من دون فساد ومحسوبيات. دولة المشاريع المنتجة لا دولة المشاريع الإنتفاعية. الدولة التي تمثل الفكرة المؤسسة للكيان اللبناني.
فاجأ ذلك المؤتمر الشعبي التأسيسي “حزب الله” وعهد الوصاية السورية الذي كان يراهن أيضاً على سيطرته الدائمة على القرار اللبناني من دون أن يدرك أن القرار الدولي الذي سهّل له تلك السيطرة تبدل معتبرا أنه يمكنه أن يقف في مواجهة موجة التغيير التي كان حان وقتها. كان “حزب الله” مع النظام السوري يراهنان على عامل الخوف عند اللبنانيين. اعتقدا أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيكون مقدمة لوضع حد لإرادة اللبنانيين بالتغيير. تلك الإرادة التي انطلقت من نداء مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير عندما أعلن أنه آن الأوان ليستعيد لبنان سيادته وحريته ولينسحب الجيش السوري منه وأعطى الإشارة إلى أن عهد التغيير قد بدأ.
ولكن منذ ذلك التاريخ لم يتوان “حزب الله” والنظام السوري عن فعل كل ما يمكنهما للحؤول دون إتمام عملية التغيير واستعادة لبنان لسيادته. صحيح أنهما استطاعا تأخير العملية ولكنهما لا يزالان عاجزين عن منعها. ولذلك لن ينجحا في محاولة فرض مؤتمر تأسيسي جديد ينفذان من خلاله انقلابا على الحالة الإستقلالية السيادية وعلى الفكرة المؤسسة للكيان اللبناني من أساسها.
لعب “حزب الله” والنظام السوري ورقة العنف والإغتيالات ولم ينجحا في وقف مسار التغيير. عطلا اللعبة الديمقراطية ونفذا محاولات انقلاب عديدة عليها ولم ينجحا في فرض الحكم الذي أرادا أن يكون على شاكلة عهدي الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود. هذه المحاولات منعت انتخاب رئيس للجمهورية في أيار 2007 خلفا للحود. وهما اليوم يمنعان انتخاب رئيس للجمهورية خلفا للرئيس ميشال سليمان حتى بعدما انحصرت الترشيحات بين العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية.
لذلك دخل لبنان اليوم في نفق التعطيل. لا رئاسة جمهورية. لا حكومة فاعلة. لا مجلس نواب. لا طاولة حوار. ولكن على رغم كل ذلك لا خوف من نجاح محاولات “حزب الله” وما تبقى من النظام في سوريا.
“يعتقد البعض أن تعطيل الإنتخابات الرئاسية في لبنان هو لزيادة حظوظ العماد عون بينما هو في الواقع محاولة لتغيير النظام عبر مؤتمر تأسيسي أو ما شابه” قال رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع. ولكنه أضاف: “هذه المحاولات لتغيير النظام لن تنجح لأنها تحتاج إلى إجماع. وبالتالي لا حظوظ لأي مؤتمر تأسيسي بالنجاح ونحن غير متخوفين منه… لا أحد سيشارك في مثل هذا المؤتمر. لا نحن ولا الحزب التقدمي الإشتراكي ولا تيار المستقبل” فمن سيشارك إذاً؟ هل يستطيع “حزب الله” أن يفرض التغيير الذي يريده بالقوة؟ لقد بات واضحا أنه لا يريد العماد عون رئيسا للجمهورية وأنه يسايره على أمل أن يخرج وحده من تلقاء نفسه من السباق الرئاسي إلى قصر بعبدا وأنه يتضامن معه في الشكل فقط في مسألة الإمتناع عن المشاركة في جلسات الحكومة بعد امتناع وزيري “التيار الوطني الحر” على خلفية مطالبة رئيس التيار الوزير جبران باسيل بتفسير الميثاقية في جلسة طاولة الحوار في عين التينة الأمر الذي حمل الكثيرين من مؤيدي “حزب الله” على اتهامه بأنه يعمل للفدرالية بعد الكلام الذي قاله عن إرادة العيش المشترك وسؤاله المسلمين في شكل عام “إذا كانوا يريدوننا شركاء معهم”.
في خطابه في مناسبة ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية ركز الدكتور سمير جعجع على مقوّمات الدولة اللبنانية. الدولة التي أرادها المؤتمر التأسيسي الذي انعقد عفويا في 14 آذار 2005. دائما كانت “القوات اللبنانية” تمثل عصب هذه الدولة وروحها وقد أسهمت ممارسات “حزب الله” والنظام السوري خلال عهد الوصاية في دفع أطراف لبنانية أخرى أساسية في تكوين الفكرة اللبنانية إلى الإلتقاء مع ما تريده “القوات” ضمن هذه الفكرة على قاعدة “لبنان أولا”. في هذه النقطة التقى وليد جنبلاط والرئيس رفيق الحريري مع البطريرك صفير ولقاء قرنة شهوان و”القوات اللبنانية” حتى عندما كان الدكتور سمير جعجع لا يزال أسير ذاك النظام الذي اعتقد أنه بتوقيفه يمكنه أن يلغي آخر خطوط الدفاع عن فكرة لبنان بعدما عجز عن القضاء عليها في الحرب على رغم المعارك الكثيرة المدمرة التي شنها ضدها في لبنان وعمله على إلغاء كل من كان يقف في وجهه.
لذلك ومن ضمن استراتيجية التصدي لأي احتمال لفرض واقع المؤتمر التأسيسي شدد الدكتور جعجع في خطاب ذكرى شهداء المقاومة على مسألتي تحقيق الشراكة والسيادة معا لأن كل واحدة منهما تكمل الأخرى: لا سيادة من دون شراكة وما نفع الشراكة من دون سيادة؟ ولذلك تحدث عن محاربة الفساد وعن ضرورة التوصل إلى قانون انتخابات جديد يؤمن صحة التمثيل ويحقق الشراكة على قاعدة مطالبته بتحسين تطبيق نظام الطائف قبل الإتجاه نحو نظام أسوأ منه وعلى قاعدة تأمين الظروف الأكثر ملاءمة للمواجهة من خلال إعادة الإعتبار إلى المؤتمر التأسيسي الذي انعقد في 14 آذار 2005 وقام نجاحه على مسألتي: السيادة والشراكة. ولذلك كان الإنتصار على ما حصل في 8 آذار حيث كان الشعار: وصاية وشراكة. شراكة ناقصة وسيادة ناقصة مقابل شراكة كاملة وسيادة كاملة ودولة كاملة. على هذه القاعدة يكون المؤتمر التأسيسي الجديد للفكرة اللبنانية المؤسسة وتكون محاولات فرض مؤتمر تأسيسي جديد لعهد وصاية جديد مجرد أوهام.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]