#adsense

 “جموّل” و”حزب الله” وبيت الطاعة السوري – الايراني

حجم الخط

لم تكن تلك الحرب التي عصفت بلبنان في العام 1975 “حرباً أهلية” ولا “حرب الاخرين على ارضنا”، لم تكن حرب السيادة أو حرب المغبونين والمحرومين، لم تكن صراع طوائف او مواجهات بين يسار ويمين، لم تكن مطامع جيران اقربين او لاعبين إقليميين ودوليين، كانت كل هذا يضاف اليه رواسب النزاعات الدموية التي عاشها جبل لبنان منذ العام 1840 وهاجس الاضطهاد والابادات والتصفيات الجماعية التي شهدتها المنطقة عبر العصور، مرة لخدمة ملك او سلطان ومرات بإسم الدين.

شهدت تلك الحرب خلال سنواتها الست عشرة نماذج وتجارب عدة منها “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ــ جمّول” التي ولدت في 16 أيلول 1982 عقب الاجتياح الاسرائيلي لبيروت. فتم إطلاقها من قبل امين عام الحزب “الشيوعي” جورج حاوي وأمين عام “منظمة العمل الشيوعي” محسن إبراهيم من منزل الشهيد كمال جنبلاط، وتولى قيادتها المسؤول العسكري في الحزب “الشيوعي” الياس عطاالله.

لماذا ولدت “جمول” فيما كان للحزب الشيوعي جناح عسكري؟ هل تكفّل “حزب الله” بضربها لأنها رفضت بيت الطاعة السوري؟ هل ثمة إجحاف بحقها حين يحكى عن تحرير لبنان من الاسرائيليين؟ وهل ثمة تزوير أو تحريف للتاريخ في هذا الشق؟

أسئلة حملها موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني الى الامين العام لـ”الحزب الشيوعي” حنا غريب والنائب السابق الياس عطالله. غريب إعتذر في اول إتصال أنه في إجتماع وطلب معاودة الاتصال بعد ساعة، كررنا الاتصال مرات ومرات ولم يجب على هاتفه. اما عطالله الذي قاد تجربة “جموّل” فعاد معنا الى العام 1982 والاجتياح الاسرائيلي في مطلع حزيران، إذ بدأت الاستعدادات يومها منذ تموز لإطلاق الجبهة، وبعد الاعلان الرسمي في 16 أيلول، نفذت العملية الاولى ضد الاسرائيليين في 20 ايلول عند صيدلية بسترس – الصنائع، وتوالت العمليات بشكل شبه يومي حتى العام 1987 وخلال هذه الحقبة ساهمت “جمّول” بالانسحاب الاسرئيلي الاول الى صيدا والانسحاب الاسرائيلي الثاني في شباط  1985 الى الشريط الحدودي.

“مع إنطلاق الجبهة خرجنا من مفهوم الحرب الاهلية وركزنا عملنا على تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي. عمليتنا بحت سرية والقرار السياسي كان بعدم القيام بأي عمل عسكري ما بعد الحدود الدولية”، يشدد عطالله ويضيف: ” لم يكن لدينا اي هدف سوى تحرير الارض، لا هدف داخلي تغييري ولا خارجي تحريري نحن معنيون بتحرير الارض اللبنانية فقط. رفضنا ان تشكل المقاومة اداة للتغيير على المستوى السياسي وعلى صعيد النظام”.

 

ما الحاجة لولادة “جموّل طالما هناك ميليشيا تابعة للحزب “الشيوعي” وشاركت بفاعلية في الحرب؟ يسرع عطالله الى الايضاح: “الفرق بين الجناح العسكري للحزب الشيوعي و”جمول” هو اننا مع تأسيس “الجبهة” خرجنا من زواريب الحرب الاهلية وكنا بانتظار السلم لتسليم سلاحنا كحزب. لقد تحولنا من العمل الداخلي الى مواجهة الاحتلال. حرب الجبل كانت مفصلية وتبين لنا بعدها ان الحرب أصبحت عبثية. ندمر المقدرات الوطنية من دون اي هدف، هل اذا احتلينا عين الرمانة نكون انتصرنا؟ أو إذا إحتلوا الحمراء ينتصرون؟!”.

العام 1982 الذي شهد ولادة “جموّل” شهد أيضاً نشأة “حزب الله” في لبنان على يد “الحرس الثوري الايراني”، وظل الامر سرياً حتى جاء الاعلان الرسمي في 16 شباط 1985 وأعلن البيان التأسيسي أن الحزب “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.

“مقاومة “حزب الله” عملت على تغيير ديمغرافي وسياسي في الداخل وتجاوز الحدود الى الخارج مما استجلب على لبنان الويلات والحروب”، من هنا يطلق عطالله ليظهر التباعد الكبير مع “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”  التي كانت تنطلق من معادلة “لا هدف داخلي تغييري ولا خارجي تحريري بل فقط تحرير الارض”.

النظام السوري كان مسهّلاً لـ”حزب الله” وإلغائياً لـ”جموّل”، يعود عطالله الى العلاقة يومها مع دمشق، ويقول: “لم ننسق مع احد في عملنا. وفي عام 1985 كانت مطالبة سورية لنا بإلغاء ذاتنا وحل نفسنا لمصلحة “حزب الله”. وتم ذلك بشكل واضح ومباشر خلال إجتماع ضمني وجورج حاوي مع غازي كنعان في أوتيل عقل في شتورا، وقال لنا الاخير: “انه عمل استراتيجي وسيادة الرئيس الاسد يطلب منكم ان تنسقوا العمليات معي وان تتشاركوا وحزب الله المقاومة”. بالطبع رفضنا بسبب الدواعي الامنية والعملانية من جهة التي لا تسمح بكشف تفاصيل وتوقيت العمليات وبسبب الخلاف في الطرح من جهة والاهداف السياسية من جهة ثانية. بالنسبة لنا المقاومة تنتهي مع انتهاء الاحتلال وحينها يسلّم كل شيء للجيش اللبناني من دون شروط. بعدها دخلت ما سموها المقاومة الاسلامية اي “حزب الله” على خط مقاومة إسرائيل واول عملية لها كانت في العام 1986″.

رفض الخضوع لنظام الاسد، كان ثمنه سلسلة اغتيالات بدأت مع خليل نعوس وشملت نحو 25 كادراً سياسياً وعسكرياً من صفوف الحزب الشيوعي، وعملية إضطهاد كبير، أدت عملياً الى إلغاء “حزب الله” لـ”جبهة المقاومة اللبنانية الوطنية”، وتحكم سوريا بالتنسيق مع إيران بقرار “المقاومة” بالمطلق وجعلها ورقة بيدهما يستخدمانها في صراعتهما الاقليمية لمصالحهما السياسية. وفي هذا الاطار، يستكمل عطالله مشهد سلسلة الاغتيالات التي تعرض لها “الحزب الشيوعي” و”جبهة المقاومة” بما تلاه من صراع بين “حزب الله” وأمل” أسهم بصعود “الحزب” على حساب الجميع، ويقول: “دخول “حزب الله” الى اقليم التفاح بسلاحه تحوم حوله علامات إستفهام كبيرة، لأن الامر كان غير ممكن ميدانياً لأن في المقلب الاخر كان الاحتلال الاسرائيلي. لقد بدأ يتظهر التقاطع السوري – الايراني والحلف الاستراتيجي بشكل واضح في العام 1987 مع دخول الجيش السوري الذي كانت حدوده صوفر مجدداً الى بيروت. تم اتفاق كامل بين الاسد وخاتمي على كل شيء بما في ذلك وظيفة “حزب الله” الذي اصبح ورقة اساسية في صراعاتهم الاقليمية”.

أين كان دور الاتحاد السوفياتي مما يجري على الساحة اللبنانية من ضرب ممنهج لـ”جبهة المقاومة”؟ سؤال يفرض نفسه بسبب العلاقة العضوية والعقائدية بين  “الحزب الشيوعي اللبناني” وموسكو، يجيب عطالله: “عسكرياً ساعدنا، اما سياسياً فطالبنها بالتدخل لمعالجة الامر ولكن لم نلمس شيئاً جدياً. كان “الاتحاد السوفيتي”  يرسل مساعدات يصادرها النظام السوري ولم يستطع ضمان وصول المساعدات لنا”.

عام 1988، قدم عطالله استقالته ولكن يتحدث بشغف عن تلك التجربة: “افضل تجربة في حياتي هي “جبهة المقاومة” لاننا استطعنا صون قرارها السياسي وسلوكها، فهي لم تدخل في حرب ضد الناس ولا في منطق مذهبي، ولم تخض مغامرات خلف الحدود. تجنبنا “جيش لبنان الحر” وركزنا على العدو الاسرائيلي، كانت تجربة نموذجية لتحرير لبنان. لم نطرح مشروعاً سياسياً لعملنا لا تغيير النظام ولا “الارض لمن يحررها”. بعد العام 1988، أصبح هناك تراجع في العمل العسكري وضمور في مقابل ازدياد اضطهاد السوري و”حزب الله” لنا. لم يتخذ قرار سياسي بايقاف “جمول” ولكن عملياً توقفت بعد تصاعد الاضطهاد من جهة وضرب اسرائيل لمقرنا في الرميلة عام 1989. عام 1990 بدأت الخلافات داخل الحزب ولم تعلن حتى العام 1996 حول العلاقة مع نظام الاسد، وما زالت هذه نقاط خلاف رئيسة الى جانب فقدان الديمقراطية داخل البنية الحزبية. وبالطبع انتفاضة الاستقلال في  2005 شكلت مادة خلافية واليوم اكثر من اي يوم مضى زاد الخلاف بشأن النظرة الى نظام الاسد”.

 

ضرب “حزب الله” لـ”جمول” لم يقتصر على عملها العسكري بل شمل حتى تحجيم دورها في التحرير وتهميشها، وخير دليل رفض “الحزب” مشاركة “الشيوعي” بشكل فاعل بإستقبال الجثامين والاسرى على أرض المطار خلال الصفقات التي أبرمها مع إسرائيل، وفي هذا المجال يقول عطالله: “انا أصلاً كنت ضد التعاون مع “حزب الله” على اطلاق المعتقلين واستعادة الجثث. الاسوء من حرمان “الشيوعي” من استقبال شهدائه واسراه على ارض المطار من قبل “الحزب” (معظم الجثامين المستعادة لمقاومي “جمول”)، هو مشاركة الشيوعي بالمهرجان الذي اقامه الحزب. انا لدي شهداء سقطوا على يد “الحزب” لا يمكن ان أتخطى الامر وكأن شيئاً لم يكن”.

“جمّول” نفذت برانمجها الذي قاد الى التحرير، ولكن نشأ الى جانبها تشوه كامل لانجازات الشعب اللبناني في عملية التحرير وجعلوها عملاً ضد الداخل اللبناني ضد الجيش ووحدة اللبنانيين، كما تم تشويه ثورة الارز التي إنطلقت في العام 2005″ يخلص عطالله.

“جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” و”المقاومة الاسلامية” نهجان مختلفان لا نهج واحد، “مقاومة” حصرت هدفها بتحرير الارض وأخرى سعت الى الاستثمار في السياسية وبنية النظام داخلياً والتحوّل الى ورقة ضغط يستخدمها “المحور الاسدي – الايراني” لاعب ما فوق الدولة إقليمياً. “جموّل” دفعت ثمن رفضها دخول بيت الطاعة السوري – الايراني، ومهّد ضربها درب الحزب “الشيوعي” العلماني الى الاصطفاف كلياً خلف حزب طائفي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل