
لا مصلحة للولايات المتحدة الأميركية باستعداء المملكة العربية السعودية، خصوصا ان السعودية لم تعد دولة عادية، إنما تمثل وجدان الشريحة الأكبر من الطائفة السنية في العالمين العربي والإسلامي، ما يعني ان اي استعداء محتمل سينعكس سلبا على علاقة واشنطن ليس فقط بالرياض إنما بمزاج الشارع السني العريض، الآمر الذي يؤدي إلى توسيع الهوة بين العالمين العربي والغربي، ويفاقم الشعور بالمظلومية، ويرفع منسوب العداء، ويزيد المخاوف من الإسلاموفوبيا، هذه المخاوف التي وصلت إلى حدها الأقصى في السنوات الأخيرة.
ولعل مناسبة هذا الكلام موافقة مجلسي النواب والشيوخ على قانون “جاستا” الذي يتيح لعائلات ضحايا “١١ أيلول” مقاضاة السعودية. وعلى رغم ان هذا القانون لن يصبح نافذا سوى بعد موافقة الرئيس باراك أوباما عليه، إلا انه سيفتح الباب أمام شعوب عدة بمقاضاة الولايات المتحدة بدءا من الشعب الفلسطيني مرورا بالشعب الفيتنامي وصولا إلى الشعب العراقي ووو، ولكن بمعزل عن ذلك فإن خطورة هذا القانون تكمن في مكان آخر.
أولا، تعلم واشنطن جيدا ان الرياض غير مسؤولة لا من قريب ولا من بعيد عن أحداث “١١ أيلول”، والقول طالما انها بريئة لا يفترض ان تخشى من هذا القانون كون القضاء سيتكفل بتبرئتها في غير محله، لان مجرد الموافقة على هذا القانون تؤدي إلى خلق مناخات من الشكوك وعدائية بين الشعبين السعودي والأميركي سيكون من الصعوبة بمكان تبديدها، لأن الأحكام غالبا ما تكون شعبية قبل ان تكون قضائية، ولا مصلحة لا للشعب الأميركي ولا السعودي ولا لأي شعب آخر في هذا العداء المجاني، لأن تداعياته ستكون كارثية على الجميع.
ثانيا، تعلم واشنطن جيدا ان هناك أزمة ثقة حقيقية بينها وبين الشعوب العربية والإسلامية منذ نشوء دولة إسرائيل، وبدلا من تعمل جديا على تحقيق السلام الفلسطيني-الإسرائيلي لإقفال أقدم أزمة في الشرق الأوسط واستعادة الثقة المفقودة، تعمد إلى فتح أزمة أكبر بمعايير اللحظة السياسية التي تتعرض فيها السعودية لمواجهة من طبيعة إلغائية تقودها طهران من أجل كسر الدولة التي تعيق تحقيق أطماعها بالهيمنة على العالمين العربي والإسلامي.
ثالثا، تعلم واشنطن جيدا ان مكافحة الإرهاب الذي تحول إلى إرهاب معولم لا يتم عن طريق تثبيت شعور فئة معينة بانها مستهدفة في وجودها وحضورها ودورها على غرار ما هو حاصل في سوريا والعراق وسائر الدول العربية بسبب الدور الإيراني، إنما التصدي للإرهاب يبدأ بتحقيق المساواة والعدالة ورفع الظلم والغبن وإسقاط النظام السوري ووقف طهران عند حدها.
رابعا، تعلم واشنطن جيدا ان السلام في الشرق الأوسط لا يمكن ان يتحقق على قاعدة “غالب ومغلوب”، بل هذا الشعور بفائض القوة من جهة والمظلومية من جهة أخرى سيولد المزيد من الحروب وعدم الاستقرار، الأمر الذي ارتدت نتائجه على الغرب مؤخرا من خلال موجة التفجيرات الإرهابية التي بدأت ولا يمكن ان تنتهي إلا قبل إنهاء أزمات الشرق الأوسط.
خامسا، تعلم واشنطن جيدا ان الرياض تمثِّل اليوم جسر عبور الولايات المتحدة إلى العالمين العربي والإسلامي، ومن مصلحتها ومن مصلحة كل العالم تدعيم هذا الجسر لا إسقاطه.