
من أصعب المهام أن تحاول الإقتراب ممن هم يتقنون مهنتهم بإحتراف محاولاً التمثّل بنجاحاتهم. فكيف اذا حاولت أن تقوم بـ”حوار العمر” مع من تعتبرهم “عمالقة الصحافة” في عصرنا، فتضيع مشاعرك بين الإفتخار والتوتر والجدية والرصانة بحسب ما تتطلّب المهنة. هكذا أستطيع وصف ما حدث لي عندما فكرت في إجراء سلسلة حوارات صحافية مع عدد من الإعلاميين والصحافيين الكبار في لبنان. ودعوني أعترف لعلّ هدفي الحقيقي ليس محاورتهم فقط بل هو الإستفادة من خبراتهم الصحافية.
فقد وجدتني جالسةً أنصت بكل إمعان ودقّة في مقابلتي الأولى، الى “مختار الصحافة اللبنانية”، كما يصفه بعض الزملاء أو “google” تزامنا مع العصر، يحدّثني عن ولعه بعمله، قائلاً: “الإعلام السياسي بدمي، فمنذ أعوامي السبعة كنت أقرأ الصحف والمجلات وأستمع الى الأخبار، ما كان يثير استغراب عائلتي، فبدل أن ألعب كباقي الأطفال كنتُ أجلسُ وأقرأ الصحف”.
ولد الاعلامي يزبك وهبه في 10 تشرين الثاني عام 1967في بلدة القليعات، وتلقى دروسه في مدرسة “سيدة اللويزة” – زوق مصبح.
وفي حديث خاص الى موقع “القوات اللبنانية” يسرد وهبه حبه للاعلام منذ نعومة اظافره: “كنتُ مجتهداً باللغة العربية وفي العاشرة من عمري عندما كانوا يسألونني: ماذا كنت أرغبُ بأن أتخصّص في الجامعة، كنتُ أجيب مذيع أخبار. وعندما حان الوقت لدخول الجامعة كان الخيار بين العلوم السياسية أو الإعلام وبما أن كلية العلوم السياسة في جل الديب هي الأقرب الى منزلي من كلية الاعلام في الفنار اخترتُ العلوم السياسية”.
الأحلام لا تبقى دوماً أحلاماً بل تتحوّل الى واقع في بعض الأحيان، “كان الاعلام المرئي والمسموع حلماً بالنسبة لي ومن باب الصدفة عملت في إذاعة “صوت لبنان” عام 1990 ومذ ذاك الحين بدأت مسيرتي المهنية”.
عندما تسأل الزملاء عن الاعلامي يزبك وهبه تكتشف أنهم يطلقون عليه العديد من الألقاب وأشهرها “المختار” و”الاعلامي الوفي”. وعن سرّ هذين اللقبين يضحك مجيباً: “لقب المختار، هو لقبٌ عزيز على قلبي وذلك لأنني أتابع كثيراً ولدي اطلاع واسع ومعلومات عامة، وتحديداً عن لبنان وقراه والعائلات والمناطق اللبنانية وأستطيع القول ان أكثر من 95% من قرى لبنان أعرفها ومررت بها، ولهذا السبب يلقبوني زملائي بالمختار، وعندما يريدون الاستفسار عن أي شخصية سياسية، اجتماعية، اعلامية، أمنية أو عن موقع أي بلدة أو جغرافية منطقة قد يسألونني”.
أما عن “الاعلامي الوفي” فيمكن اعتبار وهبه رمزاً للوفاء لاسيما في عمله وللمحطة التي يعمل بها، فرغم العروض المغرية لم يشأ ان يغادر المؤسسات التي ينتمي اليها، ويقول: “منذ بدأت عملي في “صوت لبنان” أحبّ ان أكون وفياً للإذاعة التي أعمل فيها وليس بسهولة غادرتها عندما ذهبت الى الـmtv، فقد توقفت الأخبار السياسية في الاذاعة لمدة 6 أشهر بسبب الوصاية السورية وتوقف عملنا، وعندما عادت الحياة الى أخبار الاذاعة عملت فيها تزامناً مع عملي في المحطة وبقيت في صوت لبنان لمدة 14 عاماً وخلالها عملت في الـmtv 6 سنوات من العام 1996 الى 2002. وعندما أُقفلت المحطة وتمّ تخييرنا انتقلت الى الـLBCI بعد جملة عروض قُدّمت لي ومنذ ذاك الحين أعمل فيها وأؤمن أنه يجب على الشخص أن يكون وفياً وأنا سعيد بعملي و”كتر خيرالله””.
.jpg)
يقرأ وهبه في الاعلام ويعتبر أن “الصحافة اليوم تتضمن المهنة اكثر من الرسالة، اي ان كل اعلامي يسعى من خلال عمله أن ينقل الحقيقة بمصداقية ويتمتع بالنزاهة وان يكون متوازناً في تقاريره”، مضيفاً: “للأسف إن البعض يركّز اليوم على الجانب المادي بعيداً عن المهنية والمصداقية وأكثر من الرسالة وهذا شيء مؤسف، وهذا الواقع ليس فقط في المجال الصحافي والاعلامي انما في أغلبية المجالات”.
من يجول عبر صفحة الاعلامي يزبك وهبه عبر “فايسبوك” لا بد له من أن يلاحظ الصور التي تجمعه بزوجته وولديه رالف ولين، كما انه لا بد من أن يلاحظ إلمام نجله رالف بعالم الصحافة والاعلام اذ تراه يتجول معه في استديوهات الأخبار ويصافح الزملاء، فكيف يمكن التوفيق بين الحياة المهنية والحياة العائلية؟
.jpg)
.jpg)
“هناك القليل من التقصير تجاه عائلتي بحكم عملي الشاق، ففي التلفزيون نعمل أقله 9 ساعات وفي بعض الأحيان نصل الى الـ12 ساعة لاسيما عندما كنت مراسلاً”، يجيب وهبه ويتابع: “اليوم أذيع الأخبار وأعلّم في 4 جامعات، ولهذا السبب، وخصوصاً في فصل الشتاء، أقصّر تجاه عائلتي لذلك أحاول في الصيف أن أكرّس لهم أكبر وقت ممكن. وهنا أريد أن أشكر زوجتي الاعلامية بولين فاضل التي تتفهم طبيعة عملنا كونها في المجال ذاته وتهتم بتربية الأولاد في فترة غيابي الطويلة”.
.jpg)
.jpg)
من منا لا يذكر عندما كانت تزور العواصف الكبيرة لبنان كان وهبه يطلّ عبر الـLBCI ويقدّم لنا تقريراً مفصلاً للنشرة الجوية فنُسب اليه لقب جديد “خبير الأحوال الجوية”. “عندما قدّمتُ النشرة الجوية كان السبب هو أنه لدي اطلاع وحبّ لمتابعة الأحوال الجوية منذ الصغر وعندما تطورت وسائل الاعلام والتواصل صرت أبحث أكثر عن هذا المجال وتواصلت مع متخصصين في هذا المجال وكنت قد قدّمت نشرات الطقس في المحطة حتى قبل الاشكال الذي حصل مع الزميلتين إليز فرح وفاديا دقماق خصوصاً في فترة العواصف الكبيرة وذلك انطلاقاً من المعلومات التي كونتها. وقد تمّ اختياري بسبب الإلمام الذي كونته عن الطقس ومتابعتي له. وأحبني البعض والبعض لا ولكن أنا احترم كل الآراء وآخذها بعين الاعتبار”.
كثر يجهلون الحسّ المرح وسرعة البديهة مع خفة الظل للاعلامي يزبك وهبه خصوصاً ان شخصيته اتصفت بالرصانة والالتزام. “لا يعرف الناس كثيراً عن هذا الجانب من شخصيتي ولا أحبّ أن أظهره كثيراً محافظةً على صورتي الرصينة لأنني مذيع أخبار ومهنتي تقتضي ذلك. وهناك بعض الزملاء يعلمون أنني أقلّد الشخصيات وهذا لا يمنع ان الانسان يجب أن يكون جدياً في حياته فـ”لكلّ مقام مقال ولكل وقت احكامه”، من هنا في بعض الجلسات أقلّد قليلاً سياسيين حاليين وسابقين. ولعلّ أبرز الشخصيات التي انجح بها هي النائب وليد جنبلاط لأنه شخصية مميزة”.
وعندما تسأل وهبه “ماذا كنت لتكون لو لم تكن صحافياً؟”، يجيب: “انا أعشق الاعلام السياسي ولكن لو لم أكن اعلامياً كنت أفضل أن اكون دليلاً سياحياً لأنني أحب لبنان والسياحة اللبنانية وأكيد السياحة العالمية ايضاً فقد زرت 27 بلداً”.
.jpg)
وعن الانتماء السياسي الذي قد يوصد الأبواب أمام الصحافي أو يفتحها أمامه لتوسيع علاقاته، يقول وهبه: “يجب الفصل بين الانتماء السياسي والعمل الاعلامي ودائماً انصح طلابي في الجامعة أن بإستطاعة الإنسان ان يكون حزبياً وصحافياً واعلامياً ولكن بعمله الاعلامي عليه قدر المستطاع ان يراعي المعايير المهنية والتوازن، فلا يمكنني كصحافي أن أميل الى حزب معيّن وأقاطع الجهات الأخرى. وعندما اكون في جلسات حزبية يمكن أن أدلي برأيي بكل صراحة. يمكننا الفصل بين الاثنين ولكن لا يمنع أن يمارس الحزبي الاعلام شرط ان ينقل المعلومة الى الآخر من كل جوانبها وأطرافها ولا ترتكز فقط على رأيه الخاص والا سيخسر جمهوره وسيعتبره الناس صحافياً غير مهني وغير محايد”.
يمرّ على الاعلامي والصحافي العديد من المواقف منها التي يرغب في تغطيتها ومنها تكون تختلف عن قناعاته وميوله. “عندما يُطلب مني ان أغطي حدثاً لا يمت الى قناعاتي بصلة احاول ان أنقله بكل مهنية لأن لا مهنية وموضوعية 100% في الصحافة فأحاول ان أعطي كل طرف حقّه وان انقل الصورة من دون التدخل بالسياسة لاسيما ان الاعلامي في لبنان تعوّد ان يتدخّل بالسياسة عندما ينقل الخبر ويعطي رأيه بينما يجب علينا أن ننقل ونعلم الناس فقط، فليس دوري أن أعلّق وأنتقد وأذيع في الوقت نفسه بل يجب أن أحافظ على النزاهة”، يقول وهبه.
.jpg)
وعن الشخصيات والمواقف التي طبعت مسيرته المهنية، يجيب: “معروفٌ أن مثالي الأعلى هو البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير أما من الشخصيات السياسية فهناك العديد من الأشخاص ولكن كان لدي شخص أعتبره رمزاً بنزاهته وأمانته وهو النائب الراحل نسيب لحود. فكنت أحب طريقة عمله. كان يفصل بين الشخصي والعمل السياسي، فقد كان الصديق الشخصي للشهيد الرئيس رفيق الحريري ولكن بمعظم الأيام لم يكن يعطيه الثقة في البرلمان لحكوماته. وهذا هو العمل السياسي النزيه فالشأن العام المطلوب يقدّم خدمات على مستوى واسع وليس خدمات صغيرة فقط لأنني سياسي وبحاجة لأصوات. اذاً كان المفهوم السياسي لديه يختلف عن معظم السياسيين في البلد لذلك كنت احترمه، وهذا لا يمنع ان هناك قيادات سياسية نزيهة اليوم ولكن انا شخص لا أؤمن بالزعيم بل بالمبادئ والمواقف وأعطي رأيي بالشخص من هذا المنطلق”.
.jpg)
.jpg)
يتابع: “دائماً اقول إن اجمل يوم في حياتي الاعلامية والتغطيات كان نهار “14 آذار” عام 2005 عندما تجمّع الشعب اللبناني، كان نهاراً عظيماً وكان لي الحظ أن أغطيه اعلامياً مع الزميل بسام أبو زيد. وشاهدت اللبنانيين يمشون حوالى 7 أو 8 كلم ليعبّروا عن رأيهم. كان يوماً مهماً جداً رغم أن البعض لم يؤيدوه ولكن بالنسبة لي هو أجمل الأيام خلال مسيرتي الاعلامية”.
يزبك وهبة مسيرة أكثر من ربع قرن في عالم الاعلام خلاصتها إجماع بين السياسيين والاعلاميين والمشاهدين على حرفيته ودماثته وتهذيبه الفائق.
