المسيرة.jpg)
كان أحمد معروفا بإيمانه عقيدة وممارسة، ولا يخرج من المنزل قبل أن يتأكد من وجود صورة السيدة العذراء في جعبته العسكرية
في سن الـ13 بدأ أحمد يتعرف إلى حياة المقاومة بعدما كان عايش تفاصيل جمهورية الحلم مع رئيسها الشهيد بشير الجميل. “كان يحمل علم لبنان ويركض بالبيت ويصرخ 10452 كلم2“
وحدها صورته المؤطرة بالشريط الأبيض إلى جانب سرير والدته تشهد على قبلاتها كل ليلة قبل ان تنام وهي تتلو صلاة المسبحة
“كنت عم بهز ل ماغي صرت صرخ وقللن خيي راح خيي راح “. ولم تنفع محاولات زوجها والجيران الذين هرعوا إلى المكان لتهدئتها من خلال إقناعها بأنه قد يكون ورد خطأ في إسم الشهيد
صرخ الوالد” كسرتللي ضهري يا إبني…وسقيتني كاس المر”. تلك الكأس شربها كل من افراد عائلة احمد حنا الحيصا رشفة واحدة لتفتح بعدها صفحة جديدة على حياة مغمسة بالوجع والحزن
.jpg)
في منتصف الطريق قطعوا عليه طريق الحياة. لم يتركوا له مجالا حتى ليدافع عن نفسه ولو فعلوا في تلك اللحظة لما كان شهر سلاحه عليهم. هي لحظة، لكنها كانت كافية لتشرب عائلة الشاب أحمد حنا الحيصا إبن ال22 عاما كأس العلقم المر وترفق بإسمه صفة الشهيد.
كان ذلك في 13 أيلول 1988 عندما مر مصادفة مع رفاق له في سلاح المدرعات بالكومندكار عند مستديرة الصالومي. لم يعلم أحد بتفاصيل تلك اللحظة لكن الثابت أن فكرة ما عبرت في بال أحدهم،وحصلت بلبلة وحال هلع ولعلع الرصاص اخترقت إحداها رأس أحمد… وراح أحمد. سقط شهيدا وارتفع مع يسوع الشهيد الأول على خشبة الصليب عشية عيده. وعلى الأرض لا يزال أحمد صلاة ليلية تكرج مع حبات المسبحة بين أنامل والدته ودموعا تحجرت في عيون أشقائه وشقيقاته وملاكا يسرح في أحضان يسوع مع والده الذي “كسره” رحيل ضناه… فكان اللقاء معه بعد عشرة أعوام.
28 عاما مروا على تلك اللحظة وكأنها الأمس. 28 عيدا لارتفاع الصليب مروا على عائلة أحمد حنا الحيصا تحملتها بصبر وإيمان ولا تزال على رجاء القيامة. كيف لا وشهيدها أحمد كان معروفا بإيمانه عقيدة وممارسة، ولا يخرج من المنزل قبل أن يتأكد من وجود صورة السيدة العذراء في جعبته العسكرية. سلم نفسه لها وقبل 8 أيام من استشهاده كان يقف مع شقيقته جاكلين وابنتها ماغي عند قدمي تمثال السيدة العذراء في حريصا قبل أن يودعها على أمل اللقاء قريبا. فكان اللقاء فوق في أحضان مريم العذراء.
.jpg)
“لو كان أحمد بيناتنا كان رح يكون عمرو اليوم 47 سنة”. تقول شقيقته جاكلين التي لا تزال تعيش ذاك الوجع وجع انسلاخ “الأخ” ورحيله في عز الشباب. تلك ال”لو” التي لا تفارق كلماتها عندما تتحدث عن قطعة من قلبها، عن الدم النابض في عروق عائلة كبرت في جو الإلتزام وحب الوطن. “والدي كان عنصرا في مؤسسة الجيش اللبناني، وكان يتنقل من منطقة إلى أخرى بحكم خدمته العسكرية. وعندما صدر القراربنقله إلى منطقة بعلبك فضّل أن يستقر هناك مع العائلة. ويوم 28 شباط 1969 فتح أحمد عينيه على هذه الدنيا فكانت فرحة الأهل كبيرة بولادة طفلها الرابع في عائلة مكونة من أربعة صبيان وفتاتين. وبحكم الموقع الجغرافي قرر والدي أن يطلق على المولود الجديد إسم أحمد إيمانا منه بصيغة الوحدة والتعايش مع الآخر”.
في 13 تشرين الأول 1982 أي بعد شهر واحد على استشهاد الرئيس بشير الجميل انتقلت عائلة أحمد إلى منطقة الجديدة في قضاء المتن الشمالي وهناك بدأ أحمد إبن ال13 عاما يتعرف إلى حياة المقاومة بعدما كان عايش تفاصيل جمهورية الحلم مع رئيسها الشهيد بشير الجميل.” كان يحمل علم لبنان ويركض بالبيت ويصرخ 10452 كلم2″ تقول جاكلين وتضيف بعدو صوتو بدينيي كأنو قدامي… وتغرق في دموعها التي لم ولن تجف وتردد: “آخ يا خيي…احترق قلبنا”.
عندما استشهد بشير بكى أحمد كما الطفل، وكما بكاه كل لبنان بشيبه وشبابه. لكن الحدث الذي زلزل الوطن أيقظ فيه عصب المقاومة من دون ان يشعر أهله بذلك خصوصا أن والده كان جنديا في الجيش اللبناني وكان يصر على عدم التسبب له بأي إحراج، وكان في الوقت نفسه يحترم مؤسسة الجيش ودورها في الدفاع عن حدود الوطن. مع ذلك لم يتأخر عن متابعة دروسه في “المدرسة الحديثة” التي تسجل فيها عند انتقاله مع عائلته إلى منطقة الجديدة، وكان متميزا بتفوقه ومثابرته على العلم والدراسة في ظل متابعة حثيثة من قبل الوالد الذي كان يرفض أن يقبل أولاده قبل النوم إلا بعدما يتأكد من إنجازهم كامل واجباتهم المدرسية. وغالبا ما كان يتولى مسؤولية التسميع ومساعدة أولاده في إنجاز فروضهم المدرسية. “هلقد كان البابا يهتم فينا ويحبنا على رغم إنو كان عسكري وإيام كتيرة ما يرجع ع البيت. بس وقت كان يكون حاضر كان يحوطنا بعطفو وإهتمامو ويصر إنو يقعد معنا ويستمع لمشاكلنا”.
.jpg)
عام 1986 كان يفترض أن يتقدم أحمد لامتحانات شهادة البريفيه. لكن الشاب الذكي والمثابر على العلم والمعرفة شعر أن هناك حبا أقوى يتحدى كيانه ووجوده. كانت صورة الرئيس الشهيد بشير الجميل ماثلة امامه كيف لا وهو كان مثاله الأعلى وحامل شعاره”10452 كلم2 في كل مكان وزمان. وكان القرار المفاجئ.إنتسب إلى “القوات اللبنانية” وتحديدا فوج سلاح المدرعات. وتروي شقيقته: هيك غمضنا عين وفتحنا عين لقينا أحمد لابس بدلة “القوات” وحامل الجعبة ورايح ع الثكنة. حاولت إمي تقنعو بإنو يكفي علمو وياخذ شهادة البريفيه بس هوي كان آخذ القرار ومقتنع وما بقا في لزوم للحكي لأنو خيارو كان إنو يحمل صليب هالوطن ويرتفع على خشبتو شهيد بعمر ال19 سنة”.
غالبا ما ردد أحمد أمام رفاقه بأنه يرغب في التوجه إلى إحدى الجبهات ليردع المحتل عن اغتصاب شبر من هذه الأرض التي ارتوت بدمائه وتحديدا جبهة اللقلوق- العاقورة. لكن رصاص اللحظة، أو ربما الصدفة” اختصر كل المسافات ولم يسمح حتى لأمه بأن تقبل وجنتيه قبل ان يتوجّه ذاك اليوم المشؤوم إلى مركز الخدمة. وحدها صورته المؤطرة بالشريط الأبيض إلى جانب سريرها تشهد على قبلاتها كل ليلة قبل ان تنام وهي تتلو صلاة المسبحة.
قبل 5 أيام من استشهاده وتحديدا في 8 أيلول توجه أحمد مع شقيقته جاكلين وابنتها ماغي إلى سيدة حريصا لإيفاء نذر لها في ذكرى عيد مولد السيدة العذراء.” بس صلينا قدام تمثال امنا مريم وباركلنا ابونا ثوب الندورات اللي جبتو من الدير اصر أحمد إنو يلبسا ياه لماغي بنفسو. وبس طلعنا من الصرح راح ع السيارة وجاب قنينة شمبانيا كان اشتراها للمناسبة وفتحا وقللي انا رايح ع الثكنة وما راح اقدر إمرق ع البيت لهيك جيت بالبدلة العسكرية. سلمي عالكل”.
.jpg)
تلك كانت آخر مرة ترى فيها جاكلين شقيقها وضناها أحمد، وليتها كانت تعلم أنها ستكون المرة الأخيرة، لكانت ربما شبعت من رائحته، من ضمّه، من صوته، من ضحكاته… لكن الموت لا يستأذن أحدا، وحتى لو فعل ذلك، لا شيء يروي وجع ذاك الفراق…
13 أيلول 1988. جاكلين الحامل في شهرها السابع بابنها جورج تجلس أمام شاشة التلفزيون وتتابع اخبار خطف النائب الراحل فريد سرحال في 8 أيلول. مرت خمسة أيام. البلد يغلي وقلبها أيضا. إلى جانبها إبنتها ماغي التي وضعتها في كرسيها الهزاز. وبين الحين والآخر كانت تهز سريرها لتمحو الصور القاتمة التي كانت تعبر في مخيلتها. خبر جديد يقطع حبل الصور “خطف وزير الدفاع عادل عسيران عند المعبر الفاصل بين الشرقية والغربية آنذاك”. “الله يستر” تردد جاكلين وهي تهز لابنتها. خبر ثان. “إطلاق نار كثيف عند مستديرة الصالومي واستشهاد أحمد حنا الحيصا”. لحظة لا تمحوها محطات عمر في حياة جاكلين. “كنت عم بهز ل ماغي صرت صرخ وقللن خيي راح خيي راح”. ولم تنفع محاولات زوجها والجيران الذين هرعوا إلى المكان لتهدئتها من خلال إقناعها بأنه قد يكون ورد خطأ في إسم الشهيد “كنت حاسة إنو في شي بدو يصير. كان قلبي عم يلهب متل النار… وراح أحمد”.
عندما وصلت جاكلين إلى منزل العائلة أصيبت بالإغماء ولم تستيقظ إلا بعد ساعة على صراخ أمها التي كانت تصرخ بأعلى صوتها “راح أحمد راح أحمد…” لكن أحدا كان يرفض أن يصدق أن أحمد راح. الكل كان يريد أن يصدق الخبر الذي تناقله البعض ومفاده أن أحمد أصيب وهو يخضع للعلاج في مستشفى أوتيل ديو. لكن قلب جاكلين كان ينبئها باليقين: “كان قلبي عم يحترق وحسيت من لحظتا إنو في شي انطفا. كنت عارفة إنو أحمد راح”. عندما وصل والدها وشقيقاها وزوجها إلى مستشفى أوتيل ديو حيث تم نقل جثة أحمد صار الخبر حقيقة “وصرخ الوالد” كسرتللي ضهري يا إبني… وسقيتني كاس المر”. تلك الكأس شربها كل من افراد عائلة احمد حنا الحيصا رشفة واحدة لتفتح بعدها صفحة جديدة على حياة مغمسة بالوجع والحزن وأيضا بالإيمان والرجاء لروح شهيد لم يستأذن أحدا عندما قرر ان يترك مقاعد الدراسة ويرتدي بزة “القوات اللبنانية” ليدافع عن أرض عشقها حتى الإستشهاد.
بعد 40 يوما ولدت جاكلين إبنها جورج الذي كان يترقب أحمد لحظة ولادته ويقول لشقيقته أنه يريد أن يكون حاضرا الى جانبها. “راح قبل ما يشوف جورج ولليوم بعدني عم بعالج إبني من مرض الأكزيما اللي أصيب فيا بسبب الصدمة اللي تلقيتا والحزن اللي عشتو قبل وبعد ولادتو… بس أحمد معنا وهوي عم بيصليلنا وأنا متأكدة إنو صار ملاكنا الحارس بالسما”. حتى شقيقتها عايدة التي تولت تربية أحمد وكان يفترض أن تحتفل مع عائلتها ببلوغ إبنها غابي عمر السنتين في 13 أيلول 1988 حولت تلك الذكرى إلى أيقونة صلاة ورجاء “المسيح استشهد ع الصليب وشو أحلى من إنو يكون اختار خينا أحمد شهيد بيوم ارتفاعو على خشبة الصليب؟”.
.jpg)
أكثر من رواية نقلت عن تفاصيل حادث إطلاق النار الذي حصل في 13 أيلول 1988 عند مستديرة الصالومي. ثمة من قال “الغالي راح شو نفع نعرف كيف وليش”؟ رواية واحدة خطتها عائلة الشهيد أحمد الحيصا في ذاكرة تاريخ انفصل عن جغرافيا المكان ذاك اليوم المشؤوم. وفي التفاصيل أنه بعد مرور ساعة على خطف الرئيس عادل عسيران عند منطقة البربير ذلك اليوم صادف مرور كومندكار كان يقل عناصر من سلاح مدرعات لـ”القوات اللبنانية” عند مستديرة الصالومي وحصل إطلاق نار من قبل عناصر للجيش اللبناني عن طريق الخطأ ولم يتسن لأحمد حتى أن يشهر سلاحه ويدافع عن نفسه إذ أصيب برصاصة 7/12 في رأسه. فاستشهد على الفور وقبل أن يسقط وقف منتصبا ثم هوى على الأرض بحسب رواية رفاقه الذين كانوا معه في الآلية العسكرية ومنهم خليل موسى الذي قتل في الطائرة الأثيوبية التي سقطت في البحر وكان على متنها عدد كبير من اللبنانيين.
“كسرتللي ضهري يا بيي… وسقيتني كاس المر”. كلمات كان يرددها والد أحمد مع كل طلعة شمس هو الذي عاش مكسور القلب والخاطر بعد استشهاد إبنه، وكان يمضي ساعات النهار غارقا في الحزن ودخان السيجارة التي لم تعد تفارق ثغره مما أدى إلى تدهور صحته ورحل ليعانق أحمد بعد عشرة أعوام.
في الليلة التي ولدت فيها جاكلين إبنها جورج حلمت بأحمد: “قللي قومي جورج بدو يخلق”. هو بشرها بولادة إبنها الذي كان ينتظر مجيئه إلى الدنيا على أحر من الجمر. لكن جورج سار في جنازة خاله أحمد وهو جنين في بطن أمه، لا بل في عرسه الذي شارك فيه ممثلون عن قيادتي الجيش اللبناني و”القوات اللبنانية”، ورافق العريس حتى مثواه الأخير في مدافن مار متر في منطقة الأشرفية. وفي كل 13 أيلول تزهر الورود على بلاطة الرخام الأبيض التي تحتضن أحمد، لكن روحه فوق على خشبة الصليب، صليب الشهادة الذي ارتقى إليه في يوم عيد ارتفاعه.
.jpg)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
