
تطوران بارزان شهدتهما الساحة الاقليمية في الاسبوع الاخير – توقيع اتفاق كيري – لافروف حول الهدنة في سوريا وحلب من جهة والتصدي الصاروخي السوري – الحزب اللهي للطيران الاسرائيلي فوق الاراضي السورية.
في التطور الاول ابرز ما يلفت النظر فيه طابعة السري غير المعلن لما توصل اليه وزيري خارجية الولايات المتحدة الاميركية وروسيا – اذ ان الطابع السري يخفي بالتأكيد صفقة تمرير المرحلة المقبلة باقل خسائر ممكنة وبنوع من “تجميد للوضع الميداني السوري” الى حين اتتقال الادارة الاميركية من رئيس الى اخر.
وفي هذا الاطار يمكن تسجيل الاتي:
اولاً: ان الاتفاق الاميركي – الروسي لبى اهداف مرحلية هامة للطرفين اذ من جهة كرس الاستئثار الاحادي الروسي باللعبة السورية في ظل التراجع الاميركي المفضوح منذ فترة طويلة، ما يسمح للرئيس بوتين بمواجهة اي رئيس اميركي مقبل بشروط مكبلة مبنية على ما بات يكرس نوعا ما “حقوقاً مكتسبة لروسيا في سوريا” بحيث ان اي رئيس اميركي مقبل يأتي سيجد نفسه امام خيار صعب بتجاوز ما ابرم في اواخر عهد الرئيس اوباما.
في المقابل تمكن الرئيس اوباما في نهاية ولايته من تحقيق ما يمكن ان يعتبره الاميركيون “خرقاً ديبلوماسياً وميدانياً في الملف السوري لا يرقى الى مستوى الانجاز” وان حاول البعض في الادراة الاميركية اكساب ما تحقق هذه الصفة.
ثانياً: ان الاتفاق الاميركي – الروسي حول سوريا اهمل مصالح ايران وتركيا اللاعبين الاضافيين اقليمياً في الملف السوري، علماً ان ايران التزمت الى الان بالتسليم لحليفها الموضعي الروسي بنوع من الاستئثار في ادارة ملف الهدنة والتفاوض مع الاميركيين مطمئنة الى البند الاساسي من الاتفاق المتمثل بالحفاظ ولو الموقت على حليفها بشار الاسد في موقعه. فيما تركيا التي تكاد اولوياتها مختلفة بعض الشيء كونها مهتمة بالدرجة الاولى بانهاء التهديد الكياني الكردي لها تنظر الى الاتفاق بنوع من الحذر والترقب، خاصة وان المحك المفصلي لها كامن في كيفية نظرة روسيا عبر الاتفاق الى المعارضة المدعومة من انقره والتي تشكل للاخيرة اساس موطئ قدمها في سوريا وورقة تأثيرها على المشهد السوري الداخلي في التسويات الاخيرة.
ثالثاً: ان الاتفاق الاميركي – الروسي تجاهل كلياً من الناحية الاميركية مصالح حلفاء واشنطن في التحالف الدولي العسكري ضد “داعش” و”النصرة” الامر الذي يجعل الاتفاق خالياً من اي غطاء ديبلوماسي غربي حليف ويزيد من شكوك الحلفاء الغربين لواشنطن في نوايا ادارة اوباما ووزير خارجيته خصوصاً في ظل معلومات ديبلوماسية تتخوف من وجود بنود سرية تدفع بالازمة السورية الى اتجاهات مؤذية للطرف المناهض للنظام السوري وحلفائه وبخاصة للمعارضة السورية المعتدلة.
اما لجهة التطور الميداني الثاني المتمثل بالمواجهة الاخيرة على الحدود السورية – الاسرائيلية منذ ايام فاقل ما يقال عنه انه اعطى بعض المؤشرات على تبدل في قواعد الاشتباك الاقليمي اذ جاء بعد ساعات على الاتفاق الاميركي – الروسي حول سوريا ما اظهر للمرة الاولى اريحية سوريا وربما “حزب الله” في التصدي للطيران الاسرائيلي بصواريخ نوعية ارض جو من طراز اس 200 .
اهمية هذا التطور في توقيته وانعكاساته على لبنان انه اثار جدلاً وتساؤلات في اسرائيل عن حقيقة دور “حزب الله” في التصدي للطيران الاسرائيلي بهذا السلاح الصاروخي النوعي خصوصاً وان بعض المحللين الاستراتيجيين ربطوا بين اسلوب التصدي وكلام الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في احدى خطبه الاخيرة عن اتيان اليوم الذي فيه لن يكون بامكان الطيران الاسرائيلي خرق الاجواء اللبنانية فضلاً عن التقارير الميدانية التي تشير الى وجود “حزب الله” في المنطقة الحدودية الجنوبية بين سوريا واسرائيل.
فاسرائيل ترى في الاتفاق الاميركي – الروسي اراحة لبشار الاسد وجيشه وميليشياته المتحالفة معه وفي طليعتهم “حزب الله” بحيث يستطيع النظام الاستفادة من اجواء الهدنة ومعه “حزب الله” لتصفية حساب قيدم جديد مع تل ابيب تراكم على مر الغارات الاسرائيلية التي قصفت على مراحل اراضي ومراكز حيوية داخل سوريا في السنتين الاخيرتين. هنا يأتي السؤال عن وضع لبنان في خضم التطورات الاقليمية؟
مما لا شك فيه ان الوضع اللبناني الداخلي بات مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بتطورات الملف الاقليمي ولا سيما في سوريا. فامام شبه انعدام الاهتمام السعودي والانشغال الدولي والاقليمي الايراني – التركي بالوضع السوري – والعراقي وفقدان التوازن الداخلي في العلاقات بين الافرقاء اللبنانيين، وامام التطورين الاقليميين المشار اليهما اعلاه، فان الملف الرئاسي سائر باتجاه المزيد من الغموض والتأجيل لا بل بالعكس ستحاول الاطراف المحلية في هذه المرحلة من الوقت الضائع كل واحدة منها تحصين مواقعها والتشدد في مطاليبها ما يؤدي الى الذهاب الى المزيد من الشلل وبالتالي من التشنج التي قد يتخللها توتيرات امنية في الفترة الممتدة بين 20 ايلول الجاري واواخر تشرين الثاني المقبل.