
تضجّ الكواليس السياسية بالمعلومات التي تتحدث عن قرار كبير سيتخذه الرئيس سعد الحريري في الأيام أو الأسابيع المقبلة كحد أقصى، وقد ترافقت هذه المعلومات مع حركة سياسية لافتة على أكثر من مستوى وصعيد، ومع مواقف سياسية تتراوح بين التصعيد وبين إطلاق الإشارات بأنّ البلاد مقبلة على مرحلة جديدة.
ويبدو ان “المستقبل” قد وجد نفسه مضطراً اعتماد خيار من خيارين بعد أن لمس ان كلفة استمرار الوضع الحالي باتت باهظة جداً عليه ولم تعد تحتمل.
الخيار الأول تصعيدي ومرتكزاته الخروج من الحكومة والحوار بعد ان أظهرت التجربة منذ تكليف الرئيس تمام سلام وتأليف حكومته ان ربط النزاع مع “حزب الله” من داخل المؤسسات غير مجد، بل نتائجه سلبية جداً على البلد وشعبية تيار “المستقبل”، لأن الحزب ليس بوارد تقديم اي تنازل ولا حتى التعاون بما يبرر مواصلة المساكنة معه، فضلاً عن اعتماده سياسة القضم التدريجي وصولاً إلى تجديد وصاية محوره على لبنان.
الخيار الثاني تطوير التسوية السياسية وتجديدها من خلال ترشيح العماد ميشال عون بما يتيح للرئيس الحريري العودة إلى السراي الحكومي واستعادة حضوره الشعبي ودوره الخارجي من مربع رسمي.
وعلى غرار أي خطوة من هذا الحجم، أي ترشيح عون، هناك من يشجع على اتخاذها ومن يحذر من تداعياتها، فيما لكل من وجهتي النظر حيثيتها. فوجهة النظر المحذرة تستند في تحذيرها إلى الآتي:
أولاً، الشارع السني لن يتقبل هذه الخطوة، وترشيح فرنجية أكبر دليل، وستكون نتائجها سلبية أيضاً على وحدة الصف داخل تيار “المستقبل”.
ثانياً، “حزب الله” أسقط اتفاق الدوحة على رغم المظلة الدولية – الإقليمية التي ظلته، وبالتالي من يضمن ان يصار إلى تكليف الرئيس الحريري بعد انتخاب العماد عون؟ ومن يضمن في حال كلِّف عدم إدخاله في مفاوضات تأليف مرهقة وشاقة هدفها إلزامه بمزيد من التنازلات لمزيد من إضعافه؟
ثالثاً، المدة الفاصلة عن الانتخابات النيابية قصيرة جداً، وبالتالي هل سيتمكن الحريري من إقناع الرأي العام السني بخطوته، خصوصاً أنه يصعب تحقيق الإنجازات في هذه المدة القصيرة والتي تحول فيها مزاج الناس إلى مزاج انتخابي؟
رابعاً، العلاقة بين رئيس الجمهورية عون ورئيس الحكومة الحريري لن تكون بالسهولة التي يتصورها البعض، لأن الأول سيحاول توسيع صلاحياته على حساب الثاني، الأمر الذي ينعكس سلباً على صورة رئيس الحكومة داخل بيئته.
ولكن وجهة النظر الأخرى تنطلق من اعتبارات أخرى وحتى معاكسة لوجهة النظر الأولى:
1- الانتحار هو باستمرار الستاتيكو الحالي، وهو انتحار بطيء، وأما الانتحار السريع فيكمن بالخروج من الحكومة والحوار والعودة إلى التصعيد بما يهدد الاستقرار، وبالتالي الخيار الوحيد المتاح اليوم هو انتخاب عون الذي يبقى أفضل من الفراغ والتصعيد حتى إثبات العكس.
2- يدرك “حزب الله” ان تعقيد مهمة الحريري يعني إسقاط الاعتدال السني ودخوله في مواجهة مكشوفة مع الشارع السني، الأمر الذي يتناقض مع سياسة الحزب الحريصة على تبريد الوضع في لبنان لمواصلة قتالها في سوريا.
3- عون 2016 غير عون 1988 وحتى 2008، إذ يدرك جيداً ان دخوله في صراع صلاحيات مع رئيس الحكومة سيدخل الحكومة واستطراداً عهده في حالة من التعطيل، فيما سيحاول عون تحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات في أقل فترة ممكنة من الوقت بسبب عمره أولاً وإظهاره ثانياً ان عهده يختلف عن العهود التي سبقته، والإنجازات لا يمكن تحقيقها سوى عن طريق التعاون لا التعطيل، وبالتالي من مصلحته القصوى مد اليد لا العكس، لأن المستهدف الأول من العرقلة سيكون عون نفسه.
4- دخول الرئيس الحريري إلى السراي سيكون كفيلاً لوحده باستعادة نصف الشعبية التي خسرها، لأن الناس غالباً ما تكون أقرب الى السلطة من المعارضة وتحديداً الشارع السني، ومن مصلحة “المستقبل” خوض الانتخابات من السراي لا من خارجه، وليس المقصود هنا التدخل في الانتخابات، إنما رمزية الموقع الذي يؤشر إلى عودة الحريرية السياسية بما يكفل الحد من خسائره والحفاظ بشكل أو بآخر على وضعيته الشعبية.
وفي موازاة كل ذلك ما زالت المعلومات متضاربة بين من يتحدث عن فيتو سعودي، ومن يقول إنّ الرياض أعطت الضوء الأخضر، وان المجتمع الدولي لا مانع لديه في اي خطوة تعزز الاستقرار لإبعاد شبح الحرب السورية عن لبنان.
ولكن ماذا عن طهران التي لعبت الدور الأساس في عرقلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية؟ وماذا عن “حزب الله” الذي أظهرت الأحداث ان دعمه للعماد عون لا يخرج عن السياق الشكلي، إذ هل يعقل ان الحزب لم يعد “يمون” على النائب سليمان فرنجية ليسحب ترشيحه وعلى الرئيس نبيه بري لينتخب عون؟ وماذا عن بري الذي يقود أشرس مواجهة ضد عون؟ وهل التفاؤل المستجد هدفه تنفيس التعبئة العونية، ام صورة طبق الأصل عن المناخات التفاؤلية السابقة؟
وبمعزل عن كل ذلك، يبقى ان الثابت في كل هذا المشهد هو هذا الحراك اللافت والأسباب الموضوعية الكامنة خلفه، ولا شك ان الأيام المقبلة ستكشف مدى جدية هذه الأجواء او عدمها.