
ذات يوم وقبيل سفرة عمل قصيرة، دخل علي المحاسب وعلى سحنته علامات الجدية المطلقة. ظننت أنه آتٍ إلي بمصاريف السفر مرفقة بأدعية التوفيق والسلامة لكنه كان يحمل فقط سؤالاً عاجلاً: هل تملك بوليصة تأمين على حياتك؟ وقبل أن أجيب عرض عليّ البوليصة الأمثل.
استفسرتُ عن جدوى الإفادة من هذه البوليصة. ففتح حقيبته المحشوة مثل وسادة وأخرج ملفاً فيه معلومات عن حوادث الطيران وكل الكوارث الجوية منذ أن ارتفع الأخوة رايت عن سطح الأرض مطلع هذا القرن. وبكل حزن ٍ قال: بعد أقل من 24 ساعة ستسافر هل تضمن ألاّ تصاب الطائرة بعطلٍ مفاجئ وتهوي؟ ماذا سيحل بعيلتك؟ وهل تبخل عليهم بمائة ألف دولار يقبضونها نقداً فور التأكد من الفاجعة؟ ألا تفكر إلاّ بنفسك؟ وتابع على هذا المنوال ليختم مطالعته بدعوتي إلى شراء بوليصة تأمين على الحياة اليوم. “فغداً قد لا تكون بيننا” قالها من دون تأثر. وهو يضع أمامي البوليصة الأمثل التي تناسب إمكاناتي المالية.
فور رجوعي إلى ربوع الوطن، وذلك قبل عهد الروائح النتنة، سألت عن صديقي المحاسب. وجه الشؤم. فقالوا ترك الوظيفة كمحاسب وتفرّغ كلياً للعمل في قطاع التأمين. وقد التقينا في ما بعد في مناسبات عدة. وفي كل لقاء يذكرني بالجريمة التي أقترفها بعدم شرائي أي بوليصة تأمين على الحياة. ومنذ حوالى العقد فقدت أثره وقيل لي إنه صار من المرموقين ولم يتخلّ عن الحقيبة.
ولم يكن زميلي أول من فشل في إقناعي بأهمية التأمين على الحياة. فقد تعرفت إلى سيدة غاية في النشاط: مدام مود. طاردتني طوال أعوام مزودة بهدف استراتيجي: ضمّي إلى مجموعتها على أمل إيقاعي بأسر عقد تأمين. أي عقد. كانت قوية الحجة. أخبرتني قصصاً مذهلة.
فلان وقّع بوليصة التأمين وقبل أن يجف حبر توقيعه أصيب بجلطة دماغية وفارق الحياة بلمح البصر. وآخر لم يعرف أن زوجته الشابة أمّنت على حياتها بنصف مليون دولار. وكانت سعادته بوفاتها لا توصف. هذا أصيب بشلل نصفي وقبض من شركة التأمين ثروة كاملة. وذاك تكسرت ضلوعه ولم تدفع عائلته سنتاً في المستشفى لا بل قبضت بدل أشهر تعطيله عن العمل.
تسرد عشرات الأمثال وتخلص إلى النتيجة الآتية: لديك أكثر من OPTION وفرص استثمار أكيدة. فكّر بزوجتك. فكّر بأولادك القصّار وتعليمهم. إعتبر ما تدفعه لي أنك تضعه في القجة. كل شهر 437 دولاراً. لم أقتنع بوجهة نظرها ولا بالجدوى الاستثمارية ولا بقجتها ولا بالمغريات التي قدمها لي أحد عملاء التأمين في جلسة مصارحة من القلب إلى القلب. من أخ إلى أخ: إذا خسرت إصبعاً من اليد اليمنى، حتى لو طارت عقدة واحدة، ندفع لك ألفي يورو، يورو ينطح اليورو وإذا طار من يدك لا سمح الله إصبعان الإبهام أو السبابة يتضاعف أو البنصر أو الأوسط يتضاعف المبلغ. الخنصر بحسبلك ياه ب 750. وإذا فقدت يدك ستحظى بتعويض ينسيك المأساة. أما العطب الدائم… فتغطيته المادية تسيل اللعاب. ظنّ الأخ العزيز أنني أوزع وقتي بين التلفزيون والكتابة والمنشرة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]