
“قسماً بأن دماء بيار لن تذهب هدراً”، قال انطوان غانم في ذكرى استشهاد بيار امين الجميل، لكن دم خطيب الكتائب هدر بلحظة حقد. “روح ملفوف بعلم مش احسن ما روح هيك زليط؟” وذهب طوني ضو ملفوفا بالعلم كما اراد متدثراً هذا الكم من الحب والكرامة…وكان ذلك في 19 ايلول 2007 ، اربعون كيلو من المتفجرات اشعلت لبنان بالاسى، استشهد النائب الدمث الاخلاق المتواضع المنفتح على الكل، وليذهب معه ستة شهداء من بينهم مرافقيه طوني ضو ونهاد الغريب.
هكذا كانوا يفعلون ولم يتوقفوا بعد، لنصبح القلة في مجلس النواب، لنصبح اهل الذمة في مجلس الوطن، لنصبح قلّة خائفة متناثرة على الاستسلام والهزيمة والخوف، ولتصبح كلمة “لا” فعل ماض سحيق في كتاب المقاومين والمناضلين والساعين الى وطن الحقيقة، وطن الرسالة، وطن الانسان، والاهم وطن الحرية والكرامة.
استشهد انطوان غانم وطوني ضو ونهاد الغريب ومن معهم وجرح العشرات وماذا حصل؟ لم ينالوا بعد كلمتهم المنشودة “نحنا بامركن”، لاء نحنا مش بامركن، لم يستشهد هؤلاء الكبار الكبار، وكبارنا ليس بمناصبهم ولا بثرواتهم ولا بسطوة سلاحهم المدمر العابر لكرامة الانسان، كبارنا بمواقفهم ونضالهم وتشددهم في انتمائهم اللبناني الحر، اكرر، اللبناني الحر ولن تتغير ولن تنتقل هذه الكلمة لا من المعجم ولا من سطورنا ولا عن لساننا ولا حتى من قبورنا اتعرفون لماذا؟ لان انطوان غانم ما مات بعد، طوني ضو هنا حي يرزق، نهاد الغريب لم يترك ارضه بعد ما زال يتنقل في روح القضية يضج بالنضال، كل الشهداء هنا يحكون، يصرخون، يهزّون ضمائرنا، ينهرون بنا احيانا حين نتراخى، يطالبون قبلنا بالوطن، بالجمهورية، بالاقتصاص من المجرمين وليس الانتقام منهم، الاقتصاص لاجل الجمهورية التي استشهدوا لاجلها، الاقتصاص كي لا تعود ايادي الاحتلال والعمالة والذل تحوّل الجمهورية الى مزرعة، هؤلاء استشهدوا لتحترق المزرعة ويبنى هيكل الجمهورية من جديد، أكثير عليهم ان نذكرهم كلما عبر بنا تاريخ دمعة ذرفناها على احدهم؟!
تربصوا في ذاك الايلول بانطوان غانم، ذاك النائب الذي رغم مواقفه الثابتة وانتمائه السياسي الواضح الى “الكتائب” و”14 آذار”، كان منفتحا على زملائه كافة، لم يوجه يوما كلمة او ملاحظة تجرح أو تسيء، انطوان غانم كان ابن الحرية، ابن الكرامة والوطن والعائلة، لكن يبدو ان هؤلاء لا مكان لهم في وطن ما زال بعض ابنائه من ابناء الاحتلال، من محبينه، من معتنقيه، رغم ما حصل ويحصل ما زال في الوطن يا استاذ انطوان من هؤلاء يعيشون بيننا ويزرعون لنا الدرب افخاخا وافخاخ، وحسبك انك صرت في الشهادة ويليق بك هذا الكم من الكرامة…
تربصوا ذاك الايلول بالشباب، بعمر الخمسين، بنهاد العابق شجاعة انتماء روحاً من روح المسيح، بطوني العشريني الذي يضج حياة والتزام، كيف يتنبأ مناضل بعمره بموته المبكر وهومطمئن الضمير “اذا متت ضميري رح يكون مرتاح ويللي بدي اعملو عملتوه” وكيف لحّق ان يفعل وهو بالكاد في الثالثة والعشرين من عمره، ماذا فعلت طوني ضو وانت في عمر مماثل؟ اتعرفون ما فعله؟ زرع روح النضال، عمر شباب كامل، حياة حلوة ما زالت في بداياتها في روح رفاقه وهو بعد على بداية الطريق، اغتالوه ولم يمت، هنا فشل القتلة ولذلك ازدادوا حقداً واجراماً.
قتلوا منا الكثير ولم يمت بعد احد منا ولا فينا، قتلوا منا الكثير وما زلنا نحيا معهم وبهم، وسنستمر، لا خيار آخر لدينا سوى ان نفعل ليموتوا هم، هدفنا ان يموتوا ليحيا لبنان، وهذا موت مشروع، لا نقتل احدا بالجسد، هدفنا ان تموت روح الشر فيهم، عمر الانتقام ذاك، ان ماتوا هم عاش الوطن، ان متنا نحن مات الوطن، ولذلك يعيش انطوان غانم وطوني ضو ونهاد الغريب وكل من استشهد معهم وقبلهم ومن بعدهم، ولذلك نحن نناضل، بالمستحيل نفعل وسنبقى نفعل فان استسلمنا، خسرنا كل تلك الارض، وراحت المواسم وصار ايلول شهر الفجيعة وليس شهر البواحير التي تفوح فيها رائحة اول شتوة، عبق المؤونة من كوارات الخير، استشهدوا صحيح وبقي لنا ايلول العابق منهم برائحة وطن ما زال يحيّك حكايته ولا بد ان تكتمل الفصول بموسم لا بديل عنه، هو المجد للبنان صدّقوا…
