Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص موقع “القوات”: “نفضة شاملة” في القصر الجمهوري… فماذا يُحضر؟

على مرّ تاريخه، شهد قصر بعبدا على محطّات مشرقة وأخرى حزينة من تاريخ لبنان الجمهورية، فهناك على هذه التلّة الهادئة القريبة من بيروت والبعيدة عن ضوضائها، ينعكس غياب الرئيس هدوءًا ضمنياً في أروقة القصر. ليست المرة الأولى التي تبقى النافورة الخارجية من دون عمل، ولا هي المرة الأولى ايضاً التي يقفل فيها الجناح الخاص برئيس الجمهورية.

فالقصر الذي وضع حجره الأساس الرئيس كميل شمعون عام 1956 لم يُدشّن إلّا في عهد الرئيس شارل الحلو الذي افتتحه في كانون الثاني عام 1969، وفي 23 أيلول من العام 1970 جرت مراسم التسلم والتسليم للمرة الاولى في القصر الجديد بين الرئيس شارل الحلو والرئيس المنتخب سليمان فرنجية، الذي اخلاه في 16 آذار 1976 بسبب الحرب اللبنانية والقصف المرّكز عليه، والتي اصابت قذائفه مكتب الرئيس ومنزله، أما الرئيس الياس سركيس الذي تسلم  الحكم في 23 ايلول عام 1976، فقد مكث أسابيع عدة في منزله حتى اكتمل ترميم ما تهدّم من قصر الجمهورية المستهدفة، واللافت أن سركيس اضطر خلال سنوات عهده، الى استحداث ملجأ موقّت تحت القصر تفادياً للقصف.

بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل أطلق الرئيس أمين الجميّل بعد تسلّمه السلطة في 23 ايلول 1982، ورشة ترميم وتحديث وتطوير للقصر في البناء والحدائق والاثاث. لكن الحرب العائدة بضراوة سنة 1983، جعلت القصر الجمهوري مرة أخرى هدفاً للنيران.

وللمرة الاولى بعد تشييده خلا القصر من رئيس للجمهورية في نهاية ولاية عهد الرئيس الجميّل في 23 ايلول 1988، فالأزمة السياسية عرقلت الانتخابات الرئاسية وانتقلت السلطة التنفيذية بمرسوم من رئيس الجمهورية، الى حكومة عسكرية إنتقالية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، الذي شغل قصر بعبدا، واعتباراً من 14 آذار 1989 قصف قصر الرئاسة الذي دمّر بشكل كبير في حربي 1989 و1990 بين القوات السورية والجيش اللبناني بقيادة العماد عون.

الرئيس رينيه معوض المنتخب في 5 تشرين الثاني 1989 بعد ايام من اقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، لم يتمكن من الوصول الى قصر بعبدا، لأنه اغتيل يوم عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1989، وخلفه الرئيس الياس الهراوي في 25 تشرين الثاني الذي اقام في ثكنة عسكرية في ابلح في البقاع، ثم في مقر رئاسي موقت في الرملة البيضاء في بيروت، وعمل على اعادة بناء قصر بعبدا واضافة بعض الاقسام عليه، واعادة تأثيثه واعطاء مدخله الرئيسي مسحة جديدة. وقد انتقل الهراوي الى القصر المرمم في تموز 1993 وبقي فيه حتى تشرين الثاني 1998 عندما سلم الاحكام والاختام الى الرئيس الجديد العماد اميل لحود.

في الرابع والعشرين من تشرين الثاني 2007 شغر كرسي الرئاسة مرة اخرى بعدما غادر الرئيس لحود قصر بعبدا في الساعة الأخيرة من نهاية ولايته من دون أن يتمكن من تسليم مقاليد الحكم الى رئيس جديد.

لكن مصابيح القصر عادت وأضيئت احتفاءً بالرئيس المنتخب الجديد العماد ميشال سليمان في 25 ايار 2008.

اليوم، بعد سنتين ونيف على الشغور الرئاسي، كيف يقضي القصر الجمهوري يومياته مع الفراغ ومَنْ يدير واحدة من أبرز وأهم مؤسسات الدولة اللبنانية؟

من الواضح أن أبواب القصر الجمهوري لا يمكن لأحد أن يقفلها… مهما اشتدت الأزمة الرئاسية وطال الفراغ.

فورشة التطوير وتفعيل عمل المديرية العامة واقسام القصر لم تسترح يوماً، وقد أُنجزت الكثير من المشاريع مواكبة لرئيس الجمهورية المقبل، الذي وإن انتخب اليوم، تكون الأجواء الإدارية كلها مُهيأة لاستقباله.

صحيح ألا رئيس للجمهورية، لكن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية التي يرأسها الدكتور أنطوان شقير، تقوم بعملها الإداري كاملاً، فهي “الذراع اليمنى” لرئاسة الجمهورية، ومؤسسة إدارية قائمة بذاتها كسائر إدارات الدولة اللبنانية، أما في حال الشغور، فلا يعود دور هذه الإدارة مرتبطاً بوجود رئيس للجمهورية إنما بكل ما ينتج عن أعمال مجلس الوزراء.

اختصاص المديرية العامة لرئاسة الجمهورية يكمن بـ”متابعة الأمور المتعلّقة برئاسة مجلس الوزراء”، فهي تدرس جدول أعماله، تعطي رأيها ببنوده، تُصدر المراسيم والقوانين، لكنها لم تعد تُقدم رأيها في ما خص جدول أعمال مجلس الوزراء الذي يصل إليها، تماماً كما يصل الى الوزارات، ويقوم كل فرع من فروع المديرية الخمسة بدرس البند المتعلّق به وإبداء الرأي به، إلا أن هذه الدراسة لا تؤثر إطلاقاً على سير عمل مجلس الوزراء والهدف الاساسي من دراسة بنود “الجدول” أرشفتها من جهة كي يكون الرئيس المقبل العتيد على دراية بالبنود والملفات التي أثيرت في ظل الشغور من جهة، ومن جهة ثانية لرفع التقرير الى رئيس الحكومة.

إذاً المديرية العامة لرئاسة الجمهورية تقوم بعملها الإداري المعتاد تماماً كما لحظ الدستور، والغائب الوحيد عن عملها هو إطلاع الرئيس، لأنه بكل بساطة، لا رئيس.

في غياب رئيس للجمهورية أيضاً، يحضر المدير العام للرئاسة أنطوان شقير جلسات مجلس الوزراء، تماماً كما كان يحضر إلى جانب الرئيس، تنفيذاً للمرسوم 2552  من النظام الداخلي لمجلس الوزراء الصادر بتاريخ 1/8/1992 والذي يشير إلى أن المدير العام لرئاسة الجمهورية يحضر جلسات مجلس الوزراء لتأمين إستمراريّة العمل المؤسساتي، إضافة الى أن رئيس الحكومة تمام سلام أصرّ على حضور شقير لجلسات مجلس الوزراء إنطلاقاً من مبدأ إستمرارية العمل الإداري في المديرية.

العمل الإداري هو شعار المديرية العامة لرئاسة الجمهورية، ترسل  المراسيم التي تُصدر بعد توقيع الوزراء عليها، إلى المديرية العامّة لرئاسة الجمهورية وتحديداً الى ديوان الرئاسة فيُرقّم المرسوم ويُعمّم على الوزارات والإدارات المعنية، الأمر نفسه ينسحب على القوانين التي تصدر من مجلس النواب فبعد توقيع الوزراء عليها، تُرسل القوانين الموقّعة إلى رئاسة الجمهورية للترقيم والتعميم.

من فراغ الرئيس تستفيد المديرية العامة لرئاسة الجمهورية لكي تكون في خلية نحل لا تستكين.  فقد قامت بعملية تأهيل وتطوير داخلي إدارياً ومعلوماتياً وتنظيمياً.

جميع النظم الإدارية بدءاً بأعمال مجلس الوزراء مروراً بتنظيم الموارد البشرية والبريد الوارد والصادر والداخلي، تمت مكننتها.

أُطلق مشروع الكتروني لحفظ وأرشفة القوانين والمراسيم منذ الإستقلال حتى اليوم، بهدف الحفاظ عليها، وهي الوحيدة في الجمهورية اللبنانية، التي تحتوي على التواقيع الأصلية لرؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومة والوزراء.

تعمل المديرية العامة لرئاسة الجمهورية اليوم على مشروع أرشيف الرؤساء السابقين، وقد تم تجميع حوالى 50 ألف وثيقة من رؤساء الجمهوريات الذين لا يزالون على قيد الحياة أو من زوجاتهم وأقاربهم ومن الإعلام الرسمي والمؤسسات العامة، هذه الوثائق تحفظ الكترونياً وتتضمن: محاضر الإنتخاب، خطابات القسم وأبرز المحطات السياسية التي سُطرت في عهد كل رئيس. والمشروع أنجز منه حتى اليوم  40 %، أما من يتولى تنفيذه فهي مديرية المراسم في القصر.

تستفيد المديرية العامة لرئاسة الجمهورية من الفراغ لتنفيذ أعمال الصيانة التي تصعب كثيراً بوجود الرئيس، أعمال تأهيل الحدائق المحيطة بالقصر والمباني أصبحت في نهايتها، أما الحرس الجمهوري فقد توسّع نطاق عمله ليشمل المناطق المحيطة بقصر بعبدا وصولاً الى تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو يقوم كذلك بمؤازرة المديرية العامّة في تنفيذ الورشة الداخلية.

الإعلام الخارجي مغُيب عن أروقة بعبدا، وهذا طبيعي في ظل الفراغ، لكن القسم الإعلامي في القصر حاضر وهو يواكب جميع المحطات السياسية ويعمد الى أرشفتها… بانتظار الرئيس.

كل هذه الورشة تنجز من ضمن ميزانية القصر الجمهوري التي تتولى وزارة المال الإشراف عليها.

إذا كان 23 أيلول قد أنتج كلاً من الرؤساء بشارة الخوري، كميل شمعون، فؤاد شهاب، شارل الحلو، سليمان فرنجية، الياس سركيس وامين الجميل، فهل يكون لأيلول 2016 وقع إيجابي على القصر الجمهوري أسوة بغيره من “أيلولات” سنوات الرئاسة؟

وبانتظار جلسة 28 أيلول، تبقى نتيجة ثابتة: فراغ رئاسي وحماوة إدارية تسابق انتخاب الرئيس.

 

Exit mobile version