سجون وساحات ــ رفيق الزين طوق: “يا عدرا شو حلو الموت”!!!

 كتبت اوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1477

الجزء الأول

تذكرون ذاك “الأشقر” الوسيم الذي لم يفارق إطار صورة للدكتور سمير جعجع طيلة سنوات كان فيها جعجع قائد المقاومة العسكرية المسيحية وصانع الحدث؟

لأنه ظله ولأنه “البادي غارد” المستفزّ بحضوره وهيبته استحق الحصّة الأكبر بالتعليق على البلانكو ووضعيات التعذيب في الدولاب والكرسي وكل انواع الذل المعنوي والنفسي المرفقة بجولات من الجلد والضرب والركل…. لم يعرف طعم الألم الا في الجولات الاولى من مراحل التعذيب، بعد ذلك صار الوجع مجرد لعبة تحدٍ ومرارة الموت رحمة يطلبها.

رفيق الزين طوق، رفيق لو سمعتم صوته يروي تجربته في الاعتقال لتأكدتم أن قول الدكتور سمير جعجع في قداس شهداء المقاومة “نحن قوم نموت واقفين” حقيقة معاشة لدى هؤلاء المقاومين.

… من بيروت الى استراليا كان اتصال ورواية عن زمن القمع والقهر والاعتقال.. هذه بعض فصولها.

أولى العِبر التي تستخلصها من حديثك مع رفيق “مش مهم اللي بيبَدّي المهم يلي بيهدّي”، ويعود ليقف على رجليه ويتابع مقاومته، هكذا هي حياة رفيق اليوم الذي يعيش حالياً في استراليا ويتولى مهمة زرع بذور القضية المسيحية اللبنانية في عقول وقلوب الشباب الذين لم يعايشوها. وعندما تسأله ممازحاً كيف تركت البلد وعلى من تركت أمن الحكيم والقضية؟ يضحك ويقول “شو مفكريني فليت وتركت القضية ورايي؟!! والله حماستن أكبر منا هون. وكان لازم خبرن كيف كنا البارودة بأيد وغصن الزيتون بايد…”.

ترك رفيق لبنان في 24 نيسان من العام 2000، كانت لديه أفكار جهادية كبيرة كما يسميها، لكن الشباب لم يتقبلوا الفكرة، فوجد نفسه يعيش فراغاً كبيراً ما دام اعتقال الدكتور سمير جعجع سيطول، اضافة الى صعوبة تحركه، فعيون الاجهزة الأمنية كانت مفتوحة عليه وحاله المادية شبه معدومة فقرّر ان يزور شقيقته المتزوجة في استراليا وهناك علق في “النفق”، الصفة التي يطلقها على استمراره في الهجرة.

التحق “الأشقر” بالقوات اللبنانية إبان حرب الجبل، لا بل الأصح انه التحق بالحكيم، وبقي معه مذاك من دير القمر الى درب السيم فالمجلس الحربي… بقي خياله ومرافقه الأمين على مدى سنوات ومعارك وانتفاضات، ويضيف “انا متلي متل غيري من الشباب، بس يمكن شكلي بيلفت النظر، كنت انا وجورج مسعود طوق عطول حد الحكيم وين ما راح. وبالحقيقة انا تعرفت عليه شخصياً بدير القمر، كنت شخص عصبي كتير، اذا مرق الطير فوقي يطير عقلي!. بتعرفي قديش غيرني الحكيم؟ غيرلي حياتي خلاني عد للمية قبل ما اتصرف، فكر كتير قبل ما احكي واعمل اي رد فعل. فيكي تقولي كأنو عالجني نفسيا. سبحان الله في ناس بيبقا عندن قدرة غير كل البشر، وانا هيك بشوف الحكيم. كان مدرسة، لا هوالحياة بكاملها. يمكن في ناس رح يقولو اني عم احكي من عاطفتي بس بالحقيقة انا عم احكي الواقع. الناس بيشوفوه من بعيد وبيحبوه يمكن لأن عندو كاريزما، بس لما يتقربو منو بيتعلمو منو كتير. رفقتي معو علمتني الصبر، الانسان بالحرب بيكون او متوتر او خايف، مع الحكيم بيتعلم القوة بالصبر…”.

يوم أدرك الدكتور سمير جعجع أن قرار توقيفه قد حسم طلب من كل شباب الحماية الخاصة به تسليم سلاحهم، كان من الصعب على رفيق أن يقبل بهذا الأمر العسكري من قائده الذي حماه بجفن العيون طيلة أعوام سيما وأنه كان يشتم رائحة المكيدة حول الدكتور جعجع ومدرك أن القرار الحقيقي ليس بتوقيفه بل بـ”تصفيته”. مع ذلك يكشف رفيق “بهيداك النهار فكرت أنو المعطيات والمعلومات اللي عند الحكيم نحنا ما منعرفها، ونفذت اللي طلبو منا لأني فهمت انو أي شب رح يعمل اي حركة انفعالية ما رح يخلو ولا واحد منا وهيك بيقتلو الحكيم. بس كتر خير الله كان في ناس بيناتنا أوعى من انو نوقع بالمصيدة. انا يومتها طلعت لبرا وقلتلن ما بخلي الحكيم يروح لوحدو. أنا مرافقو يا بروح معو… يا بروح عالموت، حاولت كب حالي من الشباك!! صرت صرّخ وسبّ… بيعرفو الكل انو اجت ستريدا وقالتلي الحكيم هيك بدو وخلص. والحكيم اذا بدو دماتي بعطيه ياهن. آخر شي سكت وصرت صلي.. المهم يضل طيب. سمعتو هو ونازل عم يقول للضابط جان سلوم “اهتموا بالشباب” بس هني اهتمو فينا كتير واخدونا كلنا حتى البنات اللي بيشتغلو بالمقر وكان معنا زلمي عمرو شي 70 سنة اخدو كمان. نزلونا على ثكنة الـ “ليسم” بأدونيس. نحنا ونازلين بالريو مدحوشين مقرفصين متل الغنم سمعتن بيقولو لبعضن “ليكو الأشقر” تعجبت بيني وبين حالي شو عامل أنا؟ اذا الله خلقني هيك هيدي تهمة؟ ولما وصلنا عالثكنة بادونيس اجا عسكري وقلي “عشنا وشفناك يا اشقر”!!. بعد التحقيق طلعوني ع وزارة الدفاع، حطوني عالحيط حد ايلي جعجع، كانو مغمضيلنا عينينا بس انا كنت عم اقشع من تحت الربطة، اجا عسكري وقلي “بدنا نفرجيك شوفة هلأ”، هالمشهد ما بنساه بحياتي، صحيح أنا مؤمن بس في محطات بحياتنا ما فينا نتخطاها ابداً. فتحو باب حديد ع أوضة مربعة وقلي “ليك سميرك”! كانو موقفين الحكيم مفرشخ عالحيط، لابس بنطلون جينز وبوط أزرق وقميص أزرق ورصاصي، موقفينو عالحيط وواحد واقف حدو. أنا شفت هالشوفة وقلت يا عدرا دخلك قديش حلو الموت!! سكرو الباب وأخدوني عالفلق، قلت الموت أحسن، صرت متل السكران صرت شبّق فين ضربت اللي ماسكني بزندي ع دقنو وما عدت عرفت شو عملت، جنيت! تجمعو عليي وصاروا ينطو فوق بعضن. دعوسوني، بس ما عدت حسيت. من بعد ما شفت الحكيم بهالشوفة ايش بدي حس؟ انا معاهدو هيك؟!!!

ما بعرف ليش كانو مركزين هالقد عليي ما انا متلي متل كل هالشباب! ويمكن آخر واحد فين.

صار معي امور بالحبس بتشيّب شعر الراس. كان الي شي 3 اسابيع بالوزارة اجت امي تتزورني هي وعمي، بتعرفي نحنا عنا كلمة بتنقال “الحبس للرجال” وامي ببراءة قالتلي “كيفك يا امي؟ لا تعتل همّ، الحبس للرجال”. قلتلا “أنا منيح يا امي” مع اني كنت منهنه من القتل بس ما فيي بيِّنلا الا إني منيح. سألت عمي وين بيي؟ قلي “جينا انا وامك ما خلينا بيك يجي، بتعرفو ما بيحمل هالشوفة” انا بعرف انو بيي لو اجا ما كان سكت، بس عمي رايق.

لمن فلّو أهلي اخدوني عالفلق، صاروا يضربو ويقولولي “ما الحبس للرجال”!!! وضلن معلقيني ع البلنكو شي ساعتين ونص. صرت صلي مع المسيح “اغفر لهم يا ابتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون”! وروحي عم تطلع”.

كل أساليب التعذيب جرّبت بـ”الأشقر” وفي أوقات استراحتهم كان ممنوعاً عليه ان ينام ويرتاح فأعطوه أوراقاً بيضاء وطلبوا منه أن يكتب قصة حياته، وكلما غفا وهو يكتب كان “عطية” الشهير يتولى ركله وضربه ليستفيق ويكمل. يتابع رفيق تقليب تلك الصفحات في ذاكرته ويروي “كان صرلي شي 4 ايام بلا اكل وبلا شرب مفرشخ عالحيط، نزلوني لعند المحقّق، قلي “ليك يا طوق بدي اسألك هلأ اذا بتقول الحقيقة رح نفلتك” قلتلو “تفضل”، قلي “شو هي الفواكه المشهورة أكتر شي عندكن ببشري”؟ قلتلو “التفاح”، قلي “انت كذاب، أدبّو يا عطية” شبقني عطية عالأرض وحط كرسي ع ضهري وصارو واحد يشدني من اجريي وواحد من راسي ليعمل جسمي قوس عالكرسي، وعطية يشد بالكرسي تيطبق صدري وينقطع نفسي. انشليت وفهمت ساعتها انو شو ما رح قول رح آكلا، فـ سكتت. فهمت انو ما بدن يانا نحنا، بدن راس الحربة، يعني راس الحكيم، نحنا والشباب كلنا كنا تغطية بس”.

بقي في سجن وزارة الدفاع نحو شهرين وكأنها عشرة أعوام، فالساعات كانت تمر دهراً والموت حلاوته زيادة أمام علقم الحياة، ومرارة العيش فريسة بين انياب الحقد والعطش للثأر والقتل وهي “الحالة” التي كانت تسيطر على السجّان وأسياده. حاولت والدة رفيق ان تتوسط لاخراجه، الا ان والده كان يرفض اي وساطة وكان يقول “اذا بيموت ابني يموت، أشرفلنا يموت بالحبس. بس ما تندق شعرة من راس سمير جعجع”.

لا شك ان مقاومة رفيق لكل أساليب الاذلال ومعاندته لكل وسائل الترويض والضغط النفسي والجسدي قد أدخلت تجربته في سياق قصص نضال أبطال “القوات اللبنانية”، فرغم رؤيته لضوء “نجوم الضهر” يلمع ومضات زرقاء لم يذعن لرغبة سجّانه. يروي أبرز لحظات المواجهة ويقول: “حطوني بالدولاب وصار يقلي واحد منن قول “سمير جعجع جحش 15 مرة تتنزل” وانا رد “ما بقول” وهو يكفي ضرب… كان الي شي 3 ايام مش آكل، بالليل كانو مغمضينلي عيني بالشقفة أكيد، صرت ازحف ت حطيت راسي بزاوية وصرت اطرق راسي بالحيط تموت وارتاح. والله الموت كان أريح. غبت عن الوعي ما عدت عرفت شو صار، تاني يوم اجو شافوا الدم نازل من راسي، خوتو! نزلوني ونضفوني ونيظوني وطعموني.. تاري يومتها ميت معن فوزي الراسي تحت التعذيب. كانوا خايفين من الاعلام من بعد ما مات فوزي بين ايدين. وانا ما عرفت انو مات الا من بعد ما ضهرت من الحبس، كانت صحتو قد 100 زلمة. قبعولو ضفير ايديه ومات ع التعذيب بالكهربا. فوزي ما رضي يجارين، ما كان يهاب حدا…

اللي عملوه فينا ما بينعمل ببشر… كتر خير الله المهم الحكيم صحتو منيحة”.

الحكيم هو المهم والأهم في كل تلك القضية والتُهم المفبركة. أدرك رفيق ذلك قبل أن يخرج من وزارة الدفاع وبعد ان وقّع على تعهد بعدم التعاطي في السياسة والابتعاد عن القوات. وقّع الورقة بالطبع وهو يقول في سرّه “نقعوها وشربو ميتها” والتحق فورا بالشباب في بيت الحكيم في يسوع الملك وكأن رحلة التعذيب والقهر والذلّ كانت اول الطريق للمعركة الجديدة، معركة البراءة والكرامة المنتهكة!.

يتبع: درب الصليب من يسوع الملك الى بشري.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل