
إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1578
ليست المرة الأولى التي تسرّب فيها معلومات عن محاولات لاغتيال رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط. فالرجل يعيش هاجس الإغتيال منذ زمن ولا تغيب عن باله صورة والده كمال جنبلاط الذي اغتاله النظام السوري في 16 آذار من العام 1977. ولكن أن تصدر المعلومات عن تحقيق قضائي مع الموقوف يوسف منير فخر وأن تبقى في إطار التعميم من دون تحديد الجهة التي قيل إنها خططت لذلك فتلك مسألة أخرى، خصوصاً أن هذه المعلومات التي تضمنها القرار الذي أصدره قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا بقيت مبهمة ومبنية على معلومات عامة وتحتاج إلى التوضيح قبل أن يتم تبنيها وكأنها حقيقة.
من الأساس وليد جنبلاط مهدد. في 14 شباط 2005 كان يمكن أن يكون هو “الشهيد” بدل الرئيس رفيق الحريري. رئيس النظام السوري كان أبلغ تهديداته مباشرة إلى الرئيس الحريري في اللقاء الذي حصل بينهما قبل قرار التمديد للرئيس الأسبق للجمهورية إميل لحود عندما قال له إنه مستعد ليكسر لبنان على رأسه وعلى رأس وليد جنبلاط. على أثر هذا اللقاء عاد الحريري إلى بيروت ليلتقي بعض المقربين منه في منزله في قريطم وينقل إليهم ما دار بينه وبين الأسد وليتلقى بعد ذلك نصيحة من جنبلاط بالسير في التمديد. هذه المعلومات لم تكن وليدة ذلك اللقاء. كل الأجواء الدولية كانت تشير إلى هذا الخطر. جاك شيراك الرئيس الفرنسي والرئيس الأميركي جورج بوش كانت لديهما معلومات ويقال إنهما طمأنا الرئيس الحريري بأن الأسد لن يجرؤ على تنفيذ تهديده. ناظر تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن كانت لديه معلومات أبلغها أيضاً إلى الحريري وجنبلاط ولكن الحذر لم يلغ القدر. سار جنبلاط في جنازة رفيق الحريري وبقي ينتظر اللحظة التي تأتي فيها ساعته.
في أحداث 7 أيار 2008 كان يمكن أن يقتل وليد جنبلاط. كان محاصراً في منزله في كليمنصو والرئيس سعد الحريري كذلك في قريطم. وكان قصر المختارة مهدداً أيضاً من خلال هجوم أعد له “حزب الله” عبر جبال الباروك. انتهت العملية بالتسليم بما يريده الحزب وبإعلان جنبلاط خروجه من 14 آذار في آب 2009 واختياره تسمية الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة خلفاً لحكومة الرئيس سعد الحريري التي أتت نتيجة لتفاهم الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.
ثمة رواية غير مقنعة في التحقيق مع يوسف منير فخر “الكاوبوي” حول اغتيال وليد جنبلاط. “كان فخر المسؤول العسكري للحزب التقدمي الإشتراكي في منطقة راس بيروت خلال فترة الحرب الأهلية وكان بأمرته نحو 200 عنصر وغادر لبنان عام 1987 إلى الولايات المتحدة الأميركية وتزوج هناك من سيدة أميركية ودام زواجه ثلاث سنوات حصل خلالها على الإقامة الدائمة ومن ثم على الجنسية الأميركية، وتزوج مرة ثانية عام 1988 من اللبنانية ليليان الجوهري ورزق منها ثلاثة أولاد واستمرت إقامته في الولايات المتحدة 24 عاماً من دون زيارة لبنان كونه كان مطلوباً من المخابرات السورية في تلك المرحلة”. هذا ما ورد في القرار الظني الذي أصدره القاضي أبو غيدا. صحيح أن “الكاوبوي” كان مسؤولاً عسكرياً في الحزب التقدمي الإشتراكي وأنه غادر لبنان في العام 1987. لم يغادر الكاوبوي وحده وقتها. نتيجة حرب شباط 1987 بين الحزب التقدمي الإشتراكي والحزب الشيوعي اللبناني برئاسة جورج حاوي وبين حركة “أمل” عاد جيش الإحتلال السوري إلى بيروت في 27 شباط من ذلك العام. كان وليد جنبلاط موضوعاً في خانة العداء لسوريا ومتهماً بالتنسيق مع رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات واعتبرت سوريا أن حربه في بيروت كانت لفك الطوق الذي كانت تفرضه على المخيمات الفلسطينية وإعادة وصلها ببيروت الغربية. عندما ذهب وليد جنبلاط مع حاوي إلى سوريا لمقابلة وزير الخارجية عبد الحليم خدام كان عليهما أن ينتظرا طويلاً أمام مكتبه قبل أن يقرراستقبالهما وتوبيخهما.
في تلك المرحلة كان ترحيل بعض المسؤولين العسكريين في الحزب التقدمي الإشتراكي في بيروت مسألة طبيعية. غادر “الكاوبوي” وغيره. هذا الحل كان لحمايته فعلياً من المخابرات السورية وكان من الطبيعي أن يبقى هناك. ولكن عودته الأولى إلى لبنان في العام 2011 كما ورد في التحقيق لم تكن فقط نتيجة سقوط عامل الخوف من المخابرات السورية التي كانت خرجت من بيروت في نيسان 2005.
تردد “الكاوبوي” إلى لبنان أكثر من مرة بعد العام 2011. ولكنه بعد مجيئه في 18 تموز 2016 استدعي إلى التحقيق معه في 1 آب بعدما توافرت معلومات لدى جهاز الأمن العام اللبناني عن تواصله “مع شخص مقيم في إسرائيل ومقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) ويدعى مندي الصفدي وأن هدف تواصله هذا، التشاور لدعم المجموعات الإرهابية في سوريا وتجنيد عملاء لصالح الموساد الإسرائيلي” كما ورد أيضاً في القرار الظني.
عند هذا الحد لم يكن هناك أي إشارة تذكر حول خطة لاغتيال وليد جنبلاط. القرار الظني. تحت عنوان “الإفادة الأولى: اغتيال وليد جنبلاط قبل شهر تشرين الثاني” يورد القرار أن ” المدعى عليه يوسف فخر أدلى بأن علاقة صداقة قديمة نشأت بينه وبين عنصر في المخابرات السورية مهند موسى أثناء الوجود السوري في لبنان، وهذا الأخير كان مقرباً جداً من رئيس جهاز الأمن والاستطلاع غازي كنعان.
ومنذ حوالى خمسة أشهر تواصل معه عبر الفايسبوك، وتحدثا عن الأحداث في سوريا، وأهم ما ورد في محادثتهما الأمور التالية:
1 ـ أخبره مهند أنه على علاقة طيبة مع مضر وريبال رفعت الأسد، وان ريبال مقيم خارج سوريا وعلاقاته جيدة مع الأميركيين وسيكون له دور في سوريا، وأن بشار الأسد لن يبقى في السلطة.
أما مضر فهو في سوريا ومقرّب من الرئيس السوري، وبالتالي نصح مهند يوسف فخر بتأسيس لعلاقة مع الاثنين، ويكون من الرابحين بأي تطور في سوريا.
2 ـ كما أبلغه صراحة بأن وليد جنبلاط لن يبقى على قيد الحياة، وسيتم اغتياله قبل شهر تشرين الثاني من العام 2016، ويمكن قبل هذا التاريخ، وعلّق المدعى عليه بالقول: “بدكن تروّحوا، روّحوا”. وأمام قاضي التحقيق، أضاف ان مهند أكد له ان السوريين غير راضين عن وليد جنبلاط، والروس تخلّوا عنه.
وعن دوره بعملية الاغتيال نفى تكليفه بأي دور بهذا الخصوص.
عندئذ تمت مواجهته بالرسائل الإلكترونية مع مهند موسى وقوله بإحداها:
“إنه يوماً ما سيأخذ بالثأر للذين كانوا السبب بخروجه من لبنان وبقائه 30 عاماً في الخارج” وسئل مَن يقصد بذلك؟
فأجاب: “ان هذه الرسالة صحيحة وقصدت فيها وليد جنبلاط والأشخاص التابعين له ومن بينهم نشأت أبو كروم”.
عند هذا الحد تنتهي “رواية” إغتيال وليد جنبلاط من دون أي إضافات أو توضيحات. وما يدور فيها يمكن أن يكون مجرد تبادل أحاديث عادية بين أي شخصين. فمن هو مهند؟ وهل تعرف إليه الكاوبوي في مرحلة ما قبل العام 1987 قبل خروجه من لبنان؟ ولماذا استعاد التواصل معه عبر الفايسبوك قبل خمسة أشهر؟ وهل لا يزال مهند في المخابرات السورية؟ وهل تكفي إشارة مهند إلى أن جنبلاط لن يبقى على قيد الحياة وسيتم اغتياله قبل تشرين الثاني وأن السوريين غير راضين عنه وأن الروس تخلوا عنه للحديث عن خطة لاغتيال جنبلاط؟ وهل يكفي ما قاله الكاوبوي “بدكم تروّحوه روّحوه” ليتهم في هذه القضية؟
اللافت في الموضوع أنه في 19 آب الماضي، أي قبل ثلاثة أيام من توقيف “الكاوبوي” وجاهياً، نشرت معلومات منسوبة إلى أجهزة أمنية لبنانية وفيها “أن قيادة العمليات الخارجية في تنظيم “داعش” في الرقة أصدرت أمراً إلى مجموعات تعمل في لبنان بوجوب تركيز العمل على استهداف مناطق تقطنها غالبية مسيحية إضافة إلى مناطق يسكنها أبناء الطائفة الدرزية واستهداف النواب والسياسيين الدروز وعلى رأسهم النائب وليد جنبلاط”. فهل من رابط بين تهديد منسوب إلى “داعش” وما ورد في القرار الظني؟ وهل النظام السوري و”داعش” يعملان معاً لاغتيال وليد جنبلاط؟
القرار الظني يربط أيضاً بين “الكاوبوي” والمدعو مندي الصفدي الذي يعمل في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أجل دعم المعارضة السورية في المناطق الدرزية داخل سوريا. واللافت في هذا الموضوع أيضاً أنه في 16 تموز 2015 نشرت جريدة “الأخبار” اللبنانية ما سمته “إسرائيل ــ ليكس: وثائق ضابط الارتباط الإسرائيلي مع المعارضة السورية” قالت إنها تمت قرصنتها عن الكومبيوتر الشخصي لمندي الصفدي ومن ضمنها رسائل وجهها الى وليد جنبلاط بالإضافة إلى معلومات أخرى. فهل كان هذا التسريب من أجل إحاطة وليد جنبلاط بنوع من الإتهامات بالإتصال بالعدو الإسرائيلي تحت عنوان دعم الثورة في سوريا؟ كما أن وثائق الصفدي تضمنت معلومات عن المدعو ناجي النجار اللبناني المقيم في أميركا الذي يتواصل أيضاً مع الصفدي وورد اسمه في القرار الظني في قضية “الكاوبوي” على أساس أنه هو من عرّفه إلى الصفدي.
على ضوء كل هذه الوقائع ربما يحتاج القرار الظني في إشارته إلى اغتيال وليد جنبلاط إلى توضيح وربما يحتاج أكثر إلى توضيحات من وليد جنبلاط. هل صدَّق القرار الظني؟ وهل يصدِّق عليه؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]