.jpg)
لم أجد ردا على هذا الكلام المسيء بحق الموارنة وتجربتهم التاريخية ودورهم سوى ما أعلنه رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع في قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” لجهة إعادة تذكيره بجوهر الأزمة اللبنانية المتصلة “بتغييب “حزب الله” للدولة اللبنانية ومصادرة قرارها الاستراتيجي وتحويلها إلى مجرد سلطة محلية”، مؤكدا ان “الهدف الأول قبل الإنتخابات الرئاسية وبعدها، وفي كل الأوقات، وبأفضلية على كل الأهداف المتبقية، هو أن نتخلّص من هذا العطب الاستراتيجي حتى تعود الدولة دولة، وليعود لبنان وطناً فعلياً لكل ابنائه”.
وانطلاقا من كلام جعجع نسجل الآتي:
أولا، الخلل البنيوي في المعادلة أعلاه، اي “الموارنة يستخدمون عضلات الشيعة لانتزاع ما أخذه السنة”، يكمن في ان أصحابها اعتادوا على ما أطلق عليه جعجع ممارسة السلطة المحلية منذ زمن الاحتلال السوري إلى اليوم، ويتوهمون ان طموح الموارنة انتزاع هذه السلطة الوهمية منهم، فيما السلطة الفعلية بين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٥ كانت بيد النظام السوري، ومنذ العام ٢٠٠٥ إلى اليوم بيد “حزب الله”.
فالخطأ في هذه المعادلة ان الطائفة السنية لم تأخذ شيئا ليكون هدف الموارنة “استخدام عضلات الشيعة لانتزاع ما أخذه السنة”، لأن من أخذ هو النظام السوري وأخيرا “حزب الله”، ومن الظلم تثبيت هذه التهمة على السنة التي حاول بعض الموارنة رميها عليهم بانهم يستأثرون بالقرار والنفوذ والصلاحيات، فيما لا نفوذ ولا قرار ولا صلاحيات خارج دمشق في المرحلة الأولى والضاحية الجنوبية في هذه المرحلة، وبالتالي المطلوب ان يتوحد العضل اللبناني لاستعادة القرار اللبناني.
ثانيا، القاصي يعرف والداني أيضاً ان كل طموح النظام السوري كان إقناع الموارنة باستخدام عضلاته ضد المسلمين تحقيقا لمعادلة لاستقواء بالخارج على الداخل، ولم تعتقل وتستبعد وتحارب القيادات المارونية إلا نتيجة رفضها لهذه المعادلة لسببين: لأنها لا تقبل ان تكون شاهد زور وأداة لنظام احتلال تمارس بحدود ما يحدده هذا النظام وليس الدستور اللبناني. والسبب الثاني لأن الفكرة اللبنانية التي هي مارونية بالأساس لا تقوم على مشروع غلبة كون مصير كل مشاريع الغلبة الحرب الأهلية.
فالمواجهة التي خاضها الموارنة في زمن الاحتلال السوري لم تكن ضد السنة او الشيعة او الدروز بحجة تعاونهم مع المحتل، إنما خيضت ضد النظام السوري وكل هدفها كان تحويل المواجهة المسيحية-الوطنية إلى مواجهة مسيحية-إسلامية، الأمر الذي تحقق في ١٤ آذار ٢٠٠٥.
ثالثا، الأزمة اللبنانية بدأت عندما توهم البعض ان باستخدامه عضلات “ابو عمار” سيتمكن من الإمساك بالقرار اللبناني، فأدخل لبنان في أزمات ارتدت عليه ولم تنته فصولا بعد.
رابعا، استخدم الموارنة عقلهم لإنشاء تجربة فريدة من نوعها لهم ولغيرهم، ولكن عندما جاء من يريد تهديم هذه التجربة استخدموا عضلاتهم لا عضلات غيرهم كما فعل غيرهم، فالموارنة يحملون الإنجيل في يد، اي السلام والمحبة، والبارودة في اليد الأخرى تحقيقا للسلام.
خامسا، لا يحق لأي كان المزايدة على “القوات اللبنانية في مواجهة “حزب الله” خصوصا ممن كل فلسفته قائمة على المساومات والتنازلات والاستسلام بحجج فضفاضة وعناوين كبرى، والأمثلة أكثر من ان تعد وتحصى، ولا نشك لحظة واحدة ان هذا الفريق لديه الجهوزية الدائمة لإبرام صفقة مع “حزب الله” وهو ينتظر فقط إشارة من الحزب.
سادسا، ترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون لا يعني التطابق معه في الخيارات الوطنية، وعلى رغم ان هذا الترشيح حصل على أساس برنامج سياسي “النقاط العشر”، الأمر الذي لم يحصل بين “المستقبل” والنائب سليمان فرنجية، إلا ان الخلاف في النظرة إلى “حزب الله” ودوره لم ولن تتبدل، ومن ثم لا يحق لمن رشح فرنجية وكان يسعى لترشيح عون المزايدة على “القوات”، كما لا يحق لمن أوصل المسار الرئاسي إلى ما وصل إليه نتيجة سعيه إلى هدفه الدائم، اي السلطة، المزايدة على “القوات” التي أدى ترشيحها لعون إلى فرطعة ٨ آذار وإثبات ان الحزب لا يريد عون في “بعبدا”.
سابعا، أثبتت التجربة اللبنانية انه في اللحظة التي تختل فيها الشراكة تنتهك السيادة، وفي اللحظة التي تنتهك فيها السيادة تختل الشراكة، وبالتالي الحل الوحيد هو في المزاوجة بين شراكة فعلية وسيادة نهائية.
ثامنا، هدف الموارنة الأول والأخير إنجاح التجربة اللبنانية التي يتوقف نجاحها على اتفاق كل اللبنانيين على سيادة لبنان واستقلاله ودوره وقراره الممسوك فقط من قبل الدولة التي تتمثل فيها كل المكونات اللبنانية على قاعدة الشراكة والمساواة، كما شرط نجاح هذه التجربة اتفاق كل اللبنانيين على هموم واحدة وأحلام واحدة وحرص مشترك على قيام دولة تحترم الإنسان اللبناني وتجسد تطلعاته… وللبحث صلة.