#adsense

الأكثر تمثيلا بين الدستور والعرف والتجربة

حجم الخط

تصرف شريحة من اللبنانيين جهدا وافرا لنسف مبدأ ان رئاسة الجمهورية يجب أن تؤول إلى الأكثر تمثيلا بين المسيحيين، وكل هدفها، بطبيعة الحال، إبعاد الأكثر تمثيلا وتكريس العرف الذي أرساه نظام الاحتلال السوري بإيصال الرئيس الذي تفصل بينه وبين بيئته هوة كبيرة.

وتحاول هذه الشريحة، تعزيزا لفكرتها، الاستناد إلى تجربة ما قبل اتفاق الطائف للقول بان ما لم يتحقق في ذروة المارونية السياسية لماذا يفترض ان يتحقق اليوم؟ وتعتبر الشريحة نفسها ان معركة الأكثر تمثيلا مخالفة للدستور وترمي إلى فرض عرف جديد مناقض للتجربة اللبنانية.

ولكن هذه التجربة التي تدعي هذه الشريحة حرصها على تثبيتها وانجاحها لا علاقة لها بالتجربة اللبنانية الأصيلة، إنما تسعى إلى تزوير هذه التجربة وادعاء أبوة فكرة تضع كل جهدها للانقلاب عليها. ولكن لا بأس من التوقف أو الإشارة إلى بعض المحطات:

أولا، تكليف رؤساء الحكومات كان منوطا في الجمهورية الأولى برئيس الجمهورية، وعلى رغم ذلك اتى التكليف دوما منسجما مع الإرادة السنية باختيار شخصية من العائلات التقليدية المعروفة على غرار آل سلام وآل الصلح وآل كرامي، وفي حال خرج التكليف عن السياق التقليدي كانت ممارسة المكلف تتطابق مع ممارسة الزعامات التقليدية على قاعدة ارضاء بيئته وشارعه والعمق العربي وإلا كان مصيره الرحيل والعجز عن التشكيل على غرار الرئيس امين الحافظ، او الرئيس سامي الصلح الذي أنهى حياته السياسية بسبب وقوفه إلى جانب الرئيس كميل شمعون في العام ١٩٥٨ ضد المد الشعبي الناصري، الأمر الذي شكل درسا لكل رؤساء الوزراء بان خروجهم عن تطلعات بيئتهم يؤدي إلى إخراجهم من الحياة السياسية.

ثانيا، ما ينطبق على السنة ينسحب على الشيعة، إذ على رغم تحكم المارونية السياسية بالأكثرية النيابية احترمت دوما الإرادة الشعبية الشيعية بإيصال زعاماتها التقليدية من آل الأسعد وآل حمادة وآل عسيران وصولا إلى الانفتاح على القيادة الشيعية الجديدة التي جسدها الإمام موسى الصدر والخط السياسي الذي مثّله من الرئيس حسين الحسيني وصولا إلى الرئيس نبيه بري.

ثالثا، أحد أسباب ثورة العام ١٩٥٨ يتصل بنتائج انتخابات العام ١٩٥٧ التي تخلّص عبرها الرئيس كميل شمعون من خصومه الأساسيين مثل كمال جنبلاط وصائب سلام وعبدالله اليافي وأحمد الأسعد، وعلى رغم ان إسقاطهم تم عن طريق تقسيم الدوائر الانتخابية، إلا ان هذه النتيجة ولّدت نقمة كبرى مهدت لثورة ٥٨، ما يعني ان المس بالحيثيات التمثيلية لبيئتها يقود إلى الحرب الأهلية.

رابعا، ما ينطبق مسيحيا على ما قبل “الطائف” لا ينسحب على ما بعده لجهة ترك الموارنة اللعبة السياسية تأخذ مداها انطلاقا من الفكرة التي أسقطتها الوقائع لاحقا وهي ان امتيازاتهم تشكل الضمانة لهم بمعزل عن شخصية الرئيس، فضلا عن اعتبار نفسهم “ام الصبي”، الأمر الذي كان يجعلهم يبدون التسوية على اي اعتبار آخر حرصا على استمرار النظام السياسي الذي ساهموا بإرساء قواعده، اي التعامل مع الأحداث ببراغماتية، ومن دون إسقاط عامل التعددية داخل البيئة المسيحية.

ولكن تجربة ما بعد الطائف كانت كارثية بالنسبة إليهم بفعل ضرب النظام السوري قياداتهم التمثيلية وإضعاف حضورهم داخل النظام السياسي وعدم مبادرة الإسلام السياسي بعد الانسحاب السوري إلى تصحيح الخلل.

خامسا، المسيحيون لا ينشدون سوى المساواة مع غيرهم، بمعنى هل يمكن الإتيان برئيس لمجلس النواب من خارج الثنائية الحزبية الشيعية؟ وهل يمكن الإتيان برئيس حكومة خارج إرادة الحريرية السياسية؟ وهل تجربة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية هي تجربة صحية يجب تعميمها ام مجرد استثناء؟ وهل تكليف سلام جاء بإرادة الضاحية ام بيت الوسط؟

سادسا، القاعدة المثلى التي يجب على الموارنة والسنة والشيعة اعتمادها تكمن بانتخاب او تكليف الرئيس الذي يمثل بيئته ويكون مقبولا من الطوائف الأخرى، ومعيار التمثيل يكون إما من خلال إيصال الشخصية الأكثر تمثيلا او اتفاق القيادات التمثيلية على شخصية معينة، ولكن من غير المقبول إطلاقا تجاهل البعد التمثيلي بما يهدد الشراكة ويولد احتقانا يقود بالحد الأدنى الى عدم استقرار سياسي وبالحد الأقصى الى حرب أهلية.

سابعا، فلسفة التجربة اللبنانية قائمة على بعدين: سيادة وشراكة، ولن تنتظم الحياة السياسية في حال استمرت السيادة منتهكة والشراكة غير محترمة.

ويبقى الأمل ان تركز هذه الشريحة على بيئتها وواقعها السياسي بدلا من التلهي بنظريات سعيا لأدوار وهمية، لأن الدور الفعلي يتحقق في اللحظة التي تستعاد فيها السيادة والشراكة وتشعر كل جماعة بانها غير مستهدفة بوجودها وحضورها ودورها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل