
كتب الإعلامي والزميل بسّام برّاك عبر صفحته على موقع “facebook” بمناسبة مررو 11 عاماً على محاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق:
كنتِ تنهالين على الارض بقدمِك اليسرى حين إلتقيتُك يومَ الأحد تغادرين المؤسسة اللبنانيّة للإرسال بعد حلقتِك الصباحيّة. تابعتُ أناقتَكِ العاليةَ وأنا أتوجّه إلى المدخل، القيتً عليكِ التحيّة بعدما استقللتِ سيارتك في آخرِ مشيةٍ متوازنةٍ لك. غادرتِ الى دير مار شربل ولا تزالين في عينيّ أميرة زهريّة…. وبعد أربع ِساعات شوّكوا زهرتك! كان الخبر: ميّ…!
يكفي ان اسمَك ذُكر حتى تحوّلت غرفة الأخبار في الـ(ال بي سي) من ورشةِ صحافة الى ورشة حزن ومعقلِ غضب، ومن كتابة الخبر الى نزف الحكايةِ على الورق.
لحظةَ علمنا ان ساقَكِ بُترت أصابَنا الوهَن فمشينا ولم نمشِ، وفي المستشفى إفترشنا الارض كي نشعرَ بأننا نشبهك، وكي لا تشعري انتِ بأنك لا تشبهيننا. حاولنا أن نخففَ من مشيتِنا ووقع أقدامنا، وبدأنا نريح يدَنا اليسرى من حركتها حين علِمنا بأنها لم تعد تتنفسُ في جسمك، وشكرنا الله أن غالبَنا يكتب باليدِ اليُمنى ، فصرنا نشبهك مرة أخرى.
نعم مي، أنت أوّلُ جرحٍ ينتابنا في صميم الشاشة،. سألتِ: لماذا أنا؟ لأنك جميلة “مي” وهم بشعون. لأنك أميرة أنيقة وهم ملوّثون. لأنك تتلهّفين لنقل عرس التحرير الى الناس من الشاشة وهم يتشوّقون لينقلوا مراسمَ اغتيالكِ عبر الشاشة.
بتروا يدَك ميّ، جلعوها صدًى لما كان يهتزّ فيك مع كل قراءة جريدة وتقليب ورقة. تركوا لكِ منها ما يذكركِ بأنها كانت هنا. بتروا قدمَكِ، صيّروها ذاكرةَ دعساتٍ قادتك الى طموحك الإعلاميّ لعشرين سنة.
ميّ، أشفقي عليهم، فهم لديهم أقدام تعوي لا رؤوس تفكر، وأيادٍ تَصلُب لا أياد تُصَلّب، وأصوات تهرب لا أصوات تهتف.
أعرف انك في وحدتك أمسيتِ هيكلاً لجراحك، وأنّ بعد إزدحام الوجوه من حولك صرتِ وجهاً لوجهٍ معكِ وحدك. أنك مدَدتِ مرّاتٍ يدك اليسرى سهوا لتأخذي جريدة، أو همَمتِ للوقوف على رجلك اليُسرى عَرَضاً لتستعجلي خبراً. أعرف انك أحياناً التقطتِ اللاشيء، و أحايينَ مشيتِ في الفراغ.
ميّ… ماذا أفعل أنا؟ أأُواسيك أم أواسيني؟ أأطلب لكِ أم أطلب لي، وقد دفعتِ عن زملائكِ الثمن حتى آخرِ آخِك فلم يعد بمستطاعِك أن تتوجّعي؟
أشعر بأنني أرتكب خطيئة لا تُغتفر فأنا بيديّ الاثنيتين أحتضن هذا المقال، وبقدميّ الاثنتين سأذهب غدا الى عملي.
منذِ خسرتِ أطرافَك أمسيتُ أشلاء أفكار، وأوصالَ أشلاء. صرتُ ذاكرة لغد تجيء إليّ ببقاياي. بتّ أتحسّس يدي اليسرى فيجتاحني أوّلُ ظلِّها، وأنتقل على قدمي اليسرى فألمس أنني أدوسُ آخرَ الفراغ.
والآن، أخبرينا ميّ هل بنيتِ من تضحياتِك ليدِك يدا أم شيّدتِ على مدى أحدَ عشرَ أيلولا في جسمِك قدمًا؟ أخبريني : هل بعد الخيباتِ الوطنيّة المتتاليّة لا يزال لبنان يستحقُّ دماءكِ وبترَ حاضرِكِ عن غدكِ مرّتين؟