#adsense

هدنة الوقت الضائع في سوريا.. إجازة للإطعام أم للإنتقام؟!

حجم الخط

فشل مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، في إخراج “فيلم” الهدنة في سوريا، بين القوى العسكرية المتقاتلة فوق الساحة السورية؛ ما زاد حدة المواجهات لتحقيق المكتسبات؛ وبالتالي رُفِع منسوب الآلام لدى الشعب السوري، وسط تخبُّط زعيمي فريقّي النزاع: روسيا والولايات المتحدة الأميركية. فماذا حققت الهدنة في هذا الوقت الضائع من الدبلوماسية الأميركية؟

 بعد أن انتهت فترة الهدنة، التي لم تبدأ أصلاً في سوريا، ارتكب سلاح الجو السوري جريمة إنسانية كبرى، عندما دمًّر وأحرق شاحنات المساعدات قبل وصولها إلى مشارف مدينة حلب، وهي تحمل بعض المؤن إلى المواطنين المحاصرين داخل المدينة؛ وأسقط فيها قتلى، بينهم عناصر من الهلال الأحمر والصليب الأحمر. إنها جريمة موصوفة، تُضاف إلى آلاف الجرائم التي ارتكبها النظام بحقِّ الإنسانية في سوريا.

في سوريا، الكُلُّ يتشاطر على الكُلّ، خصوصاً ضمن فريق الصف الواحد. إذ لكُلٍّ من القوى المتعاونة مع النظام، أجندتها الخاصة التي قد تتعارض مع أجندات حلفائها. فالفريق الروسي الذي يقود هذه المجموعة يستعجل الهدنة تمهيداً للبحث عن حلٍّ للأزمة السورية في ظِلِّ أفول عهد أوباما الضعيف أصلاً. وفريق النظام لا يعترف أصلاً بوجود معارضة فوق الأرض السورية خارج منظومة الإرهاب التي نسج شبكتها خيطاً خيطاً. والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تستعجل الحلّ، ولكنها تدعم النظام في تجاوزاته خلال فترة البحث في الهدنة، لتحقيق مكاسب للنظام بمنافع مشتركة للحليفين، ولتخفيف الإرتهان للدور الروسي الذي بات يأكل من “صحن” الجميع في سوريا؛ بينما لايتعدى دور “حزب الله”، تنفيذ الأوامر الإيرانية دون تردُّدٍ أو تذمُّر. إنها الأهداف المتناقضة حتى داخل الفريق الواحد؛ نظراً لتشعُّب العاملين فوق الأرض السورية، وتنوُّع جنسياتهم وتضارب مصالحهم.

فالنظام السوري أعفى نفسه سلفاً من التقيُّد بالهدنة التي لم تبدأ ولم تتحقق عندما قال رئيسه: لا يوجد هدنة بين النظام والإرهابيين. فكل القوى التي تعارض النظام، هي برأيه إرهابية؛ حتى ولو لم تحمل السلاح، مروراً بالطفل حمزه الخطيب والمساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة للمواطنين المحاصرين في حلب. لذلك، ما أن باشر دي ميستورا البحث عن هدنة في سوريا، حتى رأينا النظام يزيد من وتيرة هجماته الجوية ضد مقاتلي المعارضة، وينشط في صناعة اختراعاته المذهلة أي براميل المتفجرات، وإلقائها على الأحياء السكنية فوق رؤوس المواطنين العُزّل، ويقطع طرق الإمدادات بالمؤن عن المواطنين المحاصرين…. كيف لا وكل هؤلاء المواطنين ” المكدسين” خلف خطوط الإشتباكات إرهابيون. فالنظام يُسًوّق معادلات لا تخضع لأي منطق؛ فالذي يقتل المدنيين بالطائرة ليس إرهابياً بنظره والذي يقتل الأبرياء ببراميل المتفجرات ليس إرهابياً أيضاً؛ والذي يتسبب بقتل نصف مليون مواطن من شعبه ليس إرهابياً؛ والحاكم الذي يشرد ملايين المواطنين ويتسبب لهم بالمجاعة والذل والتسكُّع على أبواب أوروبا ليس إرهابياً…. كذلك يُدخِلُ النظام مفاهيم عسكرية جديدة على المنطق العسكري، عندما يبرر الإستعانة بميليشيات غريبة ملونة مذهبياً لقتل شعبه ثم يفاخر بالقول أن هذه الميليشيا تساعده على قتل الإرهابيين (أي شعبه). ومن يطلب دعم الحرس الثوري الإيراني ومرتزقة الفاطميين الباكستانيين والزينبيين الأفغان لتهجير ملايين السوريين، واقتلاعهم من أرضهم هو ليس إرهابياً؟! إنه المنطق الخاص بالحكام الطغاة، الذين يستبيحون كل المحرمات وحقوق الإنسان، ويعتبرون قتل الأبرياء حقاً وطنياً يمارسونه ضد الإنتهازيين الذين “يعملون” للخارج. إنه الوقت الضائع في الحرب السورية، بحيث يحاول النظام المفلس جاهداً، استحداث وقائع جديدة على الأرض تخدم مصلحته، ويفرض من خلالها شروطه وأجندته على الباحثين في جنيف عن حلٍّ لسوريا، وعلى رأس هؤلاء واشنطن وموسكو.

موسكو تطلب من واشنطن تحديد المنظمات الإرهابية داخل المعارضات السورية؛ وكأن الحشد الشعبي الإيراني والميليشيات التابعة له… كلها جيوش سويسرية تستحرم قتل نملة، قدمت من لوزان لدعم النظام. وكأن المعارضات السورية هي أجهزة دولية رسمية. بينما هذه المعارضات تتبادل وتتشارك وتتعارض الأدوار بين ليلة وضحاها. ولماذا الفصل بينها ما دامت طائرات النظام تستهدف كل المعارضات دون تمييز؛ إذ تعتبرها كلها إرهابية ومعها هؤلاء المدنيين الأبرياء. كما تطلب موسكو من واشنطن رسم حدود جغرافية فاصلة بين المعارضات؛ ومن ثم بين هذه المعارضات والنظام؛ وكأن هذه المعارضات، باستثناء الفصيل الكردي، تستحدث دولاً وترسم حدوداً لهذه الدول؛ لا بل إنها بذلك تقول: “كل ما هو خارج عن قبضة النظام العسكرية هو حتماً إرهابي ويجب قتله أو تدميره”. فمن يستطيع الفصل على الأرض بين المناطق المعتدلة، والمناطق الخاضعة لسيطرة “داعش” و “جبهة فتح الشام” (النصرة سابقاً)؟ وإذا نامت مثلاً “جبهة فتح الشام” مساء على إسمها الحقيقي، واستيقظت في اليوم التالي معتمدة على تسمية جديدة معارضة ومعتدلة، فهل تتبدل الوقائع على الأرض؟ أم أن دافع ذلك كله التعجيز من قبل النظام،لاستباحة كل شيء يقع خارج سيطرة جيشه وحلفائه؟!!

لم يسمح النظام، طيلة فترة البحث في تطبيق الهدنة، بدخول المساعدات إلى المواطنين المحاصرين كما نصًّ الإتفاق، بذرائع عدة خبرها اللبنانيون على مدى عقود؛ وحتى اليوم لا تزال معظم القوافل المحملة بهذه المساعدات، مسمرة وراء الحدود التركية تنتظر تزويدها بالتصاريح القانونية، للدخول إلى سوريا ومن ثم حلب. حتى أن دي ميستورا نفسه أعرب عن استيائه من هذه المماطلات، واتهم النظام بعرقلة وصولها، برفضه تزويدها بالتصاريح، حتى الشاحنات القليلة التي وصلت إلى مشارف مدينة حلب قصفها وأحرقها. وكأن النظام بهذه الممارسات يريد قتل السوريين بالجوع وبالجملة ليشفي غليله، بعد أن عجز عن قتلهم جميعاً بالبراميل المتفجرة، وذلك بمواد فقدت صلاحياتها بعد أن طال انتظارها في شاحنات تحت شمس حارقة في تركيا. إنها فنون الإجرام التي يتقنها الطغاة الظالمون؛ وقد خبرها اللبنانيون مع هذا النظام لسنوات عديدة.وها هو النظام يكلل هذه الممارسات بعد انتهاء الهدنة،التي لم تبدأ ًأصلاً، بقصف متعمد لشاحنات المساعدات التي تنتظر بين حدود تركيا وسوريا، كما قصف سيارات الهلال الأحمر التي تحمل بعض المساعدات للمواطنين المحاصرين. بينما يتلهى لافروف وكيري، بفظاظة في نيويورك، في البحث عن تمديد لمفعول الهدنة، أي إجازة القتل بالمعنى الحقيقي للكلمة.

حلُّ المسألة السورية اليوم، هو بيد اثنين: واشنطن وموسكو. فبوتين يستعجل الحلًّ لسببين: الأول إن يده تُكوى في النار السورية؛ لأن الأعمال العسكرية باتت تشكل عبئاً إقتصادياً على بلاده. أما السبب الثاني فهو أنه يحاول استغلال الإنكفاء الأميركي، باختطاف اتفاق مع أميركا في نهاية عهد أوباما الضعيف، وانتزاع اتفاق يمنحه مكتسبات جوهرية في النظام السوري الجديد المتوقع حتماً بعد رحيل الأسد. وحتى أوباما، ومع رغبته في تحقيق إنجازٍ في سوريا لناحية تغيير النظام، إلاّ أنه غير مستعد لمنح بوتين مكتسبات في نهاية عهده؛ ولا هو قادر على المستوى الأخلاقي، على إلزام خلفه، أياً كان ترامب أو كلينتون، باتفاق لايرضي الإدارة الجديدة؛ سيما وأن احتجاجات الشعب الأميركي بدأت ترتفع في وجه أوباما، بسبب تخاذله وتراجعه أمام بوتين ما أسقط كثيراً من هيبة أميركا في العالم. بين هذين الحدًّين يجهد كيري ولافروف في لعب الدورين المتناقضين؛ يلتقيان باستمرار، وكلٌّ منهما يحاول الإيحاء للآخر بأنه جادٌّ في البحث عن حلّ للأزمة السورية؛ بينما في الحقيقة، الطرفان يحاولان الإستفادة من الوقت الضائع بحدِّه الأقصى في 21 كانون الثاني من عام 2017 (التاريخ الذي يتسلم فيه الرئيس الأميركي الجديد السلطة في واشنطن). إنها عملية “عضٍّ على الأصابع” متبادلة بين واشنطن وموسكو التي تستمر حتى 21 كانون الثاني المقبل.

الوقت الضائع في سوريا، المرتبط بنهاية عهد أوباما، مستمر وسيكون الأقسى في الحرب السورية. ففريق النظام يرفع وتيرة إجرامه لتحقيق مكتسبات على الأرض وفي جنيف؛ وفريق المعارضة، وعلى رأسه واشنطن، غير مستعد للإستسلام في الوقت الضائع. وهكذا نجح النظام في تحويل فترة البحث عن هدنة من إجازة للإطعام، إلى فرصة للإنتقام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل