#adsense

ميشال تامر يحكم البرازيل.. هل يتمكن من إصلاح اليسار الفاسد ليستمر رئيسًا منتخبًا؟

حجم الخط

كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة”:

 وأخيراً نجح اللبناني الأصل ميشال تامر في أن يصبح رئيساً فعلياً للبرازيل. في الواحد والثلاثين من شهر آب الفائت خسرت الرئيسة ديلما روسيف الصراع. على مدى أربعة أشهر تولّت الرئيسة المخلوعة شخصياً الدفاع عن نفسها وردّ تهم الفساد الموجّهة ضدّها. لم تنجح. خسرت المناضلة الشهيرة أبرز معاركها، هي التي وقفت في الماضي بوجه حكم العسكر وربحت النضال. لم تُقنع أعضاء مجلس الشيوخ ببراءتها. فصوّت 61 منهم ضدّها مقابل 20 فقط معها. أقيلت أوّل امرأة تحكم البرازيل قبل ان تنهي ولايتها الثانية. إنها الحالة الثانية في تاريخ أكبر بلد في أميركا اللاتينية حيث تمتزج الحياة الديمقراطية بصفقات الفساد، ويجتمع رجل السياسة والسارق في شخص واحد، وتتآمر الطبقة السياسية مع رجال المافيات على الشعب. ومن أكثر منا نحن اللبنانيين يمكنه فهم هذه المعادلة التي تنغّص علينا الحياة الهانئة؟

إقالة ديلما روسيف تضع نهاية لحكم اليسار الذي استمر ثلاثة عشر عاماً متواصلة أحدث خلالها تغييرات جيوسياسية في البرازيل على مستوى أميركا اللاتينية والعالم. إقليمياً عمل حزب العمال بقيادة لولا داسيلفا على تطوير الشراكة الاقتصادية مع جيرانه في جنوب القارة الأميركية في “Mercosur”. وسعى لأن تكون البرازيل الدولة القائدة لدول “الجنوب” في مواجهة دول “الشمال”. وـولى خطواته كانت إطلاق مبادرة التقارب بين أميركا الجنوبية والشرق الأوسط في العام 2003. كما سعى لأن يشكّل جبهة سياسية واقتصادية عالمية في وجه الولايات المتحدة الأميركية تمثّلت بدول الـ”بريكس” (التي ضمّت الى البرازيل، روسيا والصين والهند) وأخرى إقليمية مع فيدل كاسترو وهوغو شافيز وإيفو موراليس (الرئيس البوليفي).

داخلياً نجح حزب العمال في إحداث بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. ولكنه غرق في الفساد السياسي والمالي. فكانت الزبائنية السياسية عنوان عهود اليسار. وعلبة المساعدات الشهرية للفقراء الوسيلة الأساسية لزيادة شعبية الحزب وكسب معارك التصويت في الاستحقاقات الانتخابية. كما أثقلت سياسة داسيلفا ومن بعده روسيف الخزينة العامة، باستحداث وزارات ووظائف لا تحتاجها الإدارة العامة وتوظيف المحازبين أو المناصرين، وفتح قنصليات في عدّة بلدان ليست ذات فائدة للبرازيليين المقيمين في الخارج… وقمّة الفضائح كانت تلك المتعلّقة بشركة النفط الوطنية “بتروبراس” والتي تطال مسوؤلين كبار وعلى رأسهم داسيلفا نفسه.

أقيلت ديلما روسيف من الحكم تاركة وراءها أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة. بعض الأرقام تظهر الصورة واضحة. بعد عقد من النمو الاقتصادي (بين عامي 2000 و 2011) بمعدل 4 بالمئة تقريباً، تراجعت هذه النسبة لتصبح 0.8 بالمئة عام 2105. وخسر الريال البرازيلي 30 بالمئة من قيمته. أما العجز في الميزانية العامة فبلغ 10.8 بالمئة من الدخل القومي، عشية إقالة روسيف. كما فاقت نسبة الدين العام 68 بالمئة من الدخل القومي. اجتماعياً، كانت البطالة في ازدياد مطرد لتصل الى 10.9 بالمئة مع بداية العام 2016. في ظل هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية المقلقة تسلم ميشال تامر مقاليد الحكم في البرازيل. فما هي الخطوات الأولى التي قام بها؟

غداة تولّيه مقاليد الحكم بالوكالة في الثاني عشر من شهر أيار الفائت عمد الرئيس تامر الى وقف التدهور في الميزانية العامة كخطوة أولى لوقف التدهور الاقتصادي. لذلك قام بسلسلة تدابير من شأنها تخفيض النفقات في الميزانية العامة، مثل تخفيض عدد الوزارات من 39 الى 20 مع ما يعني ذلك من تقليص في عدد الموظفين الذين يعملون في تلك الوزارات. كما أغلق العديد من القنصليات في مختلف دول العالم والتي كان قد أسّسها داسيلفا وروسيف لتوظيف مناصريهم. ولكن ذلك ليس كافياً لإعادة إطلاق عجلة النمو الاقتصادي في البلاد. ولا بد من استثمارات خارجية. وللحصول على ذلك يجب استعادة ثقة المستثمرين الخارجيين عبر إرساء استقرار سياسي في البلاد. من هنا أتى توقيت إقالة ديلما روسيف عشية انعقاد قمة دول العشرين في الصين.

في بداية شهر أيلول الجاري طار ميشال تامر الى الصين للمشاركة في قمة دول العشرين بعد ساعات على تنصيبه رئيساً فعلياً للبلاد واضعاً نصب عينيه هدفاً واحدًا: القول للعالم إن دولة البرازيل تخطت أزمتها السياسية وهي مستعدة لاستقبال الاستثمارات الخارجية. وقد حرص على توقيع عدّة اتفاقيات مع الشريك الصيني قبل القمّة بلغت قيمتها 4.6 مليارات دولار أميركي وشملت عدّة مجالات (الاتصالات والفولاذ والنقل والزراعة). كما أبرمت الشركة البرازيلية لصناعة الطائرات “أمبراير” عقدًا يقضي ببيع خمس طائرات وآخر لصناعة طائرتين خاصتين.

إن تنصيب ابن “بتعبوره الكوارنية” رئيساً فعلياً للبرازيل لا يعني أن الطريق معبّدة أمامه لحكم خامس أكبر بلد في العالم حتى العام 2018، موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. فالعوائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية كثيرة، نوجزها بالتالي:

أولاً، لقد تراجعت شعبية حزب العمال بقيادة لولا داسيلفا، ولكن هذا الأخير لا يزال قادراً على تحريك الشارع من خلال تنظيم تظاهرات شبه يومية في المدن الأساسية في البلاد وفي مقدّمها ساو باولو وريو دي جنيرو. ويرفع هؤلاء شعار “انقلاب”. فهم يعتبرون أن ما قام به مجلسا النواب والشيوخ هو “انقلاب برلماني”. وبحسب خبراء في الشأن البرازيلي أن ما قام به البرلمان دستوري ولكن الهدف منه سياسي. لذلك الكلام عن “انقلاب” ليس بعيدا عن الحقيقة.

العائق الثاني عدم قدرة ميشال تامر على الذهاب بعيداً في محاربة الفساد الذي يشتبه البعض أنه شريك فيه. فهو كان نائباً للرئيس خلال الولاية الأولى لديلما روسيف وفي الولاية الثانية التي لم تكملها. لذلك يعتبره الكثير من البرازيليين إما شريكاً في الفساد أو متغاضي عنه. وفي الحالين فهو مذنب. مصادر برازيلية تؤكّد أن ما يمنع حزب العمال من فضح تامر حرص قياداته على عدم تأكيد الاتّهامات الموجّهة ضدّهم وتحديداً ضد زعيمهم لولا داسيلفا والرئيسة المخلوعة ديلما روسيف، لأن فتح أي ملف من ملفات الفساد سيكون مثل حجر الدومينو الذي بسقوطه يُسقط باقي الحجارة كلّها. ولكن كل ذلك يمكن أن يتغيّر بين ليلة وضحاها!

العائق الثالث هو حذر ميشال تامر في اتخاذ قرارات وتدابير تتعلّق بالسياسة الاجتماعية ستكون حكماً غير شعبية. فالرئيس الذي يكمل ولاية روسيف يطمح الى انتخابه لولاية كاملة في العام 2018. وأي قرارات غير شعبية ستقضي على حلمه وربّما تمنعه من إكمال الولاية الحالية.

في تشرين الأول المقبل ستكون البرازيل على موعد مع انتخابات بلدية. استحقاق انتخابي سيظهر حجم كل من الأحزاب السياسية وسيكون مؤشراً لما ستكون عليه الصورة في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهل سيحاسب الناخبون البرازيليون حزب العمال الذي انغمست قيادته بالفساد من رأس الهرم حتى أسفله؟ والسؤال الأهم، هل سيدعمون ميشال تامر في إصلاحاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ أم أنهم سيحاسبونه أيضاً ويقضون على حلمه بولاية كاملة؟ الإحصاءات التي أجريت حتى اليوم لا توحي بذلك.

للإشتراك في “المسيرة”: Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل