
الخلاف بين الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصرالله يعطِّل الانتخابات الرئاسية، ويدفع القوى السياسية إلى البحث عن بدائل غير منطقية من قبيل انتخاب الرئيس سعد الحريري للعماد ميشال عون، فيما المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على الحزب وحده لجهة توحيد صفوف فريقه السياسي لإيصال عون وإنهاء الفراغ.
وتشكل دعوة الحريري لانتخاب عون هروبا إلى الأمام وبدلا عن ضائع، وأما مرد هذه الدعوة وجود قناعة ان بري ليس بوارد انتخاب عون للأسباب الآتية:
أولاً، لم ينظر بري بعين الارتياح إلى التفاهم بين عون ونصرالله منذ شباط ٢٠٠٦، فبقي على مسافة بعيدة من هذا التفاهم الذي أدى إلى توسيع الهوة بينه وبين عون بدلا من تضييقها.
ثانياً، التحالف الاستراتيجي بين بري ونصرالله تحت عنوان “المقاومة” لا ينسحب على الملفات الأخرى وتحديدا الجانب السلطوي في لبنان، حيث فضل ويفضل بري استبعاد “حزب الله” عن هذا الجانب.
ثالثاً، يريد بري الحفاظ على قاعدة ثلاثية لإنتاج السلطة في لبنان والقائمة على ثلاثية بري-الحريري-جنبلاط واختيار الشخصية المسيحية التي تتقاطع مع هذه الثلاثية، وبالتالي استبعاد كل ما يمكن ان يحجم دور هذه الثلاثية.
رابعاً، يعتبر بري ان وصول عون إلى الرئاسة يشكل خطرا عليه على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول وصول عون من خارج القاعدة الثلاثية وعلى رغم ممانعة بري الطويلة في هذا الاتجاه يؤدي او يمهد إلى تحجيم دور بري وطنيا وتراجع نفوذه وتأثيره.
المستوى الثاني نجاح “حزب الله” بإيصال مرشحه الرئاسي والدخول في لعبة السلطة من باب الرئاسة الأولى وليس الاكتفاء بتمثيل وزاري لضرورات اللحظة والمرحلة يجعل الحزب في موقع المتقدم في لعبة السلطة في الوقت الذي يريد فيه بري الحفاظ على قاعدة الفصل بينه وبين الحزب: لكم المقاومة ولي السلطة.
المستوى الثالث يخشى بري ان يشكل انتخاب عون بداية نهاية دوره السياسي، حيث يتولى عون تنفيذ إرادة الحزب في هذا الاتجاه، بمعنى ان الوسيلة الوحيدة لإضعاف الحزب بري ووراثته تكمن بمواجهته عن طريق غيره، خصوصا ان هذا “الغير” يعتبر أساسا ان بري يشكل حجر عثرة امام التغيير.
خامساً، يدرك بري عن خبرة وتجربة ان دور “حزب الله” المقاوم سيتحول تدريجا إلى دور سلطوي مع انسداد الأفق الإقليمي للمقاومة، وهذا التحول سيكون على حسابه بالدرجة الأولى، وبالتالي يخشى ان يكون الهدف من إيصال عون بداية تموضع في هذا الاتجاه.
سادساً، يدرك بري ان الحزب بدأ يعد العدة لمرحلة ما بعد خروجه من رئاسة المجلس والتحكم بالبعدين السلطوي والمقاوم، ولكنه يريدها طبيعية لا مفتعلة من أجل الحفاظ على وحدة الصف في مرحلة بغاية الدقة والخطورة. ومن هنا يشكل وصول عون، بالنسبة إلى الحزب، هدفا استراتيجيا في سياق اللعبة الداخلية وتوازناتها، خصوصا ان الحزب، على غرار من سبقه، وصل او سيصل إلى قناعة بان هيمنته على لبنان مستحيلة، وان سقف دوره يتحدد بين تحالفاته الوطنية وصلاحياته الدستورية.
سابعاً، يدرك بري ان الحزب يريد إيصال عون عن طريق الحريري، وبالتالي يستثمر كل علاقاته مع “المستقبل” للحؤول دون ذلك.
وتأسيساً على هذه الاعتبارات وغيرها، فإن الحوار المطلوب اليوم وبإلحاح هو بين الرئيس بري والسيد نصرالله من أجل إنهاء الفراغ وإطلاق عجلة الحياة السياسية، لأن أحد أبرز أوجه الأزمة السياسية اليوم يكمن في الكباش غير المرئي الدائر بين بري ونصرالله.