رواتب كانون.. لا تأجيل «ولا من يحزنون»

 

 

يقبع مشروع موازنة 2017 في «دهاليز» مجلس الوزراء، وهو لن يرى النور قريباً اذا استمرت التطورات في منحاها التصعيدي. لكن الموازنة في حدّ ذاتها ليست بيت القصيد، بل هي وسيلة قد تفقد وظيفتها، أو تؤدي وظيفة معاكسة، اذا أُسيء صوغها واستخدامها.

يعرف كل من يثير مسألة وقف دفع رواتب موظفي القطاع العام ابتداء من كانون الاول المقبل، ان هذا الملف ممنوع من الصرف، وبالتالي، لا يمكن ان يحصل.

وهناك اعتبارات عدة تحول دون وقوع المحظور، ليس أقلها ان النقمة الشعبية التي قد تنتج عنه، لن تكون محصورة في طرف سياسي واحد، بل ستتوسّع لتشمل الجميع. وبالتالي، هذا الواقع يولّد قناعة بأن التهديد بوقف الرواتب لم يعد ورقة رابحة لأيٍ من الأطراف السياسية المتصارعة.

بالاضافة الى ذلك، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان ان وقف رواتب موظفي القطاع العام، يعني مبدئياً وقف رواتب النواب والوزراء، وهذا الأمر لا يشجعه هؤلاء، وهم مستعدون لبذل مجهود استثنائي لمنع حصوله.

لكن في المقابل، فان التلميح بهذا الأمر من منطلق سياسي يؤثر سلباً على سمعة لبنان المالية في العالم، خصوصا ان مقاربة هذا الموضوع خارجياً لا تتم دائما استنادا الى الوقائع. وأحيانا، يصل «خبر» التهديد بوقف دفع الرواتب، عن غير قصد وربما عن قصد، على أساس ان الدولة اللبنانية عاجزة عن التسديد بسبب نضوب الاموال لديها.

هذا الانطباع يكون كافياً لتشويه سمعة البلد، اكثر مما هي مشوّهة، ويزيد منسوب الضغوط المالية عليه. ويتم ذلك من خلال نقاط عدة، ليس أقلها حجب المزيد من الاستثمارات الخارجية، والتي أصبحت اليوم شبه غائبة.

لكن، وفي الحديث عن الرواتب، لا بد من الاشارة الى أن بند الرواتب بات يحتل مساحة واسعة اكثر من اللزوم في الموازنات الغائبة.

وتشير الأرقام الرسمية الى ان حجم رواتب القطاع العام تضاعف تقريبا بين 2008 و2015، من 3970 مليار ليرة إلى 7080 ملياراً، أي بزيادة نسبتها حوالي 76 في المئة، في سبع سنوات فقط. هذه زيادة مُقلقة وغير مبررة في بلد كان يُفترض منطقيا ان يعمد الى تنفيذ خطة تقليص القطاع العام غير المنتج.

لذلك، فان المطالبة باصدار موازنات للدولة، لم تعد كافية، بل صار الأهم هو التركيز على مضمون أي موازنة جديدة. ومن هنا، قد نفهم لماذا أشار رئيس جمعية المصارف اللبنانية جوزف طربيه بشيء من الريبة الى مشروع موازنة 2017 الموجود في مجلس الوزراء.

ولفت الى الضرائب الجديدة التي يتضمنها. لأن الموازنات التي يعلّق عليها الخبراء أهمية قصوى في تنظيم شؤون المالية العامة، تتحوّل الى أزمة اضافية اذا لم تستند الى خطة مالية واقتصادية واضحة لمواجهة الأزمة القائمة.

ذلك أن الموازنة لا تستطيع ان تتحول مجرد اداة قانونية لفرض الضرائب الجديدة بهدف تحسين الايرادات وخفض العجز، حتى لو تمّ تغليف رزمة الضرائب المقترحة بملف إقرار سلسلة الرتب والرواتب، والذي من شأنه أن يزيد حجم رواتب القطاع العام الى مستويات قياسية جديدة.

هذه الاشكالية القائمة تقود الى الاستنتاج ان الموازنة في حد ذاتها ليست المنقذ الرسمي للاقتصاد الوطني، بل ان أي موازنة جديدة وبعد انتظار طال عشر سنوات، لا يمكن أن تكون مقبولة اذا لم تأت واقعية، وبحجم التطلعات.

والنقاط الأهم التي ينبغي أن تتضمنها هي التالية:

أولا – خفض الضرائب على الشركات والمؤسسات، وإقرار نظام مراقبة وامتثال يشجع أرباب العمل على التخلي عن سياسة الدفترين، وتسديد الضرائب المتوجبة. وقد يكون الوقت مثالياً اليوم لاتخاذ مثل هذا التدبير، لأنه يتماهى مع الدور الجديد الذي قد يُناط بالمصارف، وبطلب خارجي، لمراقبة ملف ضرائب الشركات والمؤسسات العاملة في لبنان.

ثانيا – طرح مشاريع استثمارية من شأنها تسريع النمو الاقتصادي مع الأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة بالبلد داخليا وخارجيا.

ثالثا – رسم خريطة طريق لمشاريع الخصخصة، وطرح مشاريع جديدة تستند الى الافادة من المحفظة العقارية التي تملكها الدولة، وهي محفظة غنية يمكن ان تشكل مصدر دخل جيد للخزينة، وان تساهم في الوقت نفسه في تنشيط الحركة الاقتصادية.

رابعا- تحديد دور القطاع العام، واعادة رسم مهامه وحجمه وتطوره في السنوات الخمس المقبلة.

هذه هي أبرز النقاط التي ينبغي أن تتضمنها أي موازنة جديدة، لأن المطلوب اليوم مساعدة الاقتصاد على النهوض، وتقليص الهدر، وليس مجرد تشريع الانفاق، لأن التشريع هنا بات يشبه قوننة الهدر، واعطاء براءة ذمة لسَوْقِ البلد الى الانهيار.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل