#adsense

شمسي الكشكات رح يخلص أيلول…

حجم الخط

لا سطوح لأيلول في المدينة، هو لاجئ فيها مشرّد، لا بيت لأيلول ما لم ترتَح مواسمه على سطوح الضيعة، هناك، فوق، ملعبه، قصره، ساحاته، يسرح تحت الشمس والشمس تلاعب مواسمه المفلوشة من خير الأرض. كيفك أيلول هل امتلأت سطوحك خيرات؟ هل عدت الى المدرسة تحمل كتاب القراءة إياه وتقرأ أول درس “انتهى الصيف ولملم والدي مواسمه…” وتكتب أول نص في الإنشاء “ذهب الولد الى المدرسة صف شعورك وعواطفك”…؟

عقدت ستي منديلها، الموضوع إذن جدِّيٌ كثيراً، وكأنها لحظة الحقيقة حين تواجه ستي استحقاقاتها الكبيرة، ولم يكن أهم وأكبر من فلش المؤونة وضبضبتها عن السطح قبل المساء ودهمة المطرة في أيلول طرفه دائما بالشتاء مبلول، “بأيلول تموّن لعيالك وخْلي الهم عن بالك”، تقول ستي وهي تشقع مؤونتها في غرفة المؤونة، “ستي وين صارت الكوارة؟”، تلتفت إليّ بحسرة وتهز برأسها “راحت الإيام وما عاد حدن يعمّر كواير وصارت سردالة اللبنة زينة الليوان يا ستي”، وتذهب مسرعة الى الموقدة الملتهبة حيث تغلي البندورة، لا تستبدل ستي رِبّ البندورة بأي آخر من السوق، مستحيل، بفطرتها وذكائها القروي تعرف أن البائع الذي يقصد الضيعة من الشرقي، كما تقول، أي من الجهة المقابلة لسهل البقاع، لا يبيع موسما نظيفا “أكيد مزغول وفيه مي أكتر ما في بندورة” تقول، نساء الضيعة ورثن ذاك الشك عن أمهاتهن، لا يشترين ما يستطعن أن يفعلنه بأياديهن، وأياديهن بركة المواسم.

ما زلنا في الضيعة اللبنانية الأصيلة، ضيعة، نطرّز سطوحنا بفلشة الخير، ما زلنا نمارس ذاك الحب الخالص بين الأرض والناس، ثمة حب متبادل هناك، مطلبه واحد فقط أن تحب الأيادي التراب والتراب يدر خيرات الذهب، ولا تسألوا عما تفعله بنا الدولة، اسألوا مواسم التفاح مثلا المشقوعة ذهبا في البرادات، في الكساد، في الأسعار المتهاوية مطر خيبة فوق رأس فلاح، عاش وهو يحلم أن تكون غلاله الوافرة مؤونة الأيام الصعبة، وتتراكم الأيام وتبقى صعبة ويكمل بالمستحيل، ومع ذلك فلاحنا المكفي سلطان مخفي.

لن نحكي في ذاك الشجن، ثمة الكثير منه، هي دولة بالأساس وجدت للشجن،  لقهر ناسها وفلاحيها وأراضيها، فلنبقَ إذن في سطوح أيلول، في الهروب إليها، في أيلول المتراقص الألوان حين تتحوّل الأشجار الى مساحة قوس قزح، ذاك الأخضر الراحل بنهم صوب الأصفر وعليه أن يمر اضطراريا بالأرجوان، يا الله كم هو “ممحون” الخريف، نعم هكذا نصفه بالتعبير الشعبي بالضيعة، ممحون حين يتحايل على بقايا الصيف ليسلبه كل ما تبقّى فيه من شعاع الأخضر ذاك فيرميه في المراحل، حتى للأوراق درب صليب تمشيه، يجلدها الريح فتضعف تقع تموت لتعود وتحيا من جديد…

صحيح أننا ما عدنا نخبّي القمح بالكوارة، ولا نكبس اللبنة بالسردالة، لكن ما زلنا نخزّن المواسم لنزفّها للشمس قبل أن يدهمنا كانون فنكنكن ببيتنا مع ملحنا وزيتنا، تقول ستي، ما زلنا نملأ السطوح والشمس السخية تجفف الشرابات والجوزات والتينات والكشكات واللقطينات والمربيات كافة، ما زلنا نملأ في أكياس الخام الكشك والبرغل والفاصوليا والعدس والحبوب حصيدة أراضينا، ونشقع رفوف غرفة المؤونة من غلّة الصيف. هذه حال الضيعة وكل قرى لبنان، حسب تلك الجبال أنها ما زالت تعيش قيم القرية، ولا تنسى في غمرة الخير تلك أن تسأل بيروتيا تراه مسكينا “كيف عايشين بلا ما تتمونوا؟ ما عندكن سطوح تشمسوا عليها المؤونة؟”، هذه مقولة ستي التي تردد في هذا الشهر بالذات “يا ستي لـ ما عندو ضيعة ضايع”. وتغرق بشفقتها على ابن المدينة، تعتبره مقطوع من شجرة لأنه لا يقطف شجرة ليأكل من ثمرها مباشرة، ولا يخبيء غلالها في كوارة الشتاء، ولا يشمّس خير الأرض ليأكلها مبللة بالدفء، ولم أستطع مرة لحظة عمرا أن أقنعها بأن يا ستي ولاد المدينة ولاد عيلة كمان، هؤلاء مقاومين ولهم أصل وفصل وبيوت، وعبثا أفعل، هي مقتنعة أنهم مساكين لأن لا أرض لهم تشرب من عرقهم، طيب يا ستي لو عندن أرض لمين منبيع مواسمنا؟ لا تجيب، تعقص المنديل من جديد وتهرول لتلملم الكشكات قبل هبوب الريح…

ثمة موسم آخر لا يقل غلالا عن سطوح أيلول، العودة الى المدرسة. كما رائحة الخوابي كذلك رائحة الكتب، على السطوح ورشة مواسم البركة، وفي المكتبات والبيوت ورشة مماثلة، كلها مواسم، كلها حصاد. أيام مدرسة الضيعة أجمل اللحظات كانت تجليد الكتب الجديدة، تصفّحها، كتاب القراءة والـ lecture  أولا وآخرا، كتاب التربية المدنية قليلا، ومن بعدهم فلتحترق كل كتب العلوم والحساب والتاريخ والجغرافيا، يا لطيف على الجغرافيا لماذا هو ثقيل الحضور بهذا الشكل؟ أما كتاب الرياضيات فمصيبة الكتب، لماذا لا يُلغى يا الله؟! طبعا لم يكن الله ليستجيب لطلب مماثل وإلا اختلت حسابات الدنيا وتشابكت لأجل تلميذة مفرطة الغباء في الحسابات، ومع ذلك تبقى للعودة نكهة حب مختلفة، متناقضة بين ذاك الحنين الى المدرسة ورائحة كل ما هو جديد، كتب دفاتر أقلام جميلة ملوّنة، حقيبة مزينة بالأبطال الذين يسكنون أحلام بطولاتنا، وبين النظام المرصوص لشتوية أشهى ما فيها النوم عند الصباح والاسترخاء خلف الوجاق، فيولول جرس الإنذار عند السادسة صباحا كمن يعلن حربا ضروسا على كل ذاك الكسل اللذيذ، أليس هذا من الظلم؟!…

أحسد ستي أحيانا لأنها لم تدخل المدرسة عمرا، تعلمت القراءة والكتابة من أبيها الذي تعلّم تحت السنديانة، ستي وبدل أن تذهب الى المدرسة منزعجة، كانت تستيقظ عند الخامسة فجرا لتطعم البقرة وتحلبها، وكانت جد سعيدة خصوصا عندما تغبّ من الحليب الطازج، هي الآن تشفق على الصغار حين يهرعون الى… “شو اسمها ستي هيدي البوسطة لـ بتاخد الولاد من وجّ الضو ع المدرسة؟” الأوتوكار ستي، وكلفة الأتوكار ما غيره لا تقل عن كلفة الأقساط المدرسية التي ترتفع من دون مبرر منطقي، لكن أهل الضيعة لا يكترثون، يبيعون المواسم ومنها يتعلّم الأولاد والأحفاد ولتبقى الأرض والمواسم للأجيال الأتية علامة على خير ربّاني هو مؤونة الأيام…

قليل وبيضبضب أيلول سطوحه، يرسم الخريف ألوانه بالشجن، ماذا تقول البواحير؟ هذه حسابات جدي، بعد 14 أيلول وبعيد الصليب الدني بتغيب، في 27 أيلول تنتهي البواحير وحتى الآن هي تنذر بموسم شتوي حافل بالمطر، حسابات مطبوخ الأرمن أكثر دقة وعلمية، وحتى الآن تنبئ بأيلول طرفه بالشتاء مبلول وبتشرين ماطر وكانون عاصف بالثلج، من نصدّق أكثر؟

حدول السطح قرّب تشرين، ما عدنا نحدل السطوح إنما نزرعها مواسم ونلملم ذاك الجنى ما أن يتطاير الورق الأصفر على حفافي خريف متأهب الحضور، خريف يطلع من كعب أيلول، من الهواء المترنّح فينا بساحات الضيعة، سطوح أيلول كوارة الفلاح، كتاب القراءة، شبابيك أيلول عيون داشرة خلف غير عيون تبحث عن غمر حب، عن دفء، عن حكاية تكتبها في ليالي الشوق والشتاء، أول شتوة عبق التراب رائحة الحنين المتهالك فوق ضياعنا، حكاية حب غزل وعتب على صيف مجنون حلو عاشق ما أن يأتي الملعون حتى يرحل، أيلول قبلة المواسم على خدّ الورق الطائر…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل