
في غياب اي تقدم للخروج من المأزق السياسي، وفي ظل الملفات العالقة جراء الشلل الحكومي، دخل الاقتصاد اللبناني حالاً من الركود العميق وفقدان فرص العمل. أسباب عدة ومتنوعة قد تعطى لتفسير الأزمة يجب التوقف عندها لتلمس طرق ووسائل المعالجة الناجحة لبناء اقتصاد قوي وللمضي قدماً في تطوير عجلة الإقتصاد والإستثمارات التي تبدأ بإعادة النظر بالسياسة الإقتصادية الحالية.
وفي هذا السياق كان لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، حوار شامل مع الإقتصاسياسي روي بدارو الذي رأى ان مشكلة الإقتصاد في لبنان تكمن في منظومته المبنية على اسس متدنية وفاسدة التي تعيق التطور.
ومن أوليات الاصلاحات التي يجب ان تتبعها الدولة بحسب بدارو، هي مكافحة الفساد المستشري، وخلق فرص عمل تتيح للشباب اللبناني استمرارية البقاء في وطنهم، بالإضافة الى تطوير المنهج التربوي لمواكبة العصر، كما ان سوق العمل بحاجة الى إعادة تنطيم خصوصاً في ما يتعلّق بالحد الادنى للأجور الذي يعتبره بدارو غير واقعي.
وبشأن ملف النفط، يخشى بدارو ان يتحول هذا الملف الى مدخل لعملية فساد كبيرة مفضّلاً عدم تحريكه وابقائه حيث هو اي “في البحر”. إلى حين إجماد إدارة صالحة
في ما يلي النص الكامل: (حاوره تشارلي عازار)
ـ هل توافق على مقولة ان لا مشكلة اقتصادية في البلد؟
هناك مشكلة مزمنة في الإقتصاد اللبناني، فالطائفية المستشرية هي بحد ذاتها مشكلة فلسفية وعنصرية، لكنها ليست اكبر المشاكل انما الفساد هو اكبرها، لان الشريحة المحرومة من السلطة تُجبر على الرد بشتى الوسائل كي تشعر انها جزء من المكونات في هذا الوطن.
ـ كيف ترى وضع الإستثمار في لبنان؟
كلفة فرصة العمل في لبنان تتراوح بين الـ 10.000دولار الى الـ 50.000 دولار في القطاع الصناعي اما في قطاع الخدمات فتتراوح بين 150.000 الى 250.000 دولار.
فاذا خلقنا وظائف بقيمة متوسطة بين 50.000 دولار اذا اردنا ايجاد 30.000 فرصة عمل سنوية فنكون بحاجة الى مبلغ مليار ونصف دولار. هذا كان المبلغ الذي كنا ندفعه سنويا لحد عجز الكهرباء، فلماذا لا نوظفه في خلق الاستثمارات وايجاد فرص عمل.
– البيئتين السياسية والاقتصادية وتركيبتهما بحاجة الى معالجة، وهي ليست جاهزة لتكون ارضاً خصبة لجذب الإستثمارات.
– لا يجب ان يكون الاستثمار بالعقارات فقط، انما بخلق فرص عمل دائمة من اجل إعادة الدينامية الى سوق العمل التي ما زلنا نفتقدها.
ـ ماذا عن تنظيم سوق العمل؟
– من المهم ان نقوم بإعادة تنظيم سوق العمل وإعادة النظر في مقاربة سياسة الاجور.
إذ إن سياسة الاجور في لبنان غير واقعية وغير منصفة، ويجب إعادة النظر في الحد الادنى للاجور وفي اعادة الاعتبار للقدرة الشرائية ليس عبر زيادة الاجور، انما بسياسات اخرى.
إحدى هذه السياسات هي إلغاء الضريبة على الاجور المتدنية والوسطى.
ويجب ايضا عصرنة قانون العمل لان هناك شروط جديدة للعمل ليست ملحوظة بالقانون الحالي كالعمل الظرفي والمؤقت او العمل من خلال المنزل والخ من انواع العمل.

ـ هل السياسية الإقتصادية المتبعة تتطلب تعديلاً وما هي ابرز الإقتراحات؟
أجزم أن السياسة المالية المتّبعة لن تؤدي الى تحسين الوضع، فالحل السياسي هو مدخل للحل الإقتصادي لكنه ليس كافياً بتحويل المناخ السائد الى فرص تتيح تحسين السياسات الإقتصادية.
– اولاً، يجب تحديد السياسة الاقتصادية للحكم وليس للحكومة فقط، لأن ثمة هناك مراكز سياسة واقتصادية من خارج الحكومة تؤثر على الأداء الاقتصادي.
– البطالة والقدرة الشرائية هما أولويات من اجل الحفاظ على الشباب اللبناني واعادة انتاج طبقة وسطى تحمي الديمقراطية والحريات.
– ثانياَ، إعادة النمو الكمّي والنوعي معاً، إذ أن بمرحلة من المراحل كان لدينا نمو كمّي وليس نوعي.
– ثالثاً، الحفاظ على البئية لانها ثروة اجيالنا القادمة، لان التصحّرعدو الإقتصاد بالنسبة للبنان.
-رابعاً، تحديث النظام التربوي لنواكب القرن 21، فيجب ايجاد سياسة تربوية تتيح لطلابنا مواكبة العصر اذ اننا لا نملك حاليا رابطاً بين الجامعة وسوق العمل.
ـ ماهي افضل السياسات والادوات الإقتصادية ونمط إستعمالها؟
هناك عدة سياسات “ماكرو” اقتصادية انما يجب اختيار الانسب لواقعنا ووضعها قيد التنفيذ. يستوجب ذلك علم ومعرفة وتخصص وقلّة يملكون هذا الامر، فكيف بالسياسيين الذين يجهلون الكثير؟
قسم كبير من كلفة الموازنة مخصص للامن، فلو كان الامن موجوداً بين كافة شرائح المجتمع واذا تمكّنا من عزل مجتمعنا عن الازمة السورية، عندها تنخفض كلفة الامن ومعه ينخفض العجز والدين العام.
وما نتكبّده اليوم على الأمن والهدر والفساد، علينا توظيفه لخلق فرص عمل. الاتفاق الداخلي في ما بيننا يحسّن وضعنا الإقتصادي بشكل ملحوظ لان الامن يولّد الإستقرار ولكن ليس بالامن وحده يحيا الإقتصاد بل بالامان.
ـ هل القيم تؤثر على السياسة الإقتصادية؟
طبعاً، للقيم دور بارز في تحسين السياسة الإقتصادية، كحزب “القوات اللبنانية” مثلاً فهو يتمتع بقيم تجعله بعيداً عن اي فساد، وهذا ما رأيناه مع الرئيس الراحل الشيخ بشير الجميّل طيلة فترة الـ21 يوماً بعد انتخابه، حيث حسنت مؤسسات الدولة نمطها وكيفية تعاطي موظفيها، لذا نحن بحاجة لأشخاص يملكون القيادة والريادة في رئاسة الجمهورية التي هي المثل الاعلى في السياسة وفي الإقتصاد.
ـ ما هي الخطوات اللازمة لمكافحة الفساد؟
-محاربة الفساد تتطلب انشاء “وكالة لمحاربة الفساد” كما هو معرف في جميع الدول التي تحارب الفساد والتي تتمتع بمصداقية، كما يجب ان يكون هناك سلطة قضائية نظيفة تتبع لرئيس الجمهورية الذي هو بمثابة حَكَم وأَعلى مراقب في عملية مكافحة الفساد.
– الهدر والفساد الذي يصل الى 5 مليار دولار اي 10% من الدخل القومي داخل وخارج مرافق الدولة.
– رفع سكين الضرائب الإستنسابية عن رقبة اصحاب العمل وتحريرهم من عبئ هذه الضريبة.
– إصلاح الخدمة المدنية، واعادة الاعتبار للموظف الذي فقد اعتباره، لان راتبه لا يخوله العيش بكرامة، لذلك يلجأ الى “الرشوة”. كما على الدولة ان لا تكون لاعباً بل مراقباً.
– الشراكة بين القطاع العام والخاص بحاجة الى دولة قانون والا تكون مشروع سمسرة وهذه غير مقبول.
– هل يمكننا فصل السياسة عن الإقتصاد وكيف؟
العلاقة بين الإقتصاد والسياسة مبنية على اسس اخلاقية وثقافية قبل كل شيء، وهي ليست مجرد ارقام ولا يمكن فصلها، والإقتصاد مرتبط عضوياً بهياكل السلطة السياسية، ولهذا السبب نسميه الإقتصاد السياسي. وبناءً على ذلك، ينبغي ان تكون نقطة الانطلاق لأي سياسة اقتصادية.
حان الوقت للإصلاحات الإقتصادية التي تضع بلادنا على طريق النمو والإزدهار، وذلك يتطلب اعادة النظر بالسياسة الإقتصادية، لان المقاربة الحالية لم ولن تؤدي الى اي تحسّن في الوضع المالي والمعيشي.
ـ هل توجد خطة واضحة لدى الدولة لخفض الدين العام؟
هناك ارقام ضخمة، فالدين العام الإجمالي يُقارب ال73 مليار دولار، وخطة الدولة لتخفيضه سيئة جدّاً، لانها تعتمد زيادة الضرائب فقط، وهذا يؤدي الى استنسابية على الأشخاص الذين تُفرض عليهم الضرائب، مما يؤدّي الى انخفاض بمداخيل الدولة وتأثيره سلباً على النمو. السياسة الصحيحة تقتضي بإعادة النمو بمستوى رقمين من خلال استثمارات داخلية وخارجية.
ـ هل يشكل الإتفاق على النفط مدخلاً لحل ازمة لبنان المالية؟
ما يمكنني قوله في هذا الملف اليوم هو انه بالمطلق مفيد ويمكنه الإسهام في حل الازمة المالية. ولكن، من الافضل ان يبقى في الوقت الحاضر في البحر لانه يشكل مدخلاً عظيماً لمزيد من الفساد في دولة ليست بدولة قانون ومحاسبة.
