
مع عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت مساء السبت الفائت، وإطلاقه سلسلة مشاورات بدأها بالنائب سليمان فرنجية في محاولة للخروج من الفراغ الرئاسي وما رشح عن اللقاء، دخل الإستحقاق مرحلة جدية تفرض على الأطراف كافة إتخاذ مواقف صريحة، إذ لم يعد ينفع التلطي وراء حجج واهية لتمديد الفراغ في رئاسة الجمهورية.
الحريري أبلغ فرنجية، بحسب مصادر مختلفة، أن أوضاع البلد لم تعد تحتمل ويجب الخروج من حال المراوحة والإنتظار، وانه على تأييده له لكن مرت سنة تقريباً ولم ينجح الأمر، وبالتالي يجب البحث عن سبل أخرى، كاشفاً له أن تأييد إنتخاب العماد عون لرئاسة الجمهورية موضوع على طاولة البحث بشكل جدي.
رفض فرنجية الإنسحاب من المعركة، وقال إنه يود التشاور في الأمر مع الرئيس نبيه بري، علما أنه كان قد أعلن في وقت سابق إستعداده للإنسحاب فوراً لمصلحة العماد عون في حال نال تأييد الحريري، طالباً من الأخير ألا يشعر بأي إحراج في حال قرر ذلك.
وبالأمس أطلق أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله عبر صحيفة “الأخبار”، موقفاً من النقلة الحريرية في الملف الرئاسي ليؤكد “فليعلن الحريري قبوله بإنتخاب العماد عون ونحن نتكفل بحلفائنا ونتفاهم معهم”.
لكن وبالتزامن، كان الرئيس بري يسرب “غير الله ما بوصلوش ع بعبدا”- ويقصد عون- رابطاً الشروع في عملية إنتخاب الرئيس بسلة تفاهمات أين منها المتاهات، عدا عن تراجعه في وقت سابق عن معزوفة “ليتفق المسيحيون وأنا أبصم”!.
كثر يرون هذا التخبط في صفوف فريق “8 آذار” على أنه مجرد عملية توزيع أدوار. فلا أحد يصدق أن “حزب الله” الذي يخبرنا صبح مساء أنه “قوة إقليمية عظمى” مقررة على مستوى الشرق الأوسط، من اليمن إلى العراق وسوريا والبحرين، مروراً بعملياته ونشاطاته الإفريقية والأوروبية وصولاً إلى أميركا اللاتينية، هذه “القوة العظمى” لا تستطيع أن تقول “صباح الخير” للنائب فرنجية أو “مساء الخير” للرئيس بري.
وحده الساذج تنطلي عليه ألاعيب “حزب الله” المكشوفة، وهو الذي لطالما تغنى و”فريق الممانعة” كافة بأنهم فريق حديدي متين صلب، ولطالما سخروا من فريق “14 آذار” وتشرذمه وتضعضعه عند كل مفصل، معيبين عليه تنوعه وتعدده وديموقراطيته المفرطة.
يثبت سعد الحريري في نقلته الأخيرة، حرصه على الخروج من النفق وفتح كوة في الحائط المسدود في ما خص الأزمة الرئاسية. وهو بملاقاته الغالبية المسيحية في ما ذهبت إليه بتأييد ترشيح العماد عون للرئاسة، يؤشر إلى نية لديه بإحترام الشراكة في البلد بمواقعها الأساسية، رغم بعض المطبات على الطريق للوصول إلى هذه الخلاصة.
في المقابل، يؤكد فريق “8 آذار” بمختلف تلاوينه، وعلى رأسه “حزب الله”، أنه:
– إما لا يريد إنتخابات رئاسية حتى ولو كان عون الرئيس، إذ هو حر متفلت في حركته الداخلية والخارجية من أي ضوابط دولتية مؤسساتية.
– أو أنه يقبل شرط أن يكبل الرئيس والحكومة ورئيسها ومجلس النواب المقبل عبر قانون جديد للإنتخابات غب رغبته، بـ”سلة الأرانب” التي يخرج منها عند كل بارقة أمل أرنباً جديداً، ليعطل خروج البلد من الأزمة ويبقي الوضع على ما هو عليه.
لم يهضم فريق “8 آذار” بعد تلك العملية النوعية التي نفذها سمير جعجع خلف خطوطه في 18 كانون الثاني الفائت.
ما زالت ترددات “زلزال معراب”، بما يؤشر إليه من عودة الحضور المسيحي الفاعل للعب دوره على الساحة فتستقيم معه المعادلة الوطنية تمهيداً للإنطلاق بعملية بناء جدية لمختلف المؤسسات بمشاركة الجميع، ما زالت تفعل فعلها في صفوفه.
يدرك فريق “8 آذار” بمختلف تلاوينه، أنه لو قدر لـ”تفاهم معراب” أن يصل إلى خواتيمه المرتجاة، فذلك يعني نهاية “الطائف السوري”، الذي نكل بالمسيحيين قتلا وسجنا ونفيا لقياداتهم وأحزابهم الممثلة الفعلية، بالإضافة إلى قمع كل صوت حر إلى أي مكون إنتمى، وبداية الدخول إلى تطبيق الطائف اللبناني على قاعدة المساواة والعدالة والشراكة الحقيقية.
من هنا يمكن فهم هذه المقاومة الشرسة لـ”تفاهم معراب” وخطوة جعجع التاريخية بالمصالحة مع “التيار الوطني الحر” وتأييد ترشيح العماد عون للرئاسة وخوض معركته بكل إصرار، من قبل “8 آذار” بقيادة “حزب الله”، فضلاً عن ممتهني الزبائنية السياسية على أشكالهم.
المعركة تحمل أبعادا إستراتيجية كبرى، ستؤدي إذا ما قدر لها النجاح للوصول إلى إخراج البلد من أزماته المتعاقبة وإستعادة السيادة المنقوصة وعودة المؤسسات إلى لعب دورها الطبيعي في ظل القانون، والرئيس الحريري هو حتما في طليعة الصفوف في هذا السبيل.
أخيرا، وفيما لا يبدو مستغربا إستماتة “8 آذار” في بذل كل ما يلزم لتأبيد “الطائف السوري” لإدراكهم النتائج المدمرة لأهداف “تفاهم معراب” على مواقعهم المضخمة ومنافعهم الدسمة، المستغرب أن يكون بين “المخلصين” من لم يفهم حتى الساعة الأيعاد الإستراتيجية للعملية النوعية التي نفذها جعجع ذات كانون ثان خلف خطوط “العدو”…
