Site icon Lebanese Forces Official Website

من ألِكس إلى أوباما … نداء الإنسانية المفقودة

منذ أيام أرسل ألِكس، الطفل الأميركي إبن الست سنوات، رسالة إلى الرئيس أوباما، قرأها وهو يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة، يطلب منه فيها إنقاذ عمران، الطفل السوري المضرّج بدماء الحرب السورية. رسالة أبكت أحجار الأمم المتحدة في صمتها، أمام انكفاء القيّمين على حقوق الإنسان في هذا العالم.

رسالة ألِكس إلى الرئيس أوباما، لإنقاذ عمران، أجبرت الرئيس الأقوى في العالم، الذي يستطيع، بإشارةٍ بسيطةٍ منه، تحريك الجيوش والأساطيل… وتدمير العالم بأسره، أجبرته، وهو يتلوها من على منبر الأمم المتحدة، على حبس دموعه تأثراً أمام مئات الملايين من البشر. إنها الصورة الأمثل للمأساة في سوريا، وللشعور الإنساني المتمثّل بعرض ألِكس أن يصبح عمران أخاً له، يصطحبه إلى المدرسة ويعرّفه بصديقه عمر (مع ما يعني إسم هذا الصديق من عِبر)، ويلعبوا معاً. كبار هذا العالم ومديرو طواحينه الإنسانية، لا يأبهون للمآسي التي قد تكون بمعظمها إما من إخراجهم، أو بسبب تخاذلهم وتقاعسهم. وأطفالٌ من هذا العالم نفسه، خوالٍ من كل اقتدارٍ ما عدا نعمة المشاعر الإنسانية، يندفعون بمشاعرهم هذه لإثارة الضمير العالمي، وإنقاذ ما تبقى من الصفات التي تُميّز العنصر البشري عن كل الكائنات الحية فوق هذا الكوكب، وعلى رأسها المشاعر الإنسانية. إنه ألِكس الذي جسّدها بالأمس نيابة عن مئات الملايين من أطفال هذا العالم.

مشهد “المطحنة” البشرية السورية في مدينة حلب، يصوّر للمشاهد ليتذكّر مآسي حصار المدن عبر التاريخ، حين لم تكن الكاميرا موجودة، بتجويع أهلها وقطع المياه عن سكانها. لم تكن تلك المدن بحجم حلب، المئتين وخمسين ألفاً من المواطنين العاجزين المحاصرين. سكان صيدا المحاصرة، أو صور أو غيرها…. لا يتعدون الآلاف وقت الحصار. فالجريمة المرتكبة بحق ألف من المواطنين هي ليست بوقع تلك المرتكبة بحق المئة ألف. والحصار القديم وحده لا يُقاس بالحصار الحديث المرفق بالقصف اليومي بالطائرات وبراميل المتفجرات وأحدث ما وصلت إليه آلات القتل البشرية. وإذا كان الإسكندر المقدوني جاء إلى الشرق بهدف تثقيف الشعوب ونشر الحضارة والثقافة الهيللينية المتطورة في عصره، مصطحباً معه أرسطو وأقليدس… لنشر هذه الحضارة، فإن خامنئي جاء إلى حلب ومعه قاسم سليماني والحرس الثوري والحشد الشعبي وكل مرتزقة الأرض “المتطورين” جداً في عبقرية قتل الأبرياء، لإرهاب الشعوب وإخضاعها لقوانين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأقبية سجونها ودهاليز مخابراتها وساحات مشانقها. بالرجوع إلى 2350 عاماً إلى الوراء، تظهر إيران اليوم كم هي متخلفة عن ذلك القائد المقدوني وصحبه من الفلاسفة.

مشاهد حلب المدمرة بأحدث ما أنتجه الإنسان من أسلحة متطورة، وقبلها حمص والقصير، وعشرات المدن السورية، تدعو إلى التساؤل: ماذا يريد بشار الأسد وحلفاؤه؟ في الأصل كان يريد إخضاع كل سوريا لامتلاك السوريين، أما اليوم، وبعد أن عجز عن الوصول إلى حدود العراق وتركيا والأردن، فقد بات يطمح إلى إخضاع “سوريا المفيدة”، لتأسيس مملكته “الأسدية”، بحدودها البحرية من الغرب وحدودها المدنية (حمص، حماه، حلب، المدمرة كلها ضمناً) من الشرق، بعد أن سبق له ودمّر كل قرى وادي الغاب (أي وادي نهر العاصي) الفاصل بين هذه المدن ومملكته العلوية، لأن هذا الوادي يشكل الغنى الزراعي لـ”سوريته المفيدة”. فهل تحوّل الحلم الكبير للأسد إلى دويلة مركزها الساحل السوري، وتمتد بأصبعها إلى دمشق عبر مدينة القصير ومدن القلمون، التي شكلت باكورة عملياته التدميرية وتهجيره المذهبي في سوريا.

المأساة السورية باتت اليوم صنيعة النظام وحلفائه، وعلى رأسهم بوتين الباحث عن استعادة دور دولي مفقود، عبر دموع الأمهات وبكاء الأطفال وصور طفل سوري معذب إسمه عمران. لكن المسؤولية عن هذه المذبحة في سوريا، لا تتوّقف على أبواب الكرملين، إنما تتعداها لتدقّ بقوة أبواب واشنطن ولندن وباريس… ومعها الشعوب الحرة في العالم. لا يكفي أن يغصّ أوباما بدموعه في قاعة الأمم المتحدة على المأساة في سوريا، ولا أن يبكي وزير خارجيته على مشهد الطفل عمران، ولا أن تنتحب مندوبته إلى الأمم المتحدة سامانتا باور على صور الأمهات السوريات والتوجُّه بأقسى الإتهامات إلى روسيا، لا تكفي كل مظاهر الويلات والإحتجاجات أمام مشهد عمرانٍ واحدٍ في سوريا، بينما ملايين “العمرانيين” محرومون من لقمة العيش والدواء وتضميد الجراح، حتى من شرب المياه النظيفة. تعالوا يا كبار هذا العالم إلى لبنان، واشهدوا بأعينكم على الجريمة التي تتغاضون عنها،  إما بالتآمر أو التخاذل، و”تمتعوا” بوجود مئات الآلاف من عمران، لا مأوى لهم ولا ملبس ولا مدرسة، فقط لقمة مغمّسة بالذلّ ومطبوخة بنيران جحيم الحرمان والمرض.

قبل قرن بالكامل، حظّرت عصبة الأمم” المنبثقة عن ويلات الحرب العالمية الأولى، حظّرت استخدام الأسلحة الكيميائية بين الجيوش المتحاربة، فإذا بنظام بشار الأسد يستبيح استخدامها ليس على المقاتلين المعارضين فقط، إنما لقتل المواطنين العزّل داخل المدن بعد حصارها، على مرأى من قادة دول العالم؛ بعد مئة عامٍ من حظرها وعلى رغم أنف الأمم المتحدة (إبنة عصبة الأمم). كان الجنرال الأميركي ماك أرثر، الذي قاد جبهات القتال في الشرق الأقصى وانتصر فيها جميعاً، أشهر وألمع جنرال أميركي في الحرب العالمية الثانية. كان أفضل من الجنرال أيزنهاور لمنصب الرئاسة في أميركا، لكن خطأه الأكبر (وكان خطأً إنسانياً، أنه طلب من الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد الجيش الصيني في الحرب الكورية. هذه الهفوة الإنسانية قد تكون وراء إحجام الأميركيين عن ترشيحه للرئاسة الأميركية. فبماذا يتحدث قادة هذا العالم عندما يجتمعون في نيويورك، وللمرة الخامسة خلال المأساة السورية، وهم يشهدون على عملية اقتلاع شعب من أرضه في عملية تطهير مذهبي، غير مسبوقة بحجمها وتداعياتها في التاريخ المعاصر للشعوب، تستخدم فيها الأسلحة المحظّرة ضد المدنيين العزّل المحاصرين؟! فهل المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في حلب هم إرهابيون؟ وإذا كان في حلب المحاصرة عشرة آلاف إرهابي فهل يجوز قتل مئات الآلاف في جريرتهم؟!

قلوب قادة هذا العالم أصبحت من حجر. لكن الحجارة قد تبكي في صمتها. هكذا بكى أوباما ومعه القلوب المتحجرة في قاعة الأمم المتحدة في نيويورك؛ ولكن من دون أن يتعدى بعضهم الإدانة اللفظية لروسيا والنظام.

تاريخ الشعوب فوق هذا الكوكب، يؤكد أن عشاق الحرية، هم في النهاية منتصرون دائماً على آلات القتل والإضطهاد. لم يستطع الإتحاد السوفياتي عام 1968، وبكل جبروته، عندما اجتاح تشيكوسلوفاكيا، أن يحرم عشاق الحرية، في ربيع براغ، من التحرُّر. كذلك كان فشله في جورجيا عام 2008؛ وبالأمس في أوكرانيا. كلها شعوب لم تقايض الحرية بمغريات الدنيا، ولم تستطع آلة القتل إخضاعها أو استقطابها، إنما بقيت على إصرارها للوصول إلى رحاب الحرية. وحلب، هذه المدينة الجريحة، ومعها كل مدن سوريا، وهي إن ضعفت اليوم في غفلة من الأحداث، إلاّ أنها ستنتصر في النهاية على الأنظمة المدمنة على القتل والتدمير كسبيل سهلٍ للسلطة؛ وستنتصر على الإرهابيين معتنقي الجريمة. وحتى لو نجح النظام في إحراز بعض المكاسب على الأرض، فهل يمكنه الإفلات من عقاب مئات الآلاف من القتلى وذويهم، وملايين ضحاياه؟! كيف يمكن للنظام حكم أهل هؤلاء وأبنائهم وأحفادهم؟! من لا يأخذ العبر من التاريخ، يتخذه التاريخ عبرة لمن اعتبر. إنه طبيب العيون الذي لا شك في أنه سيكون العبرة التاريخية الأكثر نفوراً للظالمين. إنه بشار الأسد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version