إفتتاحية “المسيرة” – عون رئيساً؟… فعلها الحريري فماذا سيفعل “حزب الله”؟

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1579

كما عاد النائب سليمان فرنجية من باريس بعد لقائه الرئيس سعد الحريري في 17 تشرين الثاني من العام 2015 “رئيساً مع وقف التنفيذ بانتظار تأمين انتخابه رسمياً، هكذا تحول العماد ميشال عون رئيساً مع وقف التنفيذ بانتظار انتخابه بعد الإنعطافة السياسية التي أقدم عليها الرئيس سعد الحريري بالإنتقال “مبدئياً من تبني ترشيح فرنجية إلى تبني ترشيح الجنرال. ولكن هل ستذلل العقبات من أمام تحويل هذا الترشيح المبدئي إلى ترشيح فعلي لكي يتم انتخاب عون رسمياً ولا تصل العملية إلى ما وصلت إليه عملية ترشيح فرنجية؟

تعكس صور الوجوه صور الوضع السياسي. ما كادت تتسرب أخبار لقاء الرئيس الحريري مع النائب فرنجية في باريس حتى بدأ فرنجية يتصرف على أساس أنه الرئيس الذي سينتخب. لم يكن في نية الرجلين تسريب المعلومات قبل أن تتبلور الصيغة النهائية للترشيح ويتأمن الدعم الكامل لها ولكن سرعة انتشار الخبر حتمت تعاطيهما معه بجدية بعد محاولة نفيه الفاشلة. بدل التمهل اندفعا في الإعلان عن حركتهما.

في 25  تشرين الثاني 2015 كان النائب سليمان فرنجية نجم جلسة الحوار التي انعقدت في عين التينة. كانت الأنظار شاخصة إليه وقد بدا مغتبطاً إلى جانب النائب محمد رعد. بعد خروجه من الجلسة قال: “ليس الاجتماع بيت القصيد، فبيت القصيد هو من تقارب بين فريقين من أجواء مختلفة، فيلتقيا على نصف الطريق وكلنا لدينا قناعاتنا ولكن كلنا يجمعنا لبنان ولذا علينا التخلي والخروج عن التكبر ووضع مصلحة اللبنانيين كلها على الطاولة. هناك تقارب يحصل، والطروحات لا تزال في الكواليس، ولكن مع ثقتنا بأن الطرح جدي، لكنه حتى الساعة لا يزال غير رسمي، وعندما يكون الطرح رسمياً، نبني على الشيء مقتضاه. فنحن في 8 آذار الكل يعرف أن مرشحنا هو العماد عون، أما الجو الجديد فهو طرح من فريق 14 آذار وقد يكون من الرئيس سعد الحريري. وأكرر القول حين يطرح الأمر رسمياً، نرى كيف نتعامل معه ونحن نتكلم لغة واحدة مع الجنرال عون، وعلى تواصل مستمر ولا يعتقد أحد أن أي جو جديد عندنا لن يكون فيه الجنرال عون.”

لم يتوقع فرنجية أو الحريري أن يبدأ الإعتراض من “حزب الله” الذي لم يبادر إلى تبني تفاهمها الباريسي ورسم حوله الشكوك. مضى فرنجية في السير نحو بلورة الترشيح ليصبح جدياً فزار النائب وليد جنبلاط في كليمنصو في 2 كانون الأول 2015 ليخرج من عنده معلنا أن 8 آذار لن تذهب إلى الانتخابات إلا موحدة وأن “العماد ميشال عون أخ وصديق ونحن في فريق واحد ومشوارنا واحد”، مشيراً إلى “أنني لا أريد أن أحرق المراحل وكل شيء سيأتي في وقته والوفاق الوطني أهم من كل شيء”. مضيفا أنه “إذا ضاعت هذه الفرصة فسنصبح في مكان خطر جداً”، وبالنسبة للمسيحيين فإن كان لهم عذر مسيحي لرفضي فأنا سأمشي معهم لكن رفضي لمجرد الرفض فأنا لن أقبل به”.

الزيارة المنتظرة التي كان على فرنجية أن يقوم بها للعبور إلى الترشيح الجدي والفعلي كانت تمر حكماً في الرابية، إذ إن ترشيحه لم يكن بالإمكان ترجمته إذا لم يتم تخطي عقدة العماد عون. في 9 كانون الأول 2015 تمت الزيارة. كانت صورة اللقاء بين المرشح المنتظِر والمرشح المنتظَر معبّرة عن خيبات الأمل المتبادلة. عون لا يفهم لماذا تخطاه فرنجية بعدما فتح له بيته وتكتله. وفرنجية لا يفهم لماذا لا يفتح عون له الطريق وهو ابن بيته. كانت الوجوه باردة والكلمات قليلة حتى لا يطغى عليها العتب المتبادل. تمسك كل منهما بموقفه وافترقا ولم يلتقيا منذ ذلك التاريخ لتفصل بينهما جبال جديدة من الجليد والخلافات.

بين 9 كانون الأول 2015 و26 أيلول 2016 تاريخ لقاء الرئيس سعد الحريري مع النائب سليمان فرنجية في بنشعي مسافة نحو عشرة أشهر كانت كافية لتنقل صورة لقاء الرابية إلى بنشعي. لم يكن من السهل على رئيس “تيار المردة” أن يستمع إلى الرئيس سعد الحريري يتخلى عن ترشيحه ليفتح الباب أمام خيارات جديدة من بينها خيار انتخاب العماد ميشال عون. ففرنجية الذي دفع ثمن ترشيحه الذي بقي في إطار الإحتمال اعتبر أنه سيدفع أيضا ثمن التخلي عنه الذي صار جديًا أكثر من الترشيح ولا يمكن العودة عنه مع أنه كان يتوقع الوصول إلى هذه المرحلة. لذلك كان اللقاء باردًا ووجها الرئيس الحريري وفرنجية كانا كوجهي فرنجية وعون في الرابية.

في 18 كانون الثاني 2016 تبنى الدكتور سمير جعجع ترشيح العماد عون من معراب. ولكن الخطوة على أهميتها لم تفتح طريق قصر بعبدا أمام الجنرال. بقيت ورقة ترشيح فرنجية على الطاولة. تمسك “حزب الله” بخيار العماد عون من دون أن يطلب من فرنجية الإنسحاب. بقي الرئيس سعد الحريري على ترشيح فرنجية وحوّله من مسألة تكتيكية إلى خيار استراتيجي قبل أن يصل إلى المرحلة الحالية. الرئيس نبيه بري رفض عون بالمطلق. النائب وليد جنبلاط تحدث عن ضرورة التعاطي بإيجابية مع التوافق المسيحي حول العماد عون. احتاجت العملية نحو تسعة أشهر ليتخذ الرئيس سعد الحريري قراره بالتخلي عن ورقة فرنجية والإتجاه نحو تبني ورقة العماد عون. ولكن هل أتى هذا الإنتقال متأخرا؟ وهل سيؤدي إلى انتخاب العماد عون ويتحوّل من ترشيح مبدئي إلى انتخاب فعلي؟

إذا كان البعض توقع أن ينتخب فرنجية قبل نهاية العام 2015 انطلاقا من الزخم الذي أعطي لترشيح الحريري له، فإن البعض توقع أيضا أن يتم انتخاب العماد عون في جلسة 28 أيلول انطلاقا من الزخم نفسه الذي أعطاه إياه إسقاط الحريري لورقة فرنجية من الحسابات الرئاسية. ولكن لا يبدو أن المسألة بهذه البساطة.

فرنجية لا يريد أن ينسحب من السباق. يعتبر أنه ليس ورقة يمكن المقامرة بها وأن اسمه ليس للتداول بهذه الطريقة وأنه بالإمكان ترشيحه وتركه يخوض معركته ثم يتم التخلي عنه على رغم فهمه للظروف التي حملت الرئيس سعد الحريري على اتخاذ هذا الخيار. بالنسبة إليه إذا كان الحريري مضطرًا للتراجع والذهاب إلى خيار العماد عون فهذه المسألة تخصه وحده وهو ليس مضطرًا لكي يحرق نفسه ويظهر أن حضوره الرئاسي يتعلق بترشيح الرئيس الحريري. لطالما تحدث فرنجية عن الحيثية التي يمثلها ومنطلقا من هذه الحيثية تمسك بترشيحه. وبحسب التصريحات التي صدرت عنه وعن مسؤولين في “تيار المردة” يبدو أن العلاقة بينه وبين الرئيس الحريري قد تتدهور كما حصل بينه وبين العماد عون خصوصًا بعد نزول عضو كتلته النيابية النائب اسطفان الدويهي إلى جلسة 28 أيلول ليعلن فقط أن فرنجية متمسك بترشيحه وبعد إعلان وزير الثقافة روني عريجي أن الرئيس الحريري لا يمثل كل المكوّنات اللبنانية مكرراً أن فرنجية قال إنه ينسحب إذا اتفقت كل هذه المكوّنات على غيره، وقد كانت تغريدة فرنجية بعد تأجيل الجلسة الرئاسية إلى 31 تشرين الأول المقبل معبّرة عندما قال: “إذا اتفق سعد الحريري مع عون وسماه لرئاسة الجمهورية سيحصد نفس النتيجة حينما سماه أمين الجميل رئيسًا للحكومة في العام 1988.”

من المؤكد ربما أن هناك من يريد أن يمنع وصول العماد عون إلى قصر بعبدا. تأجيل جلسة الرئاسة إلى آخر تشرين الأول واحد من هذه المؤشرات على هذا الأمر. إما أن ينتخب العماد عون في ظل الزخم الذي يعطيه تخلي الرئيس الحريري عن ترشيح فرنجية، إما أن يتم تمييع الترشيح وإضاعته في غياهب الإتصالات والإستشارات. ربما تكون هناك جبهة لتحقيق هذه الغاية قوامها في شكل أساسي الرئيس بري والنائب فرنجية. فمن المعروف أن العماد عون لا ينزل إلى ساحة النجمة إلا إذا كان مرشحًا وحيدًا وانتخابه مضمون بالأكثرية العددية والميثاقية. ولذلك يبقى التأجيل في غير مصلحته. فماذا سيكون موقف “حزب الله”؟

لطالما أعلن أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله أن العماد عون هو الذي يجب أن ينتخب رئيساً للجمهورية. ولطالما دعا الرئيس سعد الحريري إلى تأييد ترشيحه وأعلن أنه لا يمانع في أن يكون رئيساً للحكومة بعد انتخاب عون. إذا كان الرئيس سعد الحريري فعلها على رغم كل الحذر الذي لديه من هذه الخطوة وأيد العماد عون، فما هي حجة “حزب الله” بعد في إقناع حليفيه الرئيس بري والنائب فرنجية بتسهيل انتخاب عون: الأول عبر تحديد جلسة قريبة للإنتخاب والثاني عبر سحب ترشيحه. إلا إذا كان “حزب الله” يحسب أن الرئيس سعد الحريري لن يجرؤ حيث تجرأ الدكتور سمير جعجع.

اللعبة تبقى في ملعب “حزب الله”. هل يريد العماد عون رئيساً أم لا؟ إلا إذا كانت التسريبات التي بدأت حول صفقة تمت بين الوزير جبران باسيل وبين نادر الحريري حول الحقائب الوزارية وحول حصة “القوات اللبنانية” واعتبار أن الدكتور جعجع هو عرّاب وصول العماد عون إلى بعبدا تعني أن رهان “حزب الله” سيبقى على الفراغ وأن العماد عون سيبقى في دائرة الإنتظار.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل