Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص “المسيرة” – واشنطن: هل أغار البنتاغون على الخارجية في سوريا؟

ينهي الرئيس الأميركي باراك أوباما عامه الثامن في ولايته الثانية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية بتركة ثقيلة لخلفه، بمعزل عمّا إذا كان جمهورياً أم ديمقراطياً. وهذه التركة مليئة بالملفات الداخلية والخارجية العالقة التي لم تشأ إدارة أوباما، عن قصد أو عن غير قصد، وضع سياسات وخطط واضحة لمعالجة أي منها، الأمر الذي يؤدي إلى إظهار صورة تراجعية للإدارة الأميركية على مختلف الأصعدة ولا سيما الدولية منها ويترك تبعات سلبية تلقي بثقلها على الإدارة المقبلة. فكيف ستواجه الإدارة الأميركية الجديدة هذا الوضع، وما حقيقة ما يقال عن خلاف في الاستراتيجيات بين وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين.

تجاه هذا الواقع، إما تزيد عزلة واشنطن على الساحة الدولية بناءً على قرار إستراتيجي إتخذه كبار مخططي السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، وما على الرئيس الجديد سوى تنفيذ هذا المخطط، أو أن أسلوب الرئيس المقبل، أكان دونالد ترامب أم هيلاري كلينتون، هو الذي سيفرض من جديد نمطاً مختلفاً من التعاطي مع القضايا الدولية، مع مراعاة مبدأ أساسي تعتمده السياسة الأميركية بثبات، وهو “عامل المصلحة” الذي يزاوج بين المصلحتين القومية والأمنية الأميركية، فكلما كانت المصلحة بتوسيع الدور كلما شهدنا دخولاً أو تدخلاً أميركياً في العالم، وعندما تقتضي المصلحة بإتباع سياسة الانكفاء والتدخل المحدود، كما هو حاصل حالياً، عندها قد لا نشهد أي تغيير في  سياسة الرئيس الجديد للولايات المتحدة على مدى الأربع سنوات المقبلة.

هذا التراجع الواضح والمطبق حالياً بالنسبة للتعامل مع الحرب السورية، دفع بكبار الباحثين الأميركيين إلى القول إن سياسات باراك أوباما الخارجية جعلت الولايات المتحدة تصبح خارج التأثير الفعلي في هذه الحرب، على الرغم من بعض الأحلاف الجزئية والتدخل الميداني الخفيف بحدوده الجغرافية، وبتوقيته وبهدفه المحدد، وقد أدى الهجوم الشامل للقوات السورية والروسية على المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة في مدينة حلب إلى وضع الاتفاق الروسي الأميركي الأخير حول وقف الأعمال القتالية، في مهب الريح على الرغم من المحاولات التي بذلت في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعادة العمل به، ودفعت أيضاً بالمعارضة السورية التي توصف بالمعتدلة بشقيها العسكري والسياسي إلى عدم الإلتزام أولاً بمضمون وقف الأعمال القتالية، وثانياً بإسقاط العملية السياسية من حساباتها بعدما ثبت أن مفاوضات جنيف كانت عبثية استفاد منها نظام البعث في سوريا بدعم من حليفه الروسي بتقوية وضعيته على الأرض في غير منطقة، ومواصلة التنفيذ العسكري لخطة الترانسفير للمناطق ذات الغالبية السنية بتهجيرها نحو الداخل أو إلى الخارج تمهيداً لجعل منطقة التماس العلوية منطقة صافية ذات لون طائفي واحد أو حتى بلا لون تنتظر تعبئتها ديمغرافياً كما حصل في منطقة داريا، بحيث شكل الاستعراض الأخير الذي نفذه رئيس النظام السوري بشار الأسد حين أدى صلاة عيد الأضحى في مسجد المدينة الخالية تماماً من السكان، دلالة واضحة ومؤلمة للخطط الدموية التي يقوم بها هذا النظام بتوطئة ودعم واضح من قبل إيران وروسيا.

خلاف البنتاغون والخارجية

ومع مشاركة موسكو المباشرة في الهجوم العسكري المتجدّد على حلب يتلاشى الأمل في جهود السلام الأميركية ـ الروسية مما يزيد احتمالات أن يرث خليفة الرئيس أوباما صراعا متفاقماً ليس فقط في الأرض السورية، بل في ما يتصل بجزء منه في صلب السياسة الأميركية. فقد أدى الاتفاق الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأميركية جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف حول الحد من العمليات القتالية في سوريا، إلى تظهير الانقسام على نحو متزايد إلى العلن، بين  كيري ووزير الدفاع أشتون كارتر، الذي أبدى صراحة تحفظات عميقة وبالغة الدقة حول خطة مشتركة بين القوات الأميركية والروسية لاستهداف الجماعات الإرهابية. وقد جاءت الغارة – المقصودة أم غير المقصودة – ضدّ قوات الأسد قرب دير الزور لتبرهن من جديد أن إتفاق الضرورة بين كيري ولافروف حول سوريا لم يكن في محله في ظل التحفظات الرسمية التي أبدتها وزارة الدفاع الأميركية على هذا الاتفاق، وهذا الأمر دفع بوزير الخارجية الروسي في ذروة الإشتباك الدبلوماسي بينه وبين السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سامنتا باور على خلفية الاتهامات بقصف قافلة المساعدات الانسانية إلى شمال حلب، دفع به إلى القول صراحة: “إننا نريد أن نعرف من يحكم أو يتخذ القرار في واشنطن وزارة الخارجية أم وزارة الدفاع”؟

وتكشف المعلومات أن وزير الدفاع الأميركي لم يكن وحده من بين المسؤولين في الادارة الأميركية الذين ضغطوا ضد الاتفاق مع روسيا في مؤتمر مغلق عبر الهاتف مع البيت الابيض ضدّ كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع، لكن في نهاية المطاف أعطى الرئيس أوباما لوزير خارجيته الضوء الأخضر لإعلان الاتفاق وسط قناعته بأن العسكر سينصاع في نهاية المطاف للقرار السياسي، مع الأخذ في الاعتبار شكوك ومخاوف وزير الدفاع حول مدى التزام الجانب الروسي بالاتفاق لجهة وقف الأعمال القتالية، أو لجهة رفض أي تعاون عسكري مع الروس، وقد أثبت التصعيد الدامي في حلب صحة هذه المخاوف والشكوك.

وبحسب المعلومات أيضاً فإن من أبرز عوامل القلق الذي أبلغته وزارة الدفاع الأميركية على الاتفاق مع روسيا، هو رفض الوزارة أي تبادل للمعلومات الإستخباراتية مع روسيا التي يمكن أن تكشف كيف أن الولايات المتحدة تستخدم المخابرات لإجراء الضربات الجوية، وليس فقط في سوريا بل في أماكن أخرى، وهذا الأمر سيصب في نهاية المطاف لصالح موسكو التي قد تستخدم ما تعرفه من معلومات إستخاراتية في تزايد حدة المواجهات البحرية والجوية مع دول البلطيق وأوروبا. ولكن فريق المستشارين المقربين من الوزير كيري دافع عن الاتفاق بالقول إنه لا يمكن النظر إلى روسيا من زاوية الحرب الباردة السابقة، بل إن روسيا تسعى أيضاً لمعالجة الحرب السورية، لكي تقصِّر مدة تدخلها المباشر في الحرب هناك.

وهكذاَ يشكل إتساع الفجوة بين كيري وكارتر في شأن عدد من القضايا ، صورة عن مكامن الصراع حول سياسة أوباما في شأن سوريا. وعلى الرغم من وقوع  الرئيس الأميركي تحت مرمى نار الانتقاد لرفضه التدخل بقوة أكبر في الحرب الأهلية السورية، ولكن القرار السياسي بتجنب الدخول المباشر على خط الأزمة السورية، هو الذي سيستمر منذ الآن وحتى نهاية العهد الحالي، وحجته في ذلك أن إدخال أعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية إلى سوريا قد يخلق أيضا مساحة لروسيا للقيام بدور أكبر هناك، سواء في ساحة المعركة أوعلى طاولة المفاوضات.

ويرى بعض مسؤولي المخابرات الأميركية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستغل رفض أوباما التدخل عسكريا في سوريا والفترة الانتقالية من رئيس لرئيس في الولايات المتحدة حتى يسيطر على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي قبل أن يتسلم الرئيس الأميركي الجديد منصبه، ويضاف إلى ذلك أن روسيا لم تشارك بإخلاص في جهود صنع السلام وأن بوتين يهدف لإضعاف المعارضة في أسرع وقت ممكن وهو هدف ينجح تدريجيا في تحقيقه.

تركة للرئيس المقبل

عبّر فريدريك هوف مستشار أوباما السابق لشؤون سوريا وهو مدير مركز رفيق الحريري لشؤون الشرق الأوسط، في المجلس الأطلسي للأبحاثAtlantic council، عن اعتقاده بأن مسار النزاع في سوريا سيطول، وقال “بالنسبة للرئيس المقبل، ستكون هذه مشكلة من الجحيم منذ اليوم الأول… إنها مشكلة ستظل قائمة بشكل أو بآخر خلال الفترة الأولى للرئيس المقبل وربما بعد ذلك.”

في حين أقرّ مسؤول أميركي صراحة، بأن خطط البيت الأبيض لكبح الفوضى في سوريا أثناء ترك أوباما للرئاسة قد فشلت، لفت إلى أن المسؤولين الأميركيين ومخططي السياسة الخارجية كانوا يأملون في أن يتمكنوا من تجنيب الرئيس المقبل فوضى متأججة، لكن ما حدث هو أن الفوضى المتأججة انفجرت ويتعين عليهم الآن التفكير في ما سيفعلونه في المدى المنظور.

وقد سعى أوباما لتقييد التدخل الأميركي في سوريا ورفض مرارا اقتراحات مستشارين من بينها إقامة منطقة حظر جوي أو تسليح المعارضة المعتدلة التي تحارب للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.

وقال خبراء إن أوباما لم يعد بإمكانه التعويل على التوصل لوقف إطلاق نار يخفي الأزمة لحين أداء خليفته اليمين الدستورية في العشرين من كانون الثاني المقبل، حيث أعرب تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط للأبحاث عن شكه في أن يتبع أوباما سياسة أكثر نشاطا. وقال: في ضوء موقف إدارة أوباما في ما يتعلق بالطريقة التي تواجه بها الحرب في سوريا لا أتوقع تغييرا في الاستراتيجية. سيكون ذلك أكبر تغيير غير معتاد في السياسة الخارجية في الأعوام الثمانية الأخيرة”. وأضاف: “إن قادة المعارضة يشعرون بخذلان متزايد بسبب الجهود الأميركية للتفاوض بشأن حل دبلوماسي مع أكبر داعم عسكري للأسد”.

في ضوء كل ما تقدّم، لخص أحد المسؤولين الأميركيين السابقين الذي تابع السياسة الأميركية المتعلقة بسوريا، سلوك الإدارة الحالية تجاه سوريا بأن أشار صراحة إلى أن هذه الإدارة ركزت دائماً على “عواقب التحرك” في سوريا وإنعكاساته ولم تسأل نفسها يوما عن “عواقب عدم التحرك”، وكان يجب على هذه الإدارة أن تفكر كذلك في تأثير عدم فعل شيء لسنوات على مصداقية الولايات المتحدة والصراع على نطاق أوسع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version