
كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1579
لن نسميهم مجموعة عبدة شيطان لأنهم ببساطة ليسوا كذلك. لن نتهمهم بتعاطي المخدرات داخل المخيم المفترض أن يكون بحسب تعريف مجموعتهم بإسم “سايترنس” مساحة للهروب من الواقع عن طريق أسلوب عيش في الطبيعة. فالعودة إلى الطبيعة لا تعني البقاء ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في حال من الوعي شبه الكامل والتمايل على نوع موسيقى يعجز العقل البشري والجهاز العصبي عن تحملها.
لن نحكم على المظهر الخارجي لرواد المخيم وسنسلم جدلاً بأن التحرر من قيود وضوابط المجتمع مرحلة عابرة في عمر الشباب لكن الرموز المطبوعة على جباههم وأجسادهم وحتى الأشكال المتدلية من الخيم التي تنتشر على مساحة أرض المخيم تحوِّل الفرضية إلى شك أقرب إلى اليقين.
لن نصدر أحكاماً على من أعطى الإذن باستئجار أراضٍ بعضها مسجلة بأسماء أوقاف مسيحية تم تأجيرها لمستثمرين لأن أصحاب الأرض أو مستأجريها قبضوا مبالغ عالية مقابل تشييد الشركات المنظمة مخيما لمدة 3 أيام وربما أكثر. فهم ربما لم يدخلوا في التفاصيل وهذا عذر أقبح من ذنب خصوصاً ان التوقيع الأول حمل ختم محافظ جبل لبنان.
لم ولن ولن… لأننا حتماً لسنا من أصحاب الأقلام الصفراء. لكن وبعدما تحول هذا النوع من المخيمات إلى قضية رأي عام بات من حقنا وحق كل من صدمته صور ومشاهد الحفلات التي أقيمت على مدى ثلاثة أيام وليال في مخيم hexaplex festival”” الذي أقيم في أحد المناطق الجبلية في منطقة كسروان وسبقه أربعة مخيمات مماثلة والخامس في موعد قريب جداً وحدد مكانه في منطقة الدامور أن نسأل: “من سمح بإدخال هذه الظواهر والبدع التي لا تمت إلى ثقافتنا وتربيتنا وأخلاقياتنا بصلة؟ من قال إن طرح علامة استفهام والإعتراض على دس مخيمات مماثلة في مجتمعاتنا يعني قمع حرية شبابنا؟ ومتى كانت الحرية عبودية لكل مظاهر التفلت والولوج إلى عالم الهلوسة؟ لماذا اختار منظمو حفلات ومخيمات مماثلة زرعها حصراً في مناطق مسيحية؟ أين مسؤولية القيمين على إعطاء أذونات بإقامة مخيمات وتنظيم حفلات فنية؟
جلّ من لا يخطئ؟ ربما. لكن غلطة الشاطر بألف. فكيف إذا كانت تهدد مجتمعا بكامله وتقضي على ما تبقى من القيم والأخلاق فيه؟ والأهم أين دور العائلة ومفهوم العيلة القائم على أساس السهر على مشوار عمر الأولاد؟
قلتم “hexaplex festival”؟ الدعوة وصلت وجوابنا: “لكم سهراتكم وثقافتكم وموسيقاكم ولنا ثقافتنا وقيمنا ودبكتنا ومخيماتنا. فاتركوا شبابنا”!
ثمة من سيهمس: “البلد على حافة الإنهيار. فراغ رئاسي، مؤسسات الدولة في شلل وصلت في غالبيتها إلى حد التعطيل، الوضع الإقتصادي على قاب قوسين من الإنفجار وأنتم تثيرون قضية “hexaplex festival”؟ كلام يصح في هذا الزمن الذي تحول فيه مفهوم الدولة إلى فراغ رئاسي وفساد في مؤسساتها. لكن مجرد الدخول إلى صفحة هذا النوع من المهرجانات الصيفية التي بدأت تجتاح مجتمعنا اللبناني عموماً وأراضي الأوقاف المسيحية تحديداً تذكّرنا كلاما حفر في الذاكرة وكنا فكرنا أننا في منأى عنه: “إذا أردتم هدم مجتمع ما عليكم إلا أن تقضوا على عنصر الشباب فيه” تذكرونه حتماً، والثابت أننا ما عدنا في منأى عنه.

ما هي حفلات الـhexaplex festival؟
قلة من الإختصاصيين في علم الموسيقى تتقن تفاصيلها وأصولها التاريخية والفنية. نغوص أكثر في البحث: هو أسلوب حياة حديث يعرف بإسم”psychedelic trance” بدأ مع نزوح جماعات الـ”غووا” في الهند إلى مجموعات من الهيبيين في مرحلة الستينات وبدأ يتطور تدريجاً بعدما تعرفوا من خلال لقاءاتهم التي كانت تتم في احضان الطبيعة إلى طقوس وممارسات تحتفي بالله والحياة وإلى حركات دينية مثل الهاري كريشنا وأدخلهم عالم التأمل التجاوزي من خلال ممارسات مختلفة ومنها المهاراتشي. ووجدت هذه الحركات التي رفضت أسلوب حياة النظام الرأسمالي في مساحة العيش مع جماعات الـ”غووا” البيئة الأفضل لبناء مجتمعها المصغر لتعيش فيه وفق الأسلوب الذي يشبهها بحيث كانت تمضي اوقاتها في إقامة الحفلات الموسيقية إحتفاء بالحياة الحرة. وتقوم هذه الحفلات على مجموعة تطلق على نفسها إسم “سايترنس” أي العودة إلى الجذور من هنا تعتمد على الطبيعة كمساحة لإقامة حفلاتها ومشاركة كائناتها بهدف الهرب والإبتعاد عن عالم الفوضى وروتين الحياة وضغوطها النفسية والمادية. كما تدعو هذه الجماعة إلى التحرر من عبودية الحياة المعاصرة عن طريق اللجوء إلى الطبيعة وممارسة طقوس معينة.
ويعتمد أسلوب “السايكدليك ترانس” على الرقص في أحضان الطبيعة على مدى أيام وليالٍ متتالية على وقع موسيقى “التيكنو” و”الترانس” تؤديها مجموعة من الـ”دي جي” من دون تعب أو ملل. وتتخلل المهرجان ورش عمل فنية وندوات عن الطبيعة ومستقبل الإنسان. ويعبّر روّادها عن وجودهم “من خلال اختيار أزياء غريبة فيما ينصرف البعض الآخر إلى التأمل في الطبيعة للعودة في نهاية المطاف إلى الحياة بطاقة متحررة من العبودية التي ترسخها المجتمعات الحديثة” بحسب توصيفهم.
تحمستم؟ إلى هنا لا شيء يدعو إلى الشك. لكن مجرد قراءة إحدى التدوينات التي نشرت على إحدى الصفحات الخاصة بهذا النوع من الحفلات التي أقيمت في إحدى المناطق اللبنانية ندرك أن الشيطان يكمن في التفاصيل. نقرأ: “النور يتلاشى، أفراد حوّلتهم الآلهة إلى كائنات أشبه بالذئاب التي تحوم حول فريستها، الحرية. مصابيح الأشعة فوق البنفسجية، تغيّر الوجوه إلى كائنات خارجة من العالم السفلي، تجذبها أقنعة خشبية تنتمي لقبائل الأدغال، عليها رسوم ساحرة تعكس حياة مختلفة لدى كل التفاتة… قد تناديك أصوات وذبذبات من بقعة قريبة تعرف بإسم “تشيل آوت” فتأخذك قدماك اللتين اختارتا مساراً مختلفاً عن مشيئة دماغك، وتمشي في الضباب الكثيف حتى تصادفك رسمة ماندالا تحادثك بألوانها الفاقعة فتأخذ ألواناً عشوائية وتنضم لجلسة تلوين، أشبه بتنويم مغناطيسي. ويناديك الصوت مجدداً من مكان قريب فتقف وتكمل طريقك لتقع على أشخاص يمارسون اليوغا والتأمل”…

رب قائل “أين يكمن الشيطان؟ وما هي الحالة الغريبة أو الطقوس التي تضرب ثقافتنا وقيمنا الإجتماعية في هذا النوع من الحفلات او الكلمات التي لا تؤثر إلا في النفوس الضعيفة”؟. أين الخطر في سماع موسيقى”البسيكدليك ترانس” على مدى ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ خصوصاً أن هذا النوع تحديداً كان يستعمل قديماً كعلاج نفسي للأشخاص الذين يرفضون الإستشفاء بالأدوية والعقاقير نظراً إلى تأثيره الإيجابي على الأعصاب؟ الجواب يوضحه إختصاصي في علم الموسيقى ويقول: “من الواضح ان هذا التعريف بموسيقى “البسيكدليك ترانس” لا تشوبه أخطاء، لكن المؤسف انه مع الزمن تم تحويل هذه المادة الشافية إلى مادة سامة ذات انعكاسات خطيرة على المستمع كونها تصيب الجهاز العصبي والإدراكي، وتنقل المتلقّي من العالم الواقعي إلى الخيال والهلوسة المليء في العادة بالصور البعيدة عن العقل والمنطق وتدخله في عالم اللاوعي. كما تتغلغل هذه الموسيقى إلى العقل الباطني لتغيّر برمجته الداخلية بطريقة سلبية تهدم القيم والمبادئ السليمة، وتؤدي إلى خلل نفسي وانفعالي تظهر ملامحه بفقدان التركيز والتهور والعصيان والتمرد. ولا يخفي الإختصاصي في علم الموسيقى الذي يسحر عشاق موسيقاه “أولديز” إلى وجود ارتباط وثيق بين هذه الموسيقى والمخدرات “إذ يستحيل على مطلق اي فرد البقاء 3 أيام و3 ليالٍ وهو يستمع إليها من دون ان يكون تعاطى نوعاً من المخدرات أو أفرط في شرب الكحول لافتاً إلى أن هذا النوع من الموسيقى يضاعف سرعة نبضات القلب لتتماشى مع سرعة إيقاعها ويتمكّن بالتالي من استيعابها والتمايل على أنغامها والغوص في أعماقها.

منظم إحدى حفلات hexaplex: “إذهبوا وعاينوا”
الدخول إلى مخيم”hexaplex festival” غير مرتبط بشروط. هكذا يقول منظم إحدى الحفلات التي أقيمت في منطقة كسروان وعلى أرض تابعة للأوقاف المسيحية بعد استئجارها من مالكها. يكفي أن تسجل إسمك عبر موقع الشركة على الإنترنت وتدفع مبلغ 120 دولاراً عند مدخل المخيم لقضاء 3 أيام وليالٍ من الرقص المتواصل على أنغام التيكنو والترانس وتتمايل على وقعها وأنت تشرب الكحول وتتناول ما طاب ولذ من الطعام. ولكل طلبية سعرها. ليس هذا وحسب على ما يقول او يوضح المنظم: “هناك ورش عمل وندوات وحلقات تعارف بين رواد المخيم خصوصاً ان هناك عدد لا يستهان به من الأجانب والعرب. لكن لا أعلم ما هي خلفيات هذه الحملات المنظمة التي شنت في حقنا. هل خسر أحدهم اتصالاً واستوضح منا المعلومات والتفاصيل بدلاً من ان يشنوا هجومهم المبرمج علينا ويتهموننا بتعاطي المخدرات وممارسة طقوس شيطانية ونشر الفساد في المجتمع اللبناني؟ كنا نتمنى لو سمعنا من المسؤولين عن السياحة كلمة شكر لأننا ساهمنا في جذب نحو 200 سائح من الولايات المتحدة واوروبا والشرق الأقصى والعالم العربي. 200 سائح جالوا في المناطق السياحية وحركوا القطاع ألا نستحق كلمة شكراً على ذلك؟ هم اتهمونا بأننا استقطبنا سياحاً عرب وحسب من سوريا والعراق ومصر هذا افتراء….”.
لا أحد اتصل أو سأل؟ نحن فعلنا لأن المطلوب إحاطة الموضوع الذي تحول إلى قضية رأي عام من كل الجوانب. نغوص في التفاصيل ويتوسع هامش الأسئلة أكثر فأكثر. ويجيب المصدر: “رواد المخيم كانوا من كل الجنسيات وليس من جنسيات عربية وتحديداً سورية وعراقية كما تم الترويج عبر بعض وسائل الإعلام، أما قيمة الإنتساب فمحددة من قبل شركتنا بـ 120 دولاراً وهذا المبلغ يراوح بين شركة وأخرى، لكنه لا يشمل الأكل والشرب في الداخل”. نسأل: ماذا في الداخل ومن يراقب؟: “لو صح ان هناك غيارى على الشباب اللبناني لكانوا طرقوا باب المخيم وسألوا. في المخيم كان هناك نحو 1500 شخص من كافة الفئات العمرية حتى انه كانت توجد عائلات. صح أنهم أمضوا 4 أيام وليالٍ وهم يرقصون ويتمايلون على موسيقى الروك والتيكنو والترانس لكن لا صحة لوجود منشطات او تعاطي المخدرات. بدليل انه كانت هناك عناصر تتولى عملية تفتيش حقائب رواد المخيم عند المدخل في اليوم الأول”. لكن ماذا عن باقي الأيام ومن يؤكد عدم تعاطي او الترويج للحبوب المخدرة والمنشطات لا سيما داخل الخيم؟… لا جواب. لكن الإستطراد يقطع الطريق امام السؤال التالي” مين قال إنو رواد المخيم ما بيناموا وبيتحمموا وبياكلوا وبيشربوا؟ بالمخيم كان في 15 كشك وميني ماركت ومحترف للرسم لأنو منعلم المنتسبين على رسم الماندالا اللي هيي نوع من اليوغا. ما شافو من المخيم إلا الشرب وطريقة لبس الشباب ورقصن… نحنا جماعة منتعاطى الفن ومنساعد الشباب من خلال هالمخيم على إعادة شحن أنفسهم بالطاقة الإيجابية من خلال ورش العمل والمحترفات الفنية والندوات اللي منعملا على هامش المخيم”. “من خلال الرقص المتواصل على أنغام موسيقى التكنو والترانس؟” نسأل ويجيب المنظم: “وين الغلط؟ هيدا فن عالمي بس الظاهر إنو هالبلد ما بيستوعب هيك مظاهر حضارية. وعم فكر إرجع ضب شنطتي وإرجع ع كندا”.
قبل 8 أعوام انطلقت مهرجانات السايكدليك ترانس في لبنان وكانت تتولى شركات خاصة تنظيمها وتعتمد في غالبيتها على الموسيقى الإلكترونية وصولا إلى “hexaplex festival”. لكن الثابت أن هذه الحركات التي وجدت سابقاً في شاطئ غووا متنفساً لأسلوب عيشها لم تلق ترحيباً إلا في المناطق المسيحية “أساساً ما فكرت روح على مناطق ذات طابع إسلامي لأنو ما بدي وجع راسي وبعرف سلفاً إنو هونيك ما راح يسمحولنا بالشرب وما راح يتقبلو أسلوب حياتنا”. نفهم من ذلك أن البديل كان في مجتمعات المناطق المسيحية بهدف تشويه صورتها وتغيير هويتها وثقافتها؟ “إطلاقاً”، يجيب منظم الحفلات، “هناك رخصة قانونية موقعة من محافظ جبل لبنان نحصل عليها وبموجبها نقيم الحفلات في المخيم على الأرض التي نستأجرها من أصحابها بعد إبلاغهم بطبيعة المخيم ويكون رئيس البلدية والمختار وحتى كهنة الرعية على علم بذلك”. وهل يتم إيداع تفاصيل نوع الحفلات لدى الدوائر الرسمية قبل الحصول على الرخصة والأذونات؟ “كلن عندن علم وخبر بطبيعة حفلاتنا وأساساً شو فيا شي غلط؟ رقص وشرب كحول؟ مش غلط. ومن يتهمنا بإقامة شعائر وطقوس شيطانية فليتفضل ويشاركنا في المخيم ويثبت لنا ذلك”.


كاهن الرعية: “أنا ضد. وأحمل محافظ جبل لبنان وصاحب الأرض والأهل المسؤولية“
“قد لا يكون هناك أي من هذه المظاهرالتي اثارت الرأي العام وربما توجد. لن نجزم ولن ندين أحداً. لكن لا الشكل ولا أسلوب الحياة المعتمد داخل هذه المخيمات يشبه ثقافتنا ويمت إلى هويتنا وتراثنا بصلة. ومن عاش ايام مهرجان التراث والضيعة على الأرض نفسها التي شهدت فصول مخيم الـ”إيكزابلكس” في احدى المناطق الكسروانية يفهم أسباب هذه النقزة والإرتدادات التي خلفها. صح أن بعض ردات الفعل كانت عشوائية “بس بدنا نتفهم موقف الأهالي”، يقول كاهن رعية البلدة الكسروانية ويضيف: “من الآخر أنا ضد هذا النوع من الحفلات والمخيمات التي تضرب مجتمعاتنا في الصميم وتتعارض مع خط الرعية. قبل أسابيع اضأنا بلدتنا على مدى 3 أيام وليالٍ بمهرجان الحرف والتراث وعرفنا الزوار على ثرواتنا الفكرية والتراثية وغنى الشباب ورقصوا الدبكة على انغام الدلعونا كما على انغام الموسيقى العصرية. بس كل شي كان بيشبهنا وبيشبه جو العيلة اللبنانية. اليوم شو عملولنا بهالمخيم؟ ولماذا سمح محافظ جبل لبنان بإقامته بموجب رخصة قانونية؟ حتى صاحب الأرض التي استأجرها من الوقف مسؤول وقد واجهته في ذلك. نستوضح: “ثمة معلومات تحدثت عن إمكانية تعاطي رواد المخيم المخدرات. يجيب الكاهن: “أنا ما شفت شي وما فيي اتهم حدا. بس بدي إسأل كيف ممكن إنسان يمضي 3 أيام وليالٍ هوي وعم يشرب ويرقص من دون ما يكون عم يتعاطى أي نوع من المنشطات”؟.
رئيس البلدية والمختار نفيا علمهما بتفاصيل المهرجان واكدا انهما اخذا علماً وخبراً بإقامة مخيم موسيقي وبإذن رسمي وخطي من المحافظ وقائد درك منطقة جبل لبنان. مع ذلك المسؤولية تقع على الجميع. فهذه الحرب التي تطال فئة الشباب هدفها بحسب كاهن الرعية خرق مجتمعاتنا تحت غطاء موسيقي، وضربه لاحقاً في العمق من خلال البدع والممارسات الخارجة عن ثقافتنا ودس السموم في اجساد شبابنا وإدخالهم في عالم الهلوسة والفراغ والجريمة”. وسأل: “هل اطّلع المحافظ على تفاصيل المخيم قبل ان يمنح اصحابه إذناً رسمياً بإقامته؟ وهل يدرك قائد الدرك في منطقة جبل لبنان ما جرى ويجري في هذه المخيمات التي قيل إنه على علم بإقامتها؟ أين الأهل الذين يسمحون لأبنائهم وبناتهم بقضاء 4 و5 أيام خارج المنزل من دون ان يزوروهم في المخيم الذي يرتادونه؟ وهل مسموح ان تأتي والدة إحدى الفتيات التي كانت في المخيم لتسأل عن موقع المخيم في يومه الأخير لتقلها إلى البيت؟

يتابع الكاهن: “الكل مسؤول بدءا من الدولة والمعنيين فيها مروراً بالأهل وصولاً إلى الكنيسة. نعم الكنيسة مقصرة لهيك راح ناخذ على عاتقنا مسؤولية التعاطي بإيجابية مع هالبدعة ومن منظار رعوي تا نوعّي شبيبتنا على الحرب الجديدة اللي عم تجتاح مجتمعاتنا تحت غطاء إنفتاح وتحرر وإنعتاق من عبودية الواقع للدخول في نفق عبودية الإدمان على بدع وعادات وعلى المخدرات”.
لهم موسيقاهم ولنا موسيقانا. لهم الروك والبيتس والترانس ولنا ايضاً هذا النوع من الموسيقى لكن لدقائق وربما لساعات معدودة. وأيضا لنا فيروز والرحابنة والهوارة والدلعونا والموسيقى العصرية التي اخترقت عالم الأغنية اللبنانية. لهم بدعهم وثقافتهم ورموزهم و”نجومهم”، ولنا ثقافتنا وتربيتنا وأصالتنا اللبنانية التي لن نخجل بها طالما اثبتت جدارتها في العالم وإبداعها في كل المجالات.
أبناء حرية نحن؟ صحيح لا بل أربابها وتسليط الضوء على بدعة حفلات الـ”إيكزابليكس” لا يعني التقوقع والعودة في الزمن إلى الوراء. لكن مجرد ان تتحول الظواهر والبدع المخبأة وراء الجدران وداخل الأوكار المفترض ان تكون من مسؤولية شرطة الآداب ومكتب مكافحة المخدرات إلى بدع تعيش في خيم في احضان الطبيعة وتجذب فئة الشباب تحت ستارة التحرر من عبودية الواقع وضغوط الحياة، مجرد حصول ذلك يعني ان حرباً جديدة على الأبواب، والمواجهة باتت حتمية، وعسكرها على جبهات الحياة موزعون بين الأهل اولاً والأجهزة الأمنية والرسمية في الدولة والكنيسة اولاً وآخراً.
عندما قرر رئيس حزب”القوات اللبنانية” سمير جعجع تبني قضية محاربة الإدمان على المخدرات من خلال الحملات والندوات التي تقام بالتعاون مع جمعيات مكافحة المخدرات لم يكن ذلك إلا لأنه أدرك أن هذا السلاح أخطر وأكثر دماراً كيف لا وهو يطال فئة الشباب.
نختم على وقع دعوة جديدة لحفلة “إيكزابليكس” في منطقة الدامور مطلع الشهر الجاري. فهل يمنح محافظ جبل لبنان منظميها الترخيص؟ وإذا سبق الفضل، هل ستكون هناك تدابير أمنية متخذة من قبل شرطة الآداب ومكتب مكافحة المخدرات والبلدية داخل المخيم. اللهم إننا بلّغنا.
مونس: “اتركولنا ولادنا“
بين معارض بشكل خشبي لهذه البدع وهذا النوع من الحفلات التي لا تمت إلى ثقافتنا وعاداتنا بصلة، ومن يفضل معالجتها بشكل علمي وبعيداً من صخب الإعلام، ومؤيد لها تحت ستارة الحرية والتحرر ومسؤولية الفرد انقسمت الآراء في موضوع حفلات “الإيكزابليكس”. لكن ما لا يقبل الجدل انها بدعة جديدة تضرب المجتمع اللبناني في العمق وتحديداً المسيحي خصوصاً انها لا تقام إلا في مناطق مسيحية، علماً ان رواد المخيمات من كافة الطوائف. الأب الدكتور يوسف مونس أصر في البدء على التعريف بأن موسيقى “البسايكدليك” كانت تستعمل كعلاج بديل من العقاقير التقليدية إلا أنها مع الوقت تحولت إلى سموم تنخر اجساد اولادنا وشبابنا وتهدد مجتمعنا بالإنهيار. وحمل المسؤولية إلى المعنيين في أجهزة الدولة الذين يمنحون منظمي هذا النوع من الحفلات التراخيص عن علم او من دونه بما يحصل في الداخل وأصحاب الأرض الذين يقبضون بدل الإيجار غير آبهين بالتداعيات.
نسأل: “ما الذي يدفع الشباب اللبناني اليوم للجوء إلى عالم البدع والإنخراط في جماعات لا تمت إلى ثقافته وتربيته بصلة؟ ويجيب: “شبابنا اليوم يعيش حالاً من الغربة عن الوطن الغارق في متاهات الفراغ الرئاسي والأزمات الإجتماعية والبطالة والفساد. حتى الخطاب الديني ما عاد يستجيب لطلباتهم ويجيب عن أسئلتهم وهواجسهم على رغم الحركات الشبابية التي تنظمها الكنيسة داخل الرعايا واللجان الأسقفية التي تلقي الضوء على دور العائلة والشباب. كل هذا يدفع بالشباب إلى التفتيش عن مساحة تملأ الفراغ الذي يعيشه ونحن لا نعارض الحفلات الموسيقية في المطلق شرط أن تكون ضمن حدود الآداب العامة والحياء. فالموسيقى لا تتطلب من عشاقها التعري واحتساء الكحول على مدى 3 ايام وليالي وربما تعاطي نوع من المخدرات ليتمكن “عشاقها” من السهر والصمود. الموسيقى ثقافة وتربية وليست انعتاقاً وتحرراً من الواقع والخضوع في المقابل لعبودية الجنس والمخدرات. نحن لا ندعو إلى قمع أولادنا وتربيتهم خارج إطار التوعية وبعكس تيار الحداثة. جبران خليل جيران قال: “أولادكم ليسوا لكم”. دور الأهل أن يربوا اولادهم ويحصّنوهم ضد كل البدع وسموم المجتمع، والأهم متابعتهم عن كثب لأن مفهوم التربية الحديثة شتت العيلة في العموم. لكن العائلة اللبنانية لا تزال تحافظ على تقاليدها من هنا لا أنكر أنني اخشى من هذه البدعة التي بدأت تتفشى في مجتمعنا اللبناني عموما والمسيحي خصوصاً، لكنني في المقابل اطمئن عندما اشاهد انه مقابل هذه الجماعات هناك مشهد زحف آلاف المؤمنين صباح كل 22 من كل شهر إلى دير مار شربل في عنايا. وختم الأب مونس: “أنا مش خايف على العيلة المسيحية لأنو ردة الفعل اللي صدرت على خلفية مخيم أقيم في احدى المناطق الكسروانية بتأكد إنو بعدنا أبناء القيم والكنيسة. لكن أعتقد أنه بات من الواجب إدخال مادة الموسيقى في مناهج التعليم واعتمادها كمادة أساسية لتثقيف اولادنا وتعليمهم اصولها وانواعها بعدما حولتها بعض الجماعات إلى مادة سامة وسلاح لتدمير المجتمعات واستعباد جيل بكامله من خلال إدخاله في نفق عبودبة المخدرات. وإلا قد يصل اليوم الذي يحقق فيه الطغاة ما عجزوا عنه على مدى 30 عاماً من الحروب والأزمات الإقتصادية” ما قدروا يهزمونا بالسلاح ولا بالإقتصاد ولا بالتجويع. اليوم عم يخوضوا ضدنا ابشع واخطر حرب. حرب المخدرات والجنس. بس مار شربل ورفقا والقديسين مع شبابنا. المهم يتركولنا ولادنا”.
الأب أبو كسم
ليس رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام الأب عبدو ابو كسم بمنأى عن الحملات التي شنت على خلفية تنظيم مخيم لحفلات “إيكزابليكس” في ربوع إحدى المناطق المسيحية في كسروان وسواها أيضاً. ويقول: “نعلم أن هذه الجماعة تدعى سايترنس وتدعو للإنعتاق من الذات من خلال الهروب إلى الطبيعة والرقص وشرب الكحول وربما تعاطي حبوب المخدر والمنشطات. إذ كيف يمكن لإنسان أن يصمد 3 أيام وهو يرقص على أنغام موسيقى صاخبة من دون ان يكون جسمه محصنا بالمنشطات؟ كل هذا يؤكد أن اللجوء إلى الطبيعة لا يهدف إلى تعبئة النفس بالسلام والطمأنينة، إنما الهروب من جو ضاغط إلى آخر أكثر تهورا. وحمل الأب أبو كسم المسؤولية أولا إلى الأهل وقال: “لا نزال نعيش في مجتمع قوامه العائلة وهي تخضع لقوانين إجتماعية وقيم وتقاليد. من هنا يفترض عليهم تحمل مسؤولية أولادهم ومعرفة مسار تحركاتهم ليس بهدف قمعهم إنما توعيتهم على الإنزلاقات التي قد تواجههم. وما اكثرها في هذه الأيام”.
الأب أبو كسم سأل: “من المستفيد من أخذ أولادنا إلى نفق الضياع وانغماسهم في عالم الكحول والحبوب المخدرة وإغراقهم في عالم الجريمة والإتجار بالبشر والمخدرات؟ من المستفيد من ضرب شبابنا المسيحي تحت ستارة أننا بيئة حاضنة ومتحررة ومسالمة ومنفتحة. من هنا نطالب الدولة بوضع حد لهذا النوع من البدع التي تقام على اراضي اوقاف مسيحية من خلال وقف إعطاء التراخيص والتأكد من طبيعة كل مخيم ترفيهي، بعدما ثبت أنها تمنح من قبل المحافظ وشرطة الآداب وقيادة الدرك في منطقة جبل لبنان وربما من دون الإطلاع على التفاصيل. هم يريدون تدمير مجتمعنا من خلال تدمير شبابنا لكننا لن نتركهم يحققون مبتغاهم . هاو ولادنا وملزمين نرجع نحصنن بعدما فقدوا الثقة بكل شي وعم بيعيشوا حالة اشمئزاز وفراغ وبطالة. ولن نسمح لهم بتحقيق ما عجزوا عنه في الحرب على مدى 30 عاماً.
وعن دور الكنيسة أعتبر الأب أبو كسم “أنها ليست شرطة آداب ولا ضابطة عدلية ولا يمكنها ان تمنع جماعة من إقامة مخيم بعدما تكون قد حصلت على الترخيص من الأجهزة الرسمية والأمنية في الدولة. لكنها مسؤولة لجهة توعية الشباب من خلال لجان العيلة والمدارس والجامعات وكلنا يعلم أن آفة المخدرات ومروجيها ينتشرون في ملاعبها وصروحها”.
لكن غالبية الحفلات تقام على أراضي تابعة لأوقاف مسيحية؟
“صحيح لكنها مؤجرة من قبل أشخاص عاديين. هذا لا يعني أن الكنيسة غير مسؤولة لجهة عدم مراقبة طريقة استعمال الأرض. من هنا بات من الواجب على الكنيسة أن تحدد في دفتر الشروط طريقة استعمال ارض الوقف وفي حال الإخلال بها يصار إلى اتخاذ الإجراءات القانونية في حق المستأجر أو يفسخ العقد”. وختم الأب أبو كسم: “ما حدا يتهمنا بقمع حرية شبابنا. نحنا أبناء الحرية والرجاء. وما حصل ويحصل من ممارسات داخل حفلات “إيكزابلكس” لا يمت إلى الحرية بصلة إنما إلى العبودية للحبوب المخدرة والكحول والهروب إلى نفق الضياع والظلامية وعالم الجريمة”.
الصور من موقع www.hexaplexfestival.com
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
