
انتقل التركيز السياسي بعد الموافقة المبدئية للرئيس سعد الحريري على ترشيح العماد ميشال عون إلى الرئيس نبيه بري بوصفه الممر الإلزامي لـ”الجنرال” إلى رئاسة الجمهورية، وانه لا يكفي للعبور إلى “بعبدا” مجرد التوافق مع الدكتور سمير جعجع ورئيس “المستقبل” والنائب وليد جنبلاط، الذي فضل هذه المرة الابتعاد عن الواجهة بمعزل عن موقفه الضمني من عون سلباً أم إيجاباً، إنما يفترض التوافق مع بري الذي يعتبر كسره من الخطوط الحمر التي لا يقبل بها “حزب الله” الذي لن يشارك في اي جلسة انتخابات رئاسية من دون رئيس حركة “أمل”.
وإذا وضعنا جانباً أطنان المواقف التي كان أطلقها “حزب الله” محملا “المستقبل” مسؤولية استمرار الفراغ الرئاسي، وتجاوزنا جواب الحزب، الذي لن يأتي، عن التساؤل البديهي المتصل بوعوده والتزاماته بانتخاب عون لحظة موافقة “المستقبل”، وهذا أمر طبيعي مع الحزب الذي خرق الأرقام القياسية في انقلاباته المتكررة على وعوده، فما المقصود تحديداً بعدم كسر بري؟ وما المطلوب من عون لترييح بري وتطمينه؟ وما الشروط التي يضعها رئيس مجلس النواب؟
ولا شك ان الواقعية السياسية تستدعي من “الجنرال” ان يأخذ في الاعتبار التوازنات السياسية ودور القوى الأساسية التي ستواجه كل ما يمكن ان يهدد وجودها ونفوذها وحضورها، فلا يمكن، على سبيل المثال، ان يوافق رئيس “القوات” على خيار مسيحي من دون التوافق معه كي لا يكون هدف هذا الخيار استهداف الدور “القواتي” كما حصل مراراً وتكراراً ما قبل اتفاق “الطائف” وبعده.
ولا يمكن أيضاً لرئيس “الاشتراكي” ان يوافق على خيار يريد ضرب الوجود السياسي لحزبه في جبل لبنان الجنوبي، وبالتالي من حقه ان يطمئن إلى قانون الانتخاب الذي يضمن عدم المساس بتوازنات هذه المساحة من الجبل. ولا يمكن أيضاً وأيضاً لرئيس “المستقبل” السير بخيار يهدد مكتسبات طائفته الدستورية وليس العرفية، وبالتالي من حقه إثارة الهواجس المتصلة بتكرار تجربة الرئيس إميل لحود، خصوصاً ان التجربة مع الحالة العونية بعد العام ٢٠٠٥ غير مشجعة على هذا المستوى.
ولكن ما ينطبق على جعجع والحريري وجنبلاط لا ينسحب على بري لثلاثة أسباب على الأقل:
السبب الأول، لأن الثلاثي جعجع – الحريري – جنبلاط مستهدف من قبل “حزب الله”، وبالتالي بحاجة إلى تطمينات معينة، الأمر الذي لا ينطبق مبدئياً على بري.
السبب الثاني، لأن “حزب الله” الحريص على عمقه المسيحي مع عون لن يتخلى عن عمقه الشيعي مع بري، وبالتالي لن يسمح لعون ولا لغيره باستهداف بري إلا في حال أراد الحزب التخلص من شريكه عن طريق يد أخرى، الأمر الذي يتطلب عندذاك حواراً بين بري والسيد نصرالله وليس بين بري وعون.
السبب الثالث، لأن “حزب الله” أحرص من بري على مكتسبات الطائفة الشيعية في مجلس النواب وخارجه، وبالتالي لن يسمح لعون وغيره بتهديدها.
وانطلاقاً مما تقدم يصعب فهم وتفسير موقف بري إلا في ثلاث حالات:
الحالة الأولى يريد تعويضاً معنوياً يُظهره بمظهر الشريك في انتخاب عون، وهذا من حقه.
الحالة الثانية تتصل بشبكة مصالح تتحدث عنها الناس تبدأ من النفط ولا تنتهي بنفوذ بري في كل إدارة ومرفق وقطاع، وبالتالي يريد تعهداً من عون بعدم الاقتراب من هذا النفوذ الخاص لا العام!؟
الحالة الثالثة ترتبط بتوزيع أدوار متقن مع “حزب الله” الذي لا يريد عون رئيساً واعتبر ان وصوله يستدعي تجاوز ثلاثة حواجز من المستحيل تجاوزها:
الحاجز الأول سمير جعجع الذي لن يتخلى، بالنسبة إلى الحزب، عن ترشيحه ومواجهته التاريخية مع عون.
الحاجز الثاني سعد الحريري الذي لا يمكن، بالنسبة إلى الحزب، ان يقبل بترشيح عون، وفي حال قبل لن يكون قادرا على ترشيحه بسبب مساهمة ماكينة الحزب الفعالة في ترهيبه من مغبة القيام بهذه الخطوة التي ستؤدي إلى انهيار الحريرية السياسية.
الحاجز الثالث نبيه بري الذي يشكل الحاجز الأخير لقطع طريق “بعبدا” على عون، وهذا ما يفسر موقفه الذي تحول إلى رأس حربة لإسقاط خيار عون، كما يفسر محاول الحزب حرف النقاش عن انتخاب “الجنرال” من خلال الكلام عن السلة والحكومة وتوازناتها ووضع شروط مذلة وذمية واحتلالية ومقصودة لاستنفار “القوات” وجرها إلى اشتباك يغطي على أولوية انتخاب عون، الأمر الذي دفع “القوات” إلى إسقاط هذه المحاولة الصبيانية سريعا بغية إبقاء التركيز على الرئاسة أولا.
ويبقى انه يستحيل تفسير موقف بري، حتى إشعار آخر، إلا بكونه الحاجز الثالث الذي وضعه و”حزب الله” لمنع وصول عون إلى “بعبدا”، ومن هنا أهمية ان يرشح الحريري عون رسميا من أجل كشف اللعبة ووضع عون، وخلفه كل المسيحيين، في مواجهة مباشرة مع الثنائية الحزبية الشيعية.
وفي موازاة كل ذلك سيكون لنا محطة أخرى مع الرئيس بري انطلاقاً من كلام استراتيجي وخطير ورد في مقالة الزميل إبراهيم الأمين اليوم.