5 أعوام من العذاب في السجون السورية.. خليل فياض: تحديت القدر في الحرب وفي السلم

كتب تشارلي عازار في “المسيرة” – العدد 1579:

مقاوماً ومناضلاً انطلق، لم يكن يعلم ان محطة المقاومة ستقتصر على تلك البوسطة في 13 نيسان 1975. من معركة الى أخرى تنقل وتعمّد بالرصاص والمعاناة والنار. مع ذلك لم يشبع القدر من تعذيبه. لكنه تحدى بإيمانه ذلك القدر وتغلّب عليه.

أبت الحرب اللبنانية إلا ان توقّع برصاصها على جسده الصامد، وبعد انتهائها ذاق مرّ العذاب في السجون السورية. وبعد خروجه منها استمر في النضال لكن القدر الملعون لحق به هذه المرة بعدما أصيب في عملية اغتيال النائب أنطوان غانم، فَقَدَ عينه واستمر بالثانية، لكن لتلك العين ذاكرة قوية، يكفي ان تقول له من هم الرفاق الذين برفقته في الصور فيتذكرهم جميعاً في الزمان والمكان.

خليل فيّاض، سوري الأصل ولد في لبنان وعاش فيه ليدافع عنه وعن مقدّساته، يعود في الذاكرة الى 13 نيسان 1975 عندما كان في الـ27 من عمره واقفاً في عين الرمانة لتأمين الحماية لبيار الجميل وكميل شمعون أثناء تدشينهما كنيسة سيدة الخلاص. لم يكن يعلم أنه في تلك اللحظات سيشهد على انطلاق الحرب في ذلك النهار مع ساعات المساء الأولى.

“وصل بيار الجميل وما ان ترجّل من السيارة حتى وصلت سيارة “فيات” في داخلها 4 فلسطينيين وفتحوا النار، فأدرك جوزف أبو عاصي الأمر وتصدى لهم، فإستقرت الرصاصات في صدره وسقط شهيدا”ً.

ويروي فياض: أطلقنا النار على السيارة لكنها غادرت مسرعةً الى خارج أحياء عين الرمانة، بعدها مرت بوسطة في الشارع وفي داخلها فلسطينيون مسلحون، وبدأ إطلاق النار بكثافة.

من حينه أدركنا أن وجه لبنان بدأ يتغيّر. بدأ الفلسطينيون بإقفال الطرقات ووضع البراميل وعمدوا على إطلاق النار على أحياء عين الرمانة والشياح، فتدهور الوضع بسرعة، لم يكن لدينا السلاح الكافي، ولكن بادرنا الى الرد لمنع تقدمهم الى داخل الأحياء.

من بناية المعلم في الشياح ومعمل البيطار وصولا الى أحياء عدة، تحولت المنطقة نقطة عمليات، وبدأت الحرب بالتمدد لتأخذ أشكالاً مختلفة الى ان وصل عديد الرفاق في عين الرمانة الى 1200 مقاتل سنة 1977، وفي العام 1978، انتقلت الحرب من الفلسطينيين الى السوريين الذين دمروا عين الرمانة وحوّلوا بيوتها الى ركام.

ويتابع فياض: حينها طلب منا الشيخ بشير الجميل تدريب الطلاب في الدون بوسكو وطبرية، كنت من ضمن الذين قاموا بالتدريب لغاية العام 1980، عندها أصبحت الأرضية جاهزة لإطلاق “القوات اللبنانية”، ومن منطقة بدارو انطلق شعار الـ”دلتا” الذي مثّل الصمود في وجه الفلسطيني والسوري.

كانت عين الرمانة تقوم بواجبها وترسل عناصرها الى كافة محاور القتال وعلى جميع الجبهات، في هذه المرحلة كانت معارك الشمال بدأت، وشاء القدر ان إشارك في إحدى معارك بلّا عن طريق الصدفة لأنني كنت هناك مع مجموعة من الرفاق لممارسة هواية الصيد.

وصلنا ليلاً الى بلّا، والأجواء لا توحي بأن هناك شيئا غير طبيعي. كانت الجبهة هادئة تماماً، استغل السوريون الهدوء وخرقوا الساتر الترابي الذي يبعد مسافة بعيدة عن البلدة. حضّرنا العشاء مع بعض الرفاق في المركز، وبعد ساعة تقريباً صرخ أحدهم، “وصلوا السوريين”! استغربت الأمر، خرجنا لنستعلم ما يحصل، وفعلاً كان هناك تسلل والأسلحة التي معنا هي كناية عن أسلحة صيد، فطلبت من الرفاق الذين في المركز تزويدنا بالأسلحة الحربية. مرّت ساعة أخرى أتى أحدهم ليعلمنا بأن السوريين في وسط البلدة.

دارت المعارك، تقدمت أنا والرفيق كميل نعمة الذي استشهد في هذه المعركة نحو ساحة البلدة، وجدنا آلية سورية بداخلها بضعة عناصر، فقلت لنعمة لا تتحرك وأخذنا وضعية القتال خلف حائط من حجر الصخر، وما ان اقتربت الآلية أكثر، أطلق نعمة النار عليها لحقته بقذيفة “ب 7″، اشتعلت الآلية ونزل منها عنصران فقط، لحقت بهم بحذر. اقتربت منهما أكثر فأكثر فسمعت صوت أنين، أشرت بيدي لنعمة ليلتف عليهما من الناحية الأخرى. كان أحدهما مصابًا ومعه جندي آخر، طلبت منهما تسليم نفسيهما وأن يظهرا أمامي من دون سلاح، ففعلا وأخذناهما وسلمناهما الى الرفاق في المركز. دامت المعركة لساعات حتى استطعنا السيطرة على الوضع طبعاً بمؤازرة من بقية المناطق.

من بلّا الى كلية العلوم، يقول فياض: دعني أخبرك عن هذه المعركة، قررت القيادة اقتحام كلية العلوم في الحدث، اتصلوا بي وطلبوا مني التوجه الى ثكنة كفرشيما فتوجهت ومجموعتي الى هناك. فكانت الأوامر ان نقتحم عند الثالثة فجراً، رفضت الأمر لأن الحراسة تكون مشددة عند الثالثة، وقلت لهم أفضل وقت للهجوم هو عند الساعة الثامنة صباحاً لأن معظم العناصر تخلد الى النوم والصباح يجلب بعضاً من الإطمئنان.

كان الهجوم سريعاً ومفاجئاً لم يستطيعوا الصمود في وجهنا، خلال نصف ساعة أو أكثر كنا أصبحنا داخل الكلية التي كان يتمركز فيها سوريون وفلسطينيون وعناصر من حركة أمل.

دخلنا “الكافيتيريا” والطوابق الأولى وبدأنا بحملة تمشيط للطوابق العليا. أسرنا نحو 27 عنصراً بالإضافة الى 3 ملالات وبعض الأسلحة والذخائر. في الطوابق العليا التي هي كناية عن قاعات للإجتماعات، تقدمنا بحذر، دخلنا رواقاً طويلاً، سار أمامي الرفيق جوزف مخلوف وآخر من آل البيطار، وما ان أصبحا أمام باب القاعة أطلق فلسطيني كان لا يزال مختبئاً في القاعة النار فأصيب مخلوف برأسه وبيطار بعنقه واستشهدا على الفور. عندها جنّ جنون الرفاق، ورمينا 5 قنابل يدوية داخل القاعة ودخلناها.

شارك فياض في معارك عدّة في حرب الجبل وأصيب مرات عديدة لكن الضربة القاضية كانت حين استشهد الشيخ بشير الجميل، ولكنه بقي مؤمناً ان النضال يجب ان يستمر لتحقيق وعد البشير.

وبعد الإنتفاضات التي توالت استقر الوضع في “القوات اللبنانية” مع الدكتور سمير جعجع، ومن بعدها أتت حرب الإلغاء التي شارك فيها فياض وصولاً الى العام 1991 وفيه بدأت رحلة المعاناة.

كان في الأشرفية عندما أتت ساعة فياض، دقّت دورية من التنسيق اللبناني – السوري باب منزله واقتادته مكبّلاً معصوب العينين الى “البوريفاج”. وصل فياض الى هناك وأصبح بضيافة رستم غزالة.

“أهلاً أهلاً” بهذه العبارات استقبلوه، والمطلوب واحد هو “خليل السوري”، فقال لهم فياض أنا خليل فياض وأنتم تريدون خليل السوري، لم تطل إقامته هناك، فاستدعى غزالة أحد عناصر المخابرات وقال له ” محمود… عالشام”. أي خذوه الى الشام.

اقتادوه الى عنجر حيث نال الترحيب الأول هناك بالكرباج، ورُحّل على عجل الى داخل الأراضي السورية لدى فرع المخابرات الجوية.

لم يكن يعلم فياض بمكان وجوده، لم يحقق معه أحد إلا بعد فترة عام ونصف العام، خلال هذه الفترة بقي مكبلاً ومعصوب العينين يتلقى الضربات اليومية على كافة أنحاء جسده، بخرطوم من المياه وُضعت بداخله أسلاك من الحديد.

في السجون السورية، تلقى فياض خدمة تعذيب بخمسة نجوم.

يستدعي فياض ذكريات قضاها في الاعتقال ويقول: ” وضعوني في غرفة لا تتعدى مساحتها المتر الواحد، لا توجد نافذة أو مدخل للهواء، وهي عبارة عن غرفة واحدة ضمن مجمّع من الغرف في أكبر مركز اعتقال في سوريا”.

ما لم يُمَّحَ من ذاكرة فياض هو التعذيب المؤلم عندما كانوا يعلقونه من يديه باستمرار ويعذبونه لثماني ساعات يوميا، تمنى أن يموت ويستريح من هذا الألم، اعتادوا ضرب رأسه بالباب الحديدي ليفقد وعيه ، لكن هذا لم يحدث أبدا. في تلك الفترة أدركت ان الإنسان يستطيع تحمّل الضرب أكثر من الحيوان”، تغيّرت ملامحي، لم أعد أميّز بين أصابع رجلي التي أصبحت ملتصقة ببعضها. سنة و 7 اشهر وأنا مكبّل، لم يفكوا قيودي إلا لخمس دقائق في اليوم وذلك أثناء الأكل الذي هو كناية عن برغل “مسوّس”. لم أتكلم مع أحد ولم أشاهد أحدًا، داخل سجن انفرادي مساحته متر بمتر بقيت لأربع سنوات، كلمة وحيدة كنت أرددها هي “يا سيدة حريصا”.

أمّا اساليب التعذيب فهي كثيرة، اختبر فياض جميع أنواعها نظراً للفترة التي قضاها، منها “إطفاء السجائر في الأجزاء الحساسة من الجسم، استعمال الكهرباء في إي جزء حساس من الجسم بما في ذلك الأذنين والأنف واللسان والرقبة واليدين والأعضاء التناسلية والقدمين، إجباري على الوقوف حافي القدمين إلى الجدار ويداي موثوقتان فوق رأسي، وبعدها يقومون بسحق القدمين، التعليق، وهو يتم عبر تعليق المعتقل من اليدين والقدمين إلى عمود السرير أو الدرابزون وضربه”.

علّقت مرات عدة يقول فياض، وأذكر مرة علقوني فيها بمروحة مثبتة في السقف، وتناوبوا على ضربي وهي تدور، لم يبقَ أي ناحية في جسدي إلا وطالها الضرب.

استمرت معاناة فياض لأعوام، وكان لباسه الوحيد هو الثياب الداخلية، وكان ينام على الأرض من دون غطاء ولا وسادة. اقترب من الموت مرات عديدة، ولامست روحه الرحيل عن جسده المنهك، ولكنه قاوم وصبر ليبقى حيّاً.

لم يعلم بالأيام والساعات، فقد القدرة على كل شيء، ولكن يذكر أن الضرب والتعذيب توقفا لفترة لا تقل عن شهرين، استغرب ذلك ليدرك في وقت لاحق ان السبب هو من أجل مثوله أمام المحكمة، ولتخف آثار التعذيب عن جسده.

ويروي فياض: “أتى دوري للمحاكمة، وما ان وصلت حتى بدأ القاضي قراءة التهم الموجهة إليّ، “التعامل مع العدو الصهيوني، والإنتماء الى مجموعة مسلحة تشكّل خطراً وتسيء الى القطر العربي السوري، بالإضافة الى الخيانة العظمى”!… سكت ولم أحرك ساكناً ولم أنطق بحرف واحد، فقال لي القاضي لما أنت ساكت؟ أجبته أعطني ورقة بيضاء لأوقع عليها. لم أعد أتحمل حتى غرزة دبوس واحدة وجسدي أصبح منهكاً، وكل هذه التهم باطلة. نظر القاضي إليّ وقال: “كيف باطلة، أين كنت أثناء الإجتياح الإسرائيلي”؟ قلت له في سويسرا، وفعلا كنت أتردد كثيراً الى سويسرا وإيطاليا وعملت فترة الحرب في سويسرا مع الصليب الأحمر الدولي. عندها قال القاضي: لدينا سفير في سويسرا ويمكننا التأكد عبر وزارة الخارجية ان كان كلامك صحيحًا، فأجبته إفعل ذلك وجواز سفري يثبت أقوالي.

تم تأجيل الحكم وعدت الى السجن، في هذه الفترة كانت والدتي قد باعت كل ما لديها مقابل ان تراني فنجحت بإنتزاع إذن لزيارتي. بكيت عندما رأيتها وكأن الله قد أرسلها، استطعت ان أحصل على نثرة من قلم رصاص وكتبت على ورقة مزقتها من “علبة السجائر” وكتبت لها ما أريد وهو ان تقوم بالإتصال بمسؤولة الصليب الأحمر التي كنت أعمل لديها لتشرح لها وضعي كي لا تكون أقوالي غير مطابقة. وضعت الورقة في فمي وحضنت والدتي، ورميت الورقة من فمي مباشرةً في صدرها وقلت لها لا تفتحيها إلا عندما تصبحين في لبنان. فقامت والدتي بالاتصال بالسيدة التي تجاوبت لطلبي وأعدت ملفاً يثبت أنني كنت في سويسرا أثناء الإجتياح.

في يوم صدور الحكم ذهبت الى المحكمة، فقال لي القاضي: بناءً على تقرير وزارة الخارجية المستند الى التحقيقات التي أجرتها، ثبت أنك فعلاً كنت في سويسرا وذلك بالبراهين التي قدمها الصليب الأحمر في سويسرا “مبروك يا ابني البراءة”. وما ان نطق القاضي بحكم البراءة دخل عنصران من المخابرات الجوية وانهالا بالضرب على رأسي وأعاداني الى السجن لأن الحكم لم يعجبهم.

وفي أحد الأيام أتى مأمور السجن وناداني بإسمي، خليل تفضل مطلوب، فوضعت يداي على الحائط ونظرت الى الأرض كما تجري العادة لأن يمنع منعاً باتاً النظر الى أي فرد أو عنصر يعمل داخل السجن وأخذوني الى مكتب آمر السجن.

قال لي إجلس فجلست، نظر إلي وسألني، ما هو نوع السجائر الذي كنت تشربه قبل اعتقالك؟ أجبته “وينستون”، نادى أحد العناصر وطلب منه إحضار علبة. من بعدها أعطاني مفتاح الحمام الخاص به وقال “أدخل واستحمّ ومن بعدها سنجلب لك أطيب المأكولات”. شعرت بخوف شديد، وقلت لنفسي إما سيتم إعدامي او أنهم يقومون بإستمالتي لأعمل معهم كمُخبر.

خرج آمر السجن من مكتبه وبقيت بمفردي، جلبوا لي ثيابًا جديدة وطعامًا، بعد مرور ثلاث ساعات دخلوا أولاد خالتي برفقة آمر السجن، عندها تنفست الصعداء وأدركت أنني سأصبح خارج السجن. وهكذا خرجت من المعتقل في 15 – 6 – 1995.

خرجت الى منزل خالتي في سوريا لأن المخابرات أوعزت الى جماعة حبيقة في لبنان لتصفيتي، بقيت لفترة قليلة فقط من أجل الحصول على جواز سفر، ومن بعدها الى خارج لبنان الى سويسرا ومن هناك الى لبنان.

عدت الى زوجتي وأولادي الذين لم يصدقوا. كان اللقاء كالحلم، والأصعب هو من أين سأبدأ حياتي من جديد وكل تلك الديون المتراكمة، فبدأت بالعمل مع شخصيات أرافقهم وأعمل لديهم كسائق، ومنهم النائب أنطوان غانم الذي كانت تربطني به صداقة قديمة. لكن القدر أراد ان يمتحن فياض من جديد عام 2007 عندما كان يعمل مسؤولاً عن أمن النائب أنطوان غانم.

في ذلك اليوم في 19 أيلول 2007،  لم يكن فياض يعلم ان حياته ستتغيّر، وان تلك الوجوه التي يراها، لن يستطيع رؤيتها من جديد، وان حياته المهنية ستتوقف ليبدأ حياة آخرى ونضالا جديدًا مع القدر الذي لا يرحم. لقد اعتقد أن الأيام الصعبة قد ولت الى غير رجعة وأنه بات في إمكانه أن يستمر في حياته الطبيعية والمهنية الجديدة مع عائلته ولكن…

“كان كل شيء طبيعيًا في ذلك اليوم” يقول فيّاض، “طلبت من النائب غانم الصعود بسيارة المواكبة عوضاً عن سيارته الخاصة للتمويه، وما ان انطلق الموكب دوى الإنفجار، شعرت بقوة عاصفة قذفتني من السيارة، كان الانفجار قوياً، استهدف مباشرة سيارة غانم التي كانت تسير خلفنا وفي داخلها طوني ضو ونهاد الغريّب فإستشهدا على الفور.

لم أفقد الوعي، لكنني لم أعد أرى شيئاً، كانت النار تأكلني وثيابي مشتعلة فبدأت بإطفائها بيدي، غطت الدماء رأسي كله وتطايرت قطع من اللحم عن وجهي”.

أصيب النائب غانم بنزيف حاد استشهد من بعده لأنه كان قد خضع قبل فترة لعملية قلب مفتوح ولم يتحمل ضغط الانفجار.

ومع فقدان فياض بصره، لم تتبدّل مشاهد الحياة فقط، بل تبدّلت معها ملامح وجهه، وحدها حاسة السمع كانت تعمل لديه لتعلمه ما يدور من حوله.

يتابع: “وصلت الى المستشفى، سمعت صوت هاتفي يرنّ، قلت لهم هذا صوت هاتفي، بعدها سمعت صوت ابني مازن يصرخ بالممرضين “أريد ان أرى أبي، أريد ان أرى ساقه المصابة أثناء الحرب عندها أتأكد أنه هو”. فقلت له “أنا هنا ما زلت على قيد الحياة”، لم يصدق حتى رأى ساقي.

فقدت عيني وتشوه وجهي، وعيني الأخرى بالكاد أرى بها، خضعت لعمليات جراحية عدة ولكن الحمدلله أنني على قيد الحياة، بفضل سيدة حريصا تحديت القدر وفزت عليه، لم أدعه ان ينال منّي”.

فقد فياض قدرته على رؤية الحياة ومناظرها الخلابة، حرم من رؤية حفيدته، لكنه يشعر بها ويسمع صوتها، بالكاد يرى ملامحها وهذا يكفي ليرسم وجهها الجميل في ذاكرته التي أصبحت بديلاً عن عينيه.

يتابع فيّاض: “لم أستطع ان أعمل من جديد ولكن استطعت تعليم أولادي وها أنا اليوم أروي تفاصيل مراحل حياتي، أفتخر بها كثيراً وأعتز بما حصل معي، وكل الفضل لسيدة حريصا”.

على رغم الكم الهائل من التضحيات والمعاناة، لم يفقد فياض إيمانه بقضيته وبمقدساته، يتكلم بكل ثقة، لا مكان لليأس في قاموسه، عاش كل حياته مقاوماً فعلاً وقولاً، لا يعرف الملل، يشكر الله على كل ما حصل معه، ويدرك أنه أفضل حالاً من كثيرين ذاقوا نفس المعاناة ورحلوا عن الحياة شهداء، ويدرك أهمية بقائه شهيدًا حيّاً شاهداً على حرب لا ترحم وإجرام لاحقه حتى في زمن السلم.

واليوم يتنقّل فيّاض في عين الرمانة مع عصاه، هذه العصى أصبحت رفيقته الدائمة، ترشده الى الطريق التي لا تزال محفورة في ذاكرته، يعرف الأشخاص من أصواتهم، ويعلم نوعية الأكل من رائحته، هكذا هو خليل فياض اليوم، مقاوم تحدى القدر وتغلّب عليه في الحرب كما في السلم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل