
كيف لك ألا ترصد شاشة “المستقبل” حين تقرّر أن تعود الى زمن الاعلام الحقيقي والى زمن كان الوصول الى القمة يتطلّب سابع المستحيلات.
كيف لك ألا ترصد نشرة الأخبار، لاسيما المسائية، التي تطلّ عبرها تلك السيدة الراقية التي تتحلّى بكاريزما “طبيعية” وبصدق ووضوح، فلا تتردّد من إخفاء مشاعرها التي تدفعك في بعض الأحيان الى التعاطف مع القضية، صفات عدة نفتقدها في مذيعات اليوم. هي من رسمت مسيرةً مهنيةً خاصةً بها لوّنتها بأسسس ومعايير المهنة وزيّنتها بحضور وصوت اعلامي يجعلك تستمع الى الأخبار بلذّة رغم “قرفها”، بكلّ بساطةٍ إنها لينا دوغان.
.jpg)
“في البدء، لم تكن رغبتي بالتوجه نحو الصحافة والاعلام بل درستُ علم الاجتماع في جامعة بيروت العربية، ولكن كان صوتي جميلاً وقد عُرض علي الغناء قبل الاعلام وعندما رفض أبي فكرة الفنّ، قرّرتُ الدخول الى عالم الاعلام والصدف ساعدتني ولعبت دوراً كبيراً في مهنتي”، تقول دوغان.
وفي حديث خاص لموقع “القوات اللبنانية”، تؤكد أنها لم تندم لاختيارها مجال الاعلام، قائلةً: “لا أندم لكنني حاربتُ لأصنع اسماً لي في الوسط الاعلامي خصوصاً في مرحلة كان الزملاء اعلاميين كبار وناجحين وكان الطريق صعباً عكس ما نراه اليوم”.
.jpg)
ولكن اذا لم تكن لينا دوغان اعلامية فماذا كانت لتكون؟، تجيب دوغان “لكنت تعلّمت لغات عدة وشغلت مناصب في احدى السفارات أو الوزارات، وفي الأساس كنت أتجه الى هذا المجال”.
لينا دوغان دخلت القفص الذهبي في الـ26 من العمر ولديها ابنتان نازك (16 عاماً) وساره (14 عاماً)، فكيف للاعلامية الأمّ التوفيق بين المهنة والعمل؟
“عائلتي هي من تساعدني فأنا دائمة الانشغال أكثر من زوجي وابنتيّ وهم يضحون من أجلي و”كتّر خيرهم” خصوصاً ابنتيّ اللتين تضحيان أكثر من اللازم وهما في هذا العمر، ومع هذا فهما تساندانني وتقفان الى جانبي، أما أنا فأحاول أن أغتنم كل الفرص لأكون الى جانبهما قدر المستطاع”.
.jpg)
أكثر من عقدين امضتهما دوغان في عالم الاعلام والشهرة، وعند سؤالها عن موقفها اذا قرّرت احدى ابنتيها العمل في المهنة ذاتها، تضحك قائلةً: “الفكرة ليست بأن أسمح لها أو لا انما لا أرى أن هناك مستقبلاً للاعلام في لبنان، كما أنني لا أرتاح لمستقبل هذا الاختصاص خصوصاً أن العديد من الأشخاص اليوم يتخطون معايير هذه المهنة ويستخفون بها ما يُفقدها الأرضية الثابتة، فـ “ليش تا يعذبوا قلبُن”؟.
لطالما ارتبط اسم دوغان بشاشة “المستقبل” حتى أضحت جزءا من هويتها، وهي تؤكد أنها بقيت في التلفزيون رغم العروض التي قُدّمت لها، مضيفةً: “قناة “الجزيرة” هي المحطة الثالثة التي عرضت عليّ فرصة عمل وأخذتها بجدّية كاملة وكان عليّ فقط توقيع العقد، ولكن ما حصل أنه ما قبل عرض “الجزيرة” كانت مرحلةً معينةً وما بعدها أصبحت مرحلة أخرى. فعندما علم بالموضوع الرئيس الشهيد رفيق الحريري استدعاني وتبيّن لي أنه هو من اعتبرني من ثوابت “المستقبل” ومن الأشخاص الرئيسيين والأساسيين في التلفزيون، وبمحبة اعتبر أنه يمكنه أن يقول لي بسهولة: “أمنعك من مغادرة “المستقبل”، والمرحلة استكملت في ما بعد من حيث المشاكل عندما أصبح لدي عائلة فقد تفهم الظروف ودعمني أكثر فأكثر، وهكذا أكملت المسيرة ولا أستطيع أن أكون ناكرةً للجميل”.
وعن العلاقة بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، تعترف الاعلامية لينا دوغان في حديث سابق أنه عُرض عليها مبلغ كبير من المال من أجل التجسس على الرئيس الشهيد رفيق الحريري لكنها رفضت وأخبرته فوضع لها حراسة مكثفة وأمن لها حماية كاملة. وتقول لموقعنا: “الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان أباً لي وكان حالةً خاصةً في حياتي”.
.jpg)
وعن باقي السياسيين، تردف: “بالنسبة للسياسيين والأشخاص الذين طبعوا مسيرتي المهنية فجميع السياسيين لديهم شيء في شخصيتهم جميل. السياسة اللبنانية هي “طبخة” تُطبخ في الخارج أما التذوق ففي لبنان، ومسؤولونا لا مشكلة بهم فبعضهم يتحلّى بالصفات اللازمة من ذكاء وعلم وثقافة ولكن للأسف لم نصل الى مرحلة الاستقلالية عن الخارج، وأنا أتحدّث عن الجميع من دون استثناء”.
الكثير من الصحافيين والاعلاميين يربطون عملهم بحزب أو بتيار معين، ودوغان تعتبر أنه اذا ما ظلّ الشخص نزيهاً وصادقاً فلا مانع بأن يجمع بين الاثنين. وتتابع: “بالنسبة لي فانّ القضية هي توسيع آفاق العلاقات وأنا أصلاً ضد الصحافي الذي يتقوقع بالمحلّ السياسي، ليس بمعنى أن يطعن بسياسته أو بمن يعمل لديهم، كما أنه ليس من المحرمات بحيث يكبله ولا يدعه ينفتح على الآخر. فأنا والآخر نعيش في الوطن ذاته ونواكب الأحداث نفسها”.
وعن التغطيات الاعلامية والقناعات الشخصية، ترى دوغان أن الاعلامي عليه التقيد بسياسة المحطة أو الاذاعة التي يعمل فيها. “كل اعلامي “يمشي بسياسة المحطة”، ويبتعد عن قضية القناعات وغير القناعات. مثلاً في احدى المراحل ولأن الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يريد أن يبقي الأجواء هادئة في البلد كنا نتعاطى السياسة الداخلية لكن من دون “تنقير”. وكنت في بعض الأحيان أرغب في أن أطرح عدة مواقف تتعلق به وبانجازاته وبعلاقاته وخصوصاً عما كان يفعله النظام السوري به، انما سياسة التلفزيون لم تكن تسمح فكنتُ ألتزم بالقرار رغم انه ضد قناعاتي”، تقول دوغان.
من جهة أخرى تتحدّث عن المرحلة التي طبعت وأثّرت بشكل كبير على مسيرتها الاعلامية، وتروي: ” المرحلة التي تأثّرت بها كثيراً هي عندما أتى البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان. زيارة أثّرت في حياتي المهنية والعائلية والوطنية بشكل كبير، فمن أصبح قديساً عظيماً اليوم أتى وشاهد وعايش معنا نهضة لبنان، “أنا عنجد بلدي كتير عزيز عليّ”. فيا ليت نستطيع النهوض بهذا البلد بيد واحدة رغم أن ذلك حلم بالنسبة لي”.
.jpg)
وفي رسالة ختامية وجهتها الى االاعلاميات والاعلاميين الجدد الذين يريدون خوض غمار المهنة قالت: “الصعوبة في الاعلام ألا يعود رسالةً. هناك أمور كبيرة وثقيلة وحقنا أن نعطيها قيمتها ومنها الاعلام فهو مجموعة خطى ثابتة وثقافة وثقة وقوة وليس ضعفاً ولكن للمراحل التي ستأتي أرى أن الجدد يأخذونها بقشورها، لذلك من موقعكم اناشدهم بالمحافظة على الرسالة بصدق واخلاص والغوص في العمق”.
واليوم بعد كل ما يعيشه الاعلام في لبنان من تسطيح وبعد كل المجازر التي ترتكب بحق اللغة العربية وآدابها على شاشاتنا، تبقى لينا دوغان من رواد مدرسة الاعلام المرئي والمسموع القائمة على الاحتراف والمهنية والحنكة والمسؤولية واحترام المشاهد لا استغلاله او تأنيبه، وتبقى بصمة مميّزة وراقية ومحببة في سجل مهنة المتاعب.
