سجون وساحات ــ المطران حداد كان حدّنا..ايلي ورده: في الأرز قلت للحكيم زحلة ناطرتك

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1484

هو من بين قلّة من الشباب الزحلي الذي رفض الخضوع لواقع الاحتلال والطغيان السوري على مدينتهم، حمل “القوات” على كتفيه ومشى وهو مؤمن أنه إختار طريق الحرية. إيلي ورده هندس عودة “القوات اللبنانية” الى زحلة من باب النضال السياسي والفكري وهو فخور بانجازه ومخططاته كثيرة بعد ليكتمل البناء. عن تجربته أيام الحرب وأيام السلم يروي ورده ولا تجد النقطة على السطر مكانًا تستقر فيه وتنهي الحديث. من يوميات مهندس مناضل شاب هذه الفصول و…العِبر.

كان في سن العاشرة خلال الحرب على زحلة في العام 1981، وكان والده ابراهيم ورده ناشطًا في حزب “الأحرار” ومقاتلاً يُحسب له حساب، ومرجعية مقاوماتية لشباب زحلة. عاش إيلي طفولته بين السلاح في البيت، وكانت مهمته الدائمة أن يرصد الإذاعات وخطابات الشيخ بشير الجميل وتسجيلها للشباب. من الملجأ الى مراكز التدريب شهد إيلي على كل تفاصيل المعركة وعايش الشباب الـ 92 الذين نزلوا الى زحلة لمساندتها في صمودها من “قوات دفاع بيروت” و”تدخل أدونيس”… انطبعت تلك المرحلة في ذاكرته لا سيما عندما قصفت مدرسته. يروي: “بلّشت الحرب وكنا بالمدرسة عندما تعرضت لعدة قذائف، فعشنا حالة رعب وهلع. وطول مدة الحرب وأنا عم اسمع الناس عم تحكي عن قدوم الجيش اللبناني، ومرقت 3 أشهر وما حدا وصل لعنا إلا شباب “القوات”، ومن وقتا صار عندي قناعة إنو ما حدا بيحمينا إلا “القوات اللبنانية”. من بعدها وفي العام 1984 تعرّض والدي للخطف مع 8 من أبناء زحلة من قبل الفصائل الفلسطينية واقتيدوا الى راشيا الفخار بهدف مبادلتهم ببعض الفتيات الفلسطينيات السجينات في المنطقة الشرقية. كلها محطات رسّخت فيّ التعلق بالخيار المقاوماتي الى أن وصلنا الى حرب الجبل. وكمان كنا ناطرين تدخل الجيش، وكمان ما صار شي!”

مع أنه ولد بين السلاح في بيت مقاوم لم تتح لـ إيلي فرصة المشاركة في القتال فعلياً لكنه حاول تأهيل نفسه جيداً للمعارك الفكرية، فراح يقرأ ويدعِّم معلوماته عن تاريخ لبنان ويقرأ في السياسة والفلسفة… وفي كل ما كتب عن الحرب، وجمع حتى اليوم أكثر من 650 كتاباً. عن هذا الشغف يقول: “كان همي أن أقرأ كل ما يمكن أن يقوّي حججي في معارك الجدل السياسي التي كنت أخوضها في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية في دير القمر- الشوف حيث التحقت للتخصّص الجامعي بين غالبية مناهضة لفكرنا السياسي. هونيك حاولت قرّب المسافات الفكرية مع الطلاب من خلال نقاشات بنّاءة كسرت حال العدائية بيننا”.

حال الطلاق القسري بين زحلة و”القوات اللبنانية” بعد العام 1986 مع لجوء إيلي حبيقة إليها صعّبت مهمة إيلي أكثر فأكثر. عن هذه المرحلة يقول: “أذكر أن 14 سيارة مفخخة أرسلت من زحلة الى المنطقة الشرقية التي تسيطر عليها “القوات اللبنانية”، بينها السيارة التي انفجرت أمام كنيسة السيدة في سن الفيل ومتفجرة محلات ملكي في انطلياس… كانت تفخّخ في بيت قرب تمثال العدرا، ما خلق حالاً من التوتر، وحمّلونا وزر إيلي حبيقة الذي استقر في أوتيل القادري. جماعته والذين كانوا محسوبين عليه بالطبع أساؤوا كثيراً لأهالي زحلة وتسلبطوا عالعالم”…

على رغم كل الظروف التي أبعدت “القوات اللبنانية” عن قاعدتها الشعبية في زحلة يقول إيلي: “كنت مسمي حالي مسؤول “القوات” بالجامعة من دون ما يكون في عنا “قوات”، ومعلّق صورة الشيخ بشير وصورة الدكتور جعجع وبيناتهم الصليب في الوسط، وكانوا أصحابي في الجامعة غالبيتهم من غير المسيحيين وغير القواتيين ومع ذلك ما كان يهمني اللي بيحب يجي لعندي أهلاً وسهلاً، ومع ذلك كنت محبوباً في الجامعة وكانوا رفقاتي مضطرين يجوا لعندي ويتحملوا الاختلاف السياسي. وبذكر إنو الشباب السنّة كانوا أقرب بكتير إلنا من الدروز، خصوصاً سنّة شرق صيدا وإقليم الخروب، بينما الدروز كانوا أبعد وما تصالحنا حقيقة معهم إلا بعد سنة الـ 2000”.

في العام 1994 عندما اعتقل الدكتور جعجع لم يكن إيلي ملتزماً في الحزب لكنه عملياً كان مقاوماً شرساً دفاعاً عن القضية التي تحملها “القوات” إنما في السياسة. الى أن التقى بالرفيق طوني أبي نجم أثناء زيارة له الى زحلة فبدأ التنسيق معه ومن بعدها مع الشهيد رمزي عيراني والرفيق عماد واكيم رئيس جهاز المهندسين بما أن إيلي مهندس. وتلقائياً تسلّم مسؤولية التنسيق مع المهندسين في زحلة وضواحيها والتحضير لإنتخابات النقابة لمصلحة مرشحي “القوات”.

تمزيق صور رئيس النظام السوري حافظ الأسد المعلقة في مدينة زحلة من أكثر الأنشطة التي كانت تستهوي إيلي يومذاك، وقرّر أيضاً أن يحمل “القوات” وتاريخها وتضحياتها الى كل تجمّع أو هيئة أو حتى جمعية في المجتمع الزحلاوي… و”على راس السطح” في الوقت الذي كان معظم المناصرين للقضية اللبنانية يفضلون العمل والنضال سراً، ما أوصله بعد الانتخابات البلدية في العام 1998 الى الاعتقال لدى المخابرات السورية.

يروي إيلي: “أرسلوا شاباً من الحي الى بيتي وقال لي: “العقيد نزار عايزك 5 دقايق” وهو المسؤول عن فرع المخابرات السورية في زحلة. فشتمته هو والعقيد نزار مع ذلك أصرّ وقال لي “ما تبهدل حالك نزال أحسن”.

كنت قد تخرّجت من الجامعة قبل سنة تقريباً وأتمتع بحصانة نقابة المهندسين. توجهت لمقابلة العقيد نزار وبدوره قال لي: “بدك تنزل على شتوره العقيد توفيق حيدر عايزك”. نزلت بسيارتي وبعتو معي شخص وجيب عسكري خلفي الى مركز شتوره في فيلا عاصي، وبمجرد نزولي من السيارة اعتقلوني وكربجوني وطمشولي عينيي. وعندما حاولت الاستنكار باعتبار أنني رجل سياسي وجايي بالكرافات لعندن، “لبطوني” وجيت ع وجي عالأرض وبقيت آكل لبيط شي ساعة حتى فات العقيد توفيق وقلن: “يا حيوانات مش عارفين إنو الشب مهندس؟ بيقعدني عالكرسي وبيتواخز مني وبيسألني: “إنت بتحب “القوات” يا الياس؟” أجبته “أكيد بحب القوات”. وكمّل “بتحب الاسرائيليي يا الياس؟… بتحب السوريي يا الياس؟” وأنا أجيبه بالنفي بالطبع عندها بدأ الفلق الحقيقي والضرب بالكرباج والشتائم.. كانو عم يضغطو عليي حتى قول إنو ستريدا عاملة خلية بزحلة لمناهضة السوريين. بعد كل ربع ساعة ضرب كانوا يوقفو ويتركوني حتى راجع حالي وقول اللي طالبينو مني. بهالوقت إجا عسكري حسيتو كبير بالعمر من صوتو قال لي: “منشان الله قول إنك بتروح عند ستريدا لأنك معجب فيا. خلّص حالك”. أما أنا فكان جوابي واحد “أنا بعرف ميشال بو عبود وما بعرف حدا غيرو” سميتو لـ ميشال لأني كنت عارف إنو لقطوه قبل بيومين مني. بالنسبة إلي كان التعذيب بصدمات الكهربا أهون من الدولاب يمكن لأن جسمي كبير. التهديد بنقلي الى سوريا وصَّلني لقناعة إنو في إحتمال كبير ما اطلع، وكنت أنا ونازل ع شتوره حكيت ريشار جريصاتي وخبرتو وقلي “روح وما يهمك أنا رح تابع الموضوع”.

وأنا وبالتحقيق عند العقيد توفيق دقّلو أحد أهم نواب زحلة والبقاع، فتح الـ سبيكر بالتلفون تيسمعني وقلو: “في المهندس إيلي ورده عندك، قالولي انو عندك” رد عليه العقيد توفيق “لا مش عندي”.. سكر الخط معو وقال لي “هيدا واحد حقير.. روح روح تعا تعا”…! ثم عاد بعد ساعة وأبلغني بمسخرة أن الوزير الهراوي سأل عني والمطران حداد وما بقي حدا ما توسطلي. بالفعل عرفت لاحقاً أن كل شخص من العائلة أو الأصدقاء حاول أن يتوسط من خلال معارفه من فاعليات زحلة لإطلاقي.

أكثر من 8 ساعات تحت التعذيب ولم أعطهم اي إسم أو معلومة، وعندما قررّوا إطلاق سراحي قالوا لي “رح نطلعك بس بدك تبقى تخبرنا شو بيصير حواليك”، حملوني الى أحد الحمامات لغسل الدم عن وجهي ورجلي… نزلت حافي القدمين مدمماً الى سيارتي وانطلقت بسرعة الريح الى البيت في زحلة. بعدها توالت التوقيفات كل يومين يبعتو ورايي. مرة استدعاني العقيد نزار وكان قبل محقق مع والدي وقايلو “إذا بتحب تشوف ابنك بتجيب السلاحات معك وبتجي لأنو ابنك اعترف بكل شي”. اتصل فيي وقال لي “حكينا مع بيّك واعترف بكل شي خبرنا شو عندكن سلاح بالبيت جيبن وتعا أحلى ما نروح نجيبكون كلكن من البيت”. ولما وصلت عالفرع لقيت شباب ورجال من المنطقة كل واحد حامل قطعة سلاح او كيس قنابل … جايبها من بيتو”. ما كنت خاف منهم كنت دايماً فكّر أنو عزيز وردة قريبي ووالد الوزير سليم وردة إلا ما يضغط ويشد فيي.

اعتمد السوريون طريقة الخديعة هذه للضغط على الزحلاويين لتسليم سلاحهم، لم يجد إيلي ملجأ ليشكو له إلا المطران حداد كالعادة فقصده وأخبره عما يحصل. فوراً إتصل المطران بغازي كنعان وتوجه إليه بكلام جدّي جداً. وقال له كما يذكر إيلي “إذا بدكن شي من إيلي وردة بتحكوني إلي”. بعدها استدعاني العقيد توفيق أثناء توقيف ريشار جريصاتي وواجهني به محاولًا أن يقوّلني أشياء لم أقلها لإستدراجه لكني نكرت ولم أتجاوب معه. وفي آخر الزيارة قال لي: “يا الياس إنت آدمي ومنيح وهودي “القوات” زعران ضحكوا عليك. نحنا هون تنخلصلكم هالبلد. بدي منك كل شهر تمرق تخبرني شو عم يصير معكن”. جاوبتو: “هلأ بعد كل هالعلاقة بيناتنا بتعتقد أني خَرج كون مُخبر؟” هون قال لي “روح ما تخليني شوف صورتك”!! وكانت آخر زيارة له. العقيد توفيق كان قد قدّم الكثير من المغريات للمهندس المشاغب ووعده بتكليفه بناء عدد كبير من الفيلات في سوريا وتشغيل كل الشباب الزحلاوي معه. لكن “لا تنده ما في حدا” فأولويات إيلي كانت في لبنان وبالتحديد للمقاومة والنضال في سبيل استعادة السيادة والحرية.

والجدير ذكره هنا أن المطران حداد أعاد السلاح الذي أخذ من الزحلاويين وتكفل إيلي ورفاقه بإعادة كل السلاح لأصحابه. يشدّد هنا إيلي: “المطران حداد كان دايما حدّنا. حَمانا ع طول”.

لأن إيلي كان كثير الكلام عن المقاومة والقضية والحق الذي لا يموت وبراءة الدكتور جعجع والأحكام الجائرة بحق الحزب… صار من الأسماء المطلوبة دائماً من قبل المخابرات السورية ومخابرات الجيش اللبناني على السواء. في أول استدعاء له من قبل الجيش أوقف في ثكنة أبلح والسؤال الأول كان في التحقيق “أيمتى رحت ع إسرائيل؟ وين تدربت بإسرائيل؟ شو المهمات اللي كان يعطيك ياها غسان توما؟ لما قلتلو أنا كنت تلميذ بالجامعة وأطلع الأول بدورتي كيف بدي روح إتدرب بإسرائيل؟ صار العسكري ورايي يضربني ع ضهري بالبارودة. وجبرني وقّع على تقرير هو كاتبو ما كنت أمضي. بعدين ومن بعد التعذيب الجسدي والمعنوي مضيت واعتبرت إنو رح إمضي على شي مش ممكن يثبتو حقيقتو، كان همي فلّ ما كنت قادر بقا ضاين. ومن وقتا خلصت القصة وما عادوا بعتوا ورايي”.

يصرّ إيلي وردة على الانفتاح السياسي في البيئة الزحلية وانطلاقاً من هذا الإيمان تواصل مع التيار العوني في زحلة في اطار التيار السيادي الذي كان يسيطر بين غالبية الشباب بعد العام 2000.  يتابع الرواية يقول: “بادرت لزيارة المهندس سليم عون بوجود المهندس طوني أبو يونس وتمحور الحديث حول وحدة القضية بيننا وضرورة التنسيق، وصار بيننا حد أدنى من التفاهم والإجتماعات المشتركة. وخلال الإنتخابات البلدية عام 2004 قدرنا عملنا مصالحة بين “الكتائب” و”التيار العوني” وكل القوى السياسية الفاعلة تحت لواء التيار السيادي. إلا أن العلاقة بردت مع عودة ميشال عون وصارت شبه مقطوعة بعد 23 كانون يوم حاولوا تسكير الطرق وحرق الدواليب”.

كانت زحلة تحتاج لمن يكسر جدار الخوف وينتفض وإيلي وردة مع بعض الرفاق أخذوا على عاتقهم هذه المهمة وتولى إيلي مهمة الديناميكية السياسية التي تعيد قضية “القوات اللبنانية” الى الواجهة الزحلية، ونجح مع رفاق النضال في رفع العلم القواتي عام 2004 خلال الانتخابات البلدية في زحلة بعد أن غاب لسنوات، ومع خروج الدكتور سمير جعجع من المعتقل كان اللقاء الأول معه في الأرز يوم الإستقبالات الشعبية لتهنئته. يذكر إيلي تفاصيل ذاك اللقاء ويقول: “أنا وعم سلمّ عالحكيم عرّف عني المهندس عماد واكيم فتأثرت كثير وكرجت دموعي وشعرت بالفرح والخجل والفخر وقلتلو: “يا حكيم زحلة ناطرتك” شدّللي على إيدي و قللي زحلة رح تكون أول منطقة بزورها. وبعد فترة قصيرة دعانا الى إجتماع ولما وصل قاللي “إيلي قلتلك إنو زحلة أول منطقة…” وأنا تفاجأت كيف بعدو ذاكرني ورفاقي فكروا إنو أنا عم اطلع لعند الحكيم من وراهم بالسر وعن طريق عماد واكيم!!

يوم 27 آذار 2009 دعينا للإجمتاع مساء مع الدكتور غسان معلوف أمين السر العام بمركزنا بزحلة وبأول الاجتماع قال إنو اللي ما بيقدر يبقى 6 ساعات بالاجتماع بيقدر يفلّ فورا. وهون الكل عرفوا إنو الحكيم بزحلة وما حدا فلّ.  وحوالى الساعة 12 كان اللقاء معه في فندق قادري الكبير. كان شعوراً غريباً غير كل اللقاءات، وعشنا معه 3 أيام من الصباح الى آخر الليل بين لقاءات شعبية ودعوات عشاء وزيارة المطران حداد والمشاركة بقداس شهداء زحلة. بدورها زحلة شكرت الحكيم على الزيارة بفوز لائحتنا بالإنتخابات النيابية بعد كم شهر”.

لا يخفي إيلي تأثره بالرفيق سلمان سماحه الذي سانده مع رفاقه الزحلاويين في نضالهم العلني حين كان الكل يخاف أن يلفظ كلمة قوات في سرّه في زحلة الرازحة تحت الاحتلال السوري المباشر. ولا ينسون وقفته معهم عندما انسحب الكل من ساحة زحلة يوم المهرجان الكبير عشية الانتخابات البلدية عام 2004. ومذ أعادت القوات تنظيم كوادرها الحزبية وإيلي يشغل مسؤولية قطاع المهندسين في زحلة وما زالت تشغله مهمة التبشير بالفكر القواتي الوطني وسلاحه الذي لم يفارقه في أي معركة … القراءة المعمّقة والحوار المسؤول.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل