Site icon Lebanese Forces Official Website

كنا هناك ــ بيار جبور: خرق حصار زحلة أول مهمة لي مع الحكيم

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1532

الجزء الأول

انتسب الى “القوات اللبنانية” منذ أول “دورة آمر فصيلة” نظمّها قائد “القوات اللبنانية” الشيخ بشير الجميل بعد توحيدها وكان رقم طلبه “46”. رقم يفتخر به بيار جبور فهو دائم السعي ليبقى بين الأوائل! وهو من أوائل الشباب الذين اندفعوا لبذل أرواحهم في سبيل قضية الإنسان في لبنان ليبقى حراً سيداً مستقلاً، قضية تجنّد لها مع رفاق له في “القوات” ليكونوا منذ ولادتها أهلها وحراسها والساهرين على حماية وجودها.

بيار جبور إن تذكّر مسيرة نضالاته يروي بشغف كيف إنخرط في صفوف المقاومة اللبنانية المسيحية ونكتشف معه بالوقائع والأحداث ومعموديات الدم والنار كيف صار واحدًا من أبطالها!. وهو إذ يتذكر لا يروي سيرته الشخصية فقط بل مسيرة رفاقه وسيرة المقاومة اللبنانية في محطاتها الكثيرة.

يسترجع بيار جبور صورة من ذاكرة الأسود والأبيض ويبدأ شريط الذكريات بالمرور أمامنا. “كنت فتى في عمر 12 أو 13 سنة عندما سمعت أن “مشكل” وقع في عين الرمانة وهناك قتلى وجرحى، لم يكن بعد مفهوم عبارة “معارك” أو “حرب” قد تبلور لدي ولدى كل من حولي، لكن شيئًا ما هزّني يومها عندما سمعت والدي يقول “له له تخنت كتير، الفلسطينيي صاروا بدن يقرّروا ببيروت وينزلوا بسلاحن ويقوصوا الناس بالكنيسة!!! هيدا موضوع مش لازم ينسكت عنو” أذكر أن أصدقاء والدي (رحمه الله) والجيران كانوا يتداولون الأحاديث يومها وكل يعيد الجملة ذاتها “ما بقا بدا المسيحية لازم يتسلّحوا”! وما زال الكلام يطّن في أذني “إذا كان الفلسطينيي بدن ياخدو أرضنا بدل عن فلسطين وجايزة ترضية تينسوا فلسطين…!”. كل هذا الكلام تفاعل في داخلي ولاوعيي كولد كان ما زال يدرس لبنان فخر الدين والأمير بشير وكيف قاوم أبناء الجبل من الموارنة الاحتلال العثماني… وماتوا ودافعوا لنبقى نحن هنا… علماً أنني من أبناء عمشيت البعيدة عن دائرة الحرب جغرافياً، لا بل أكثر فبعض أهالي المنطقة كانوا يعيشون وكأن الحرب تدور في بلد آخر.

عام 1978 كنت في صف البروفيه عندما دخلت في صفوف حزب “الكتائب”، كانوا قد فتحوا قسماً للحزب في بيت يخص أحد أقاربي في عمشيت، فالتحقت به، علماً أنني في تلك السن لم أكن كأولاد جيلي ألعب وألهو بل أجلس وحيداً أقرأ وأكتب وأنظم الشعر…

كنت أمين سرّ خلية طلاب “الكتائب” في ثانوية عمشيت الرسمية بعدما تخرجت من الصفوف التكميلية في “مدرسة الفرير ماريست”. في حرب الـ 100 يوم كنت أرى من عمشيت كيف تحترق بيروت تحت نيران القصف السوري، كانت القذائف ترسم خطوطاً من نار في السماء قبل أن تنفجر وتتوزع شظاياها في الجو وتنشر الرعب والموت والدمار. هزّني المشهد وجعلني أقول: “لازم شارك بالمقاومة، عم يقتلونا ويحرقوا بلدنا!!” بلشت أوعا أكثر على الخطر. بحثت عن مكان أبدأ منه وفيه. فتوجهت الى قسم “الكتائب” في عمشيت الذي كان يضمّ أكثر من 500 شاب تقريباً. من هنا كانت بدايات الفكر السياسي والعمل العسكري.

خضعت لأول دورة تدريب أعتقد لمدة أسبوعين وكان من بين المُدربين قائد ثكنة اللقلوق نجا الخوري الذي إستشهد معنا ونحن في طريقنا الى زحلة عام 1981. بعدها بدأنا نخدم على جبهة جرد العاقورة وهي الجبهة التي تتولى منطقة جبيل حمايتها. كانت المناوشات مستمرة بيننا وبين السوريين والمسلحين قبالتنا، كنا نطلع أول الربيع مع بدء ذوبان الثلج وكانت عملية سباق بيننا وبينهم حتى ما يسبقونا ويحتلوا جرد العاقورة قبلنا ويهددوا كل الضيع المسيحية العاقورة والغابات والمغيرة وقرطبا. منشان هيك كنا دايماً نسبقهم. هيدي المنطقة كان دايماً عليها مشاكل ومعارك بين العشاير. امضينا كل الحرب ونحن نسيطر على طول الجبهة إلا مرة في العام 1982 دخلوا هم واحتلوا الجرد عند نقطة “مقيِل الحسني” لكن الشباب عادوا واسترجعوها.

في فترة الشتاء كنا نخدم أحياناً على جبهة الأسواق التجارية في بيروت، لكن كانت المعارك الشرسة قد انتهت هناك وترسمت المتاريس والجبهات. كنا هنا وصلنا الى أواخر العام 1978، ولم يعد هناك اجتياحات ومعارك وحدّدت الجبهات”.

ويتابع بيار جبور شريط الذكريات ويتوقف عند مفترق يمثل له أهمية قصوى. يقول: “للصدف انا كنت من أول الناس الذين واكبوا قيام حاجز البربارة، أذكر أننا كنا في خلال مناورة تدريبية وكان معي جهاز لاسلكي للاتصال بين ثكنة عمشيت وغرفة العمليات في المجلس الحربي، كنت أقلّب الموجات لأكلمهم فسمعت صدفة على موجة قوى الأمن الداخلي كلاماً يقول إن الصليب الأحمر اللبناني حضر لانتشال الجثث، وحديثاً عن حادثة ما في منطقة شموت قضاء جبيل. سألت المسؤول هل  سمع عن الأمر، فرد بالنفي. في تلك اللحظة وصلت سيارة وقال لنا الشباب فيها إن هجوماً تعرضت له بلدة شموت وحصلت مجزرة. كان عدد من الشباب والصبايا يسهرون في أحد بيوت البلدة عندما دخل مسلحون وأطلقوا عليهم النار وهربوا. كنا في نيسان 1979، توجهنا نحن مباشرة الى فوق لكن الجناة كانوا فرّوا على الطريق البحرية لذا عمد شبابنا الى إقامة حاجز منطقة البربارة. نحن كنا في جرد ووسط البترون قرب عين كفاع التي يمكن الدخول منها الى منطقة جبيل من صوب صغار فركزنا حاجزاً في نقطة صليّب غلبون لاقفال طريق الجرد بالاضافة الى اقفال طريق البحر من البربارة، وهكذا صارت الممرات الى مناطقنا تحت المراقبة وهكذا بدأت قصة حاجز البربارة.

في العودة الى الماضي أذكر عندما بدأت المناوشات بين حزبي “الكتائب” و”الأحرار” في 7 تموز 1980، يومها وقفنا نحن كقسم عمشيت بين الفريقين كقوة فصل، بعدها توحدت البندقية المسيحية تحت راية “القوات اللبنانية” وانتقلت أنا الى مفوضية جبيل المسؤولة عن كل أقسام المنطقة وتشكلتُ الى العمليات فيها. بعدها التحقت بأول دورة آمر حضيرة في مخيم طبرية في كسروان التي كان يلتحق بها جميع المسؤولين العسكريين. بعد تخرجي منها انتقلت الى ثكنة عمشيت المركزية التي كانت تضمّ نحو 1200 عنصر وعُيِّنت آمر فصيلة، أما قائد الثكنة فكان إيلي سعادة الملقب بالـ”المشكل”. وبدأنا نخدم على نقطة عين كفاع وفي جرد العاقورة، أما حاجز البربارة فتولت الخدمة عليه ثكنة القطارة بقيادة الدكتور سمير جعجع”.

حتى تلك المرحلة لم يكن جبور قد عمل تحت قيادة “الحكيم” بل كان يسمع عنه فقط ولم يتصور أن مشوار نضاله سيكمل معه عمراً من عمر المقاومة اللبنانية. كان يسمع عنه أنه يعيش كناسك وثائر. الجولة الأولى التي جمعته بـ”الحكيم” كانت إبان معركة وحصار زحلة وتحديداً في 4 نيسان 1981، عندما كلفه الشيخ بشير الجميل بمهمة التوجه الى زحلة، وبما أن شبابه من الشمال كانوا منتشرين على كامل الجبهات الشمالية، طلب الشيخ بشير من قائد ثكنة عمشيت طوني أبي يونس مساندة الحكيم بالرجال وطلب منه أن يتوجه الى القطارة للقائه لتحضير مجموعة من 200 شاب تقريباً لمؤازرة مجموعة القطارة في محاولة لكسر الحصار عن زحلة. تجمعنا يومها في مفوضية جبيل وانتقلنا بالباصات الى جعيتا حيث كانت مخازن الأسلحة وتم تجهيزنا بسلاح جديد وصواريخ ميلان وقذائف بالإضافة الى ملابس خاصة للثلج لأن طريقنا كانت عبر جرد كسروان المغطى بالثلج. وصلنا الى ساحة “التيليسياج” حيث جمعنا الحكيم وقال لنا “مهمتنا لن تكون سهلة لكننا سنقوم بها لمساندة أهل زحلة”. انطلقنا عند الرابعة فجراً مشياً على الثلج الثقيل في الجرد والبرد القارس و”الغطيطة”.

وصلنا مع بزوغ الشمس الى نقطة الشير الأحمر حيث انكشفنا على الجيش السوري فبدأ القصف علينا بمدفعية 120 ملم من منطقة رياق. عند تعرضنا للقصف تشرذمنا فتمكن قسم منا من متابعة تقدمه نحو زحلة وأنا من بينهم أما القسم الآخر فعاد أدراجه. كان لدي إندفاع غريب يومها وتابعت طريقي تحت القذائف التي كانت تتساقط كالمطر ومعي حضيرة من 9 عناصر. في لحظة من اللحظات وأنا أرى القذائف تنهمر علينا ونحن ننحدر عن ذاك الجبل قلت في نفسي “يوماً ما سأكتب عن هذا المشهد الأشبه بفيلم سينمائي على شاشة بيضاء، وهكذا حصل بالفعل حيث عدت وكتبت عن ذاك اليوم الرهيب!”

كان الحكيم من بين الذين أكملوا التقدم على رغم القصف واستشهاد مرافقه نبيل رحمه ونجا الخوري وإصابة آخرين. وتابع معنا دليل من حراجل إسمه حنا سابيوس الى ان وصلنا الى وادي العرايش الى المدرسة الرسمية حيث صودف أن نساء من بين العائلات التي لجأت الى المدرسة كن يخبزن فكان الخبز السخن مكافأة لنا لسد جوعنا قبل أن ننطلق للقتال في داخل مدينة زحلة. في تلك اللحظة تلقينا الأوامر بضرورة العودة الى جبيل، فكانت صدمة لنا بعد أن أرهقتنا الطريق وكلفتنا الشهداء والجرحى، ذلك أن السوريين هدّدوا بتنفيذ إنزال على جرود العاقورة واحتلال المنطقة، مما كان يعني احتمال خسارة مناطقنا من البترون الى جبيل!! فعدنا أدراجنا إلا أن طريق العودة كانت صعبة وثقيلة واستمرت نحو 24 ساعة مشياً في الثلج بعد أن غيرنا المسار كي لا ننكشف مجدّداً على السوريين. يومها كتبت في مذكراتي 3 كلمات لا أنساها “تعبٌ حتى الموت”! وأنا الذي خضعت لأقسى التدريبات أحسست بهذا الكمّ من التعب والإرهاق. كان الثلج يغمرنا أحياناً وتتجمّد أوصالنا من البرد. بعد انسحابنا نفذّ الجيش السوري هجوماً برياً وجوياً واحتل كل التلال وهاجم الغرفة الفرنسية حيث سقط لنا شهداء وانقطعت كل الطرق المؤدية مع زحلة”.

كانت المهمة الأولى للـ”جبور” بقيادة الدكتور جعجع، إلا أن الاحتكاك المباشر والتعارف الحقيقي حصل بعد زحلة وفي مدرسة مار يوسف جبيل تحديداً حيث كان بيار يتابع دراسته، “يومها كان الحكيم مكلّفاً بتدريب شباب التجنيد الاجباري في مدرستنا وأنا كنت معفى منها بالطبع. كانت حلقات التدريب تبدأ بعد انتهاء الصفوف في فترة بعد الظهر، ويستهلها الحكيم بسباق تحمل في الركض يربح فيه من يصمد أكثر. أذكر أنني شاركت مرة بهذا السباق وكان من بين التلامذة معنا ممن باتوا معروفين الدكتور غابي حواط والوزير السابق جهاد أزعور، بقينا نركض الى أن إنسحب الكل تعباً وبقينا أنا والحكيم نتابع الركض! وما ان توقف هو وقفت أنا أيضاً!! كان هذا لقاؤنا الأول وخطرت لي إثره فكرة تأسيس فرقة على مستوى ما كنت أقرأ عنه عن فرق الكومندوس، أي وحدات خاصة من النخبة العسكرية. من ذاك اليوم لم ألتقِه إلا مرة في عمشيت ومن ثم في حرب الإلغاء”.

في بداية الاجتياح الإسرائيلي في  حزيران العام 1982 كان بيار مسؤولاً عن تدريب الإحتياط من التجنيد الإجباري في ثكنة عمشيت، وكان يجمع بين العلم والاختصاص وبين مجهود المقاومة. يعود الى تلك الحقبة ويتابع الرواية، “في أواخر حزيران زارنا الشيخ بشير وجمع الشباب وقال “نحنا اليوم بدنا نرجع نطلع عالجبل ونرجع نسترد أرضنا من الفلسطينيين وبدنا نعيش نحنا والدرزي بسلام. انتبهوا يا شباب انتو طالعين تعملوا مهمة مقدسة وممنوع تتجاوزوا القوانين وممنوع وممنوع”. كان حريصاً على ألا يهتز الجبل وألا تحصل تعديات وتجاوزات.

كان المطلوب أن تتوجه سرية من ثكنة عمشيت، وأنا كنت آمر الفصيلة الأولى، فتوجهنا 3 فصائل مع قائد الثكنة الى الجبل وما أن وصلنا الى سوق الغرب حتى بدأنا الإشتباك مع الفلسطينيين وتمركزنا بما كان يعرف بالمدرسة الفلسطينية وبمكين وعين الرمانة وقرص المدوّر وبيصور… حوالى الـ 6 أشهر.

في 23 آب انتخب الشيخ بشير رئيساً للجمهورية، فأرسلت القيادة بطلب بعض القيادات منا وقيل لنا أننا سننتقل لنكون في حرس القصر الجمهوري. إلتحقنا بمركز التدريب الخاص بالمهمة في دير المخلص في جون في الشوف، وبقينا هناك من الأول من أيلول الى 14 منه يوم استشهد الشيخ بشير فعدنا ليلًا وعبر طرقات المنطقة الغربية من بيروت حيث كان الخطر باعتقالنا او تصفيتنا كبيراً. كل منا التحق بمركزه فعدت انا الى نقطة سوق الغرب مع فصيلتي الى أن تركناها في تشرين الأول لتتسلمها سرية أخرى”.

بعد اغتيال بشير انتقل بيار جبور الى مرحلة جديدة من النضال والتحديات كبرت معها مسؤولياته في “القوات اللبنانية”، وليتحقق حلمه بتشكيل فرقة كوماندوس مع توليه قيادة فرقة “الصدم”.

يتبع: الدكتور جعجع “قائد صدم”… بعد 35 عامًا من حملي للبندقية تأكدت أن خياري كان صائبًا

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com

Exit mobile version