#adsense

معراب: كلمة السر الرئاسية

حجم الخط

لم يعد تفاهم معراب ثنائيًا بين الدكتور سمير جعجع والعماد عون. ما حصل في 18 كانون الثاني 2016 تمدد واتسعت دائرته لتضم إليها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي والرئيس سعد الحريري. لم يكن منتظرًا أن يمر كل هذا الوقت حتى تنتقل اللعبة إلى مسار جديد وحتى ينتقل الرئيس سعد الحريري من خيار ترشيح النائب سليمان فرنجية إلى خيار السير بترشيح العماد ميشال عون وحتى ينضم البطريرك الراعي إلى هذا المحور من خلال رفض تكبيل رئيس الجمهورية الجديد بسلة من المطالب الثقيلة. كأن كلمة السر الرئاسية التي انطلقت من معراب بدأت تتعمم وكأن تفاهم معراب يتمدد ليصير رباعيًا وأكثر ولتصبح قواعده هي التي تحكم المسار الرئاسي الجديد.

 كان سمير جعجع على حق. عندما اختار السير بترشيح العماد ميشال عون لم يكن يكسر قواعد اللعبة بل يحاول أن يؤسس لقواعد جديدة. كان يراهن على هذا الخيار وعلى أن “حزب الله” لن يمشي بانتخاب العماد عون وأنه معه كمرشح وليس معه كرئيس. أكثر من مرة حاول الدكتور جعجع أن يقنع الرئيس سعد الحريري بالسير في هذا الطريق ولكن الرئيس الحريري بقي مترددًا. تأخر الوقت صحيح ولكنه لم يتأخر كثيرًا ولا تزال الفرصة متاحة من أجل بلورة هذا التفاهم في أطار أوسع قد يحمل العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا.

وبقي سمير جعجع على حق عندما تمسك بهذا الخيار مراهناً على أنه في نهاية المطاف لن يصح إلا الصحيح وأن حركة التاريخ ذاهبة في هذا الإتجاه وأن المطلوب إعادة تصويب البوصلة الرئاسية نحو استعادة الجمهورية القوية ونحو تحرير الرئاسة من التبعية التي عانت منها طوال عهد الوصاية السورية ومن أجل إعادة الروح إلى اتفاق الطائف.

كان سمير جعجع مدركاً خطورة ما أقدم عليه في معراب في 18 كانون الثاني الماضي. وكان مدركاً خطورة الحرب التي ستشن على هذا التحالف الرئاسي من خلال إدراك المعترضين عليه لأهمية النقلة التي سيحدثها في اللعبة السياسية الداخلية خصوصًا لأنه يطرح العودة إلى روح الميثاق الوطني والدستور ويؤكد على أهمية حضور العامل المسيحي في داخل تركيبة السلطة وداخل الدولة ومؤسساتها ويؤسس لعودة التوازن الداخلي في الحكم.

ولذلك كان لا بد لهذا التفاهم من أن يرد الضربات أولاً قبل أن يدرك الآخرون مدى أهميته ليلتحقوا به. ولذلك كان عرضة لحروب كثيرة وللتشكيك فيه وفي أهدافه. وكانت الإنتخابات البلدية المعبر الأخطر الذي مر به وتعرض فيه لحملات كثيرة ولكنه في النهاية بقي صامدًا ونجح في اجتياز المراحل الصعبة ليصل إلى المحطة الحالية من خلال استدارة الرئيس سعد الحريري الرئاسية ومواكبة بكركي لهذه الحركة.

عندما توجه الرئيس سعد الحريري إلى بنشعي ومعراب والرابية كان يسلك الطريق نحو الخيار الجديد بعدما بقي أشهرًا مترددًا في اتخاذ القرار. في بنشعي كانت الأجواء سلبية. في معراب عادت الحرارة إلى العلاقة التي كانت مرت بأدوار برودة كثيرة. في الرابية كان حديث عن صفحة جديدة. كان كل ذلك كافيًا لتصحو ال”شياطين” المعارضة لهذا التحول. كأن كلمة السر التي أطلقها الدكتور سمير جعجع باتت هي الوحي الرئاسي الجديد.

فجأة ارتفع الصوت من بكركي. كانت عظات البطريرك الراعي عادة لا تكسر رتابة الأحداث. تحاكي الأوضاع السياسية من دون إحداث صدمات. يوم الأحد 2 تشرين الأول كانت هناك صدمة في عظته ذكّرت بتلك العظات الصدمات التي كان يطلقها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. على غير عادة وقف الراعي ليعلن رفض الشروط والسلال التي يريد البعض من خلالها تكبيل الرئيس قبل انتخابه في شكل مخالف للدستور. لم يكن يقصد العماد عون تحديدًا لأنه لم يسمه. ولكن أهمية ما قاله تكمن في أنه قاله بعد أيام على حركة الرئيس سعد الحريري وبعدما تحول العماد عون إلى ما يشبه المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية.

كان لا بد من أن يُبنى مدماك جديد على هذا الموقف حتى لا يظل وحيدًا وليوضع في مكانه الصحيح وكأنه مكمل لما اتفق عليه في معراب ولما وصل إليه الرئيس سعد الحريري. لذلك كان يوم الثلاثاء في 3 تشرين الأول الحالي في بكركي حافلاً بالمواقف. رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع ورئيس “التيار الوطني الحر” معًا في الصرح. اكتلمت الصورة تقريبًا. بعد عظة البطريرك الراعي لم تعد هناك إمكانية للعودة إلى الوراء. بدا كأن كلمة السر التي انطلقت من معراب لم تعد سرًا بين اثنين وكان المطلوب أن لا يبقى هذا السر سرًا لأنه كان من الواجب أن يتجاوز الإثنين وأن يصبح شائعًا لكي يصل في النتيجة إلى حيث يجب أن يصل.

سريعًا كانت عوامل الصورة تكتمل. العماد ميشال عون يتحدث مساء الثلاثاء ويطلق مواقف انفتاحية تجاه الرئيس سعد الحريري وتجاه الرئيس نبيه بري. ولكن ردود الفعل التي أحدثها كانت متباينة. كان من المطلوب ربما أن يسهّل العماد عون مهمة الرئيس سعد الحريري في الإنتقال من الخيار في تبني ترشيحه إلى القرار بترشيحه وكان يريد أن تكون مواقف العماد عون الجديدة كفيلة بحماية قراره خصوصًا على مستوى القواعد في “تيار المستقبل” والطائفة السنية مراهناً ربما على استعادة ما خسره شعبيًا بترشيح فرنجية من خلال ترشيح العماد عون. كانت ردود الفعل مشجعة على هذا المستوى بعكس ما كانت عليه بالنسبة إلى الرئيس نبيه بري واستمرار تمسكه غير المفهوم بالسلة وفي ظل موقف ملتبس لـ”حزب الله”.

كان لا بد من أن تكتمل الصورة أكثر مع “نداء” مجلس المطارنة الموارنة ظهر الأربعاء “انطلاقا من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق البطريركية المارونية والدور المنتظر منها” ليؤكد الآباء “على قرار رفع الصوت في وجه كل الشواذات وعلى كل ما أعلنه البطريرك  الراعي في عظة الأحد بشأن التقيّد بالدستور والمبادئ الدستورية لانتخاب رئيس جديد من دون أن تفرض عليه شروط مسبقة ليكون حرًا من دون قيد والرئيس الحكم لا الرئيس الطرف ولا الرئيس الصوري”، وللتأكيد أيضًا على روحية الميثاق الوطني وعلى ثلاثية “الحرية والمساواة في المشاركة وحفظ التعددية بعيدا من التسويات العابرة مع الترحيب بالجهود والمشاورات لانتخاب رئيس للجمهورية”.

بعد اتساع دائرة كلمة السر التي انطلقت من معراب لا بد من أن ينطلق مسار التغيير الجديد بقوة أكبر. بعد كلام العماد ميشال عون وموقف الدكتور جعجع من بكركي ونداء مجلس المطارنة لم يعد هناك مفر من أن يطور الرئيس سعد الحريري موقفه من ترشيح العماد عون. عندما تصبح قاعدة التفاهم رباعية من يستطيع أن يعرقلها أو يقف في وجهها ويعطلها؟ أدوات التعطيل التي استعملت بعد تفاهم معراب أي دور سيكون لها؟ ما هو موقف بعض المسيحيين الذين تحفظوا سابقاً وحاولوا أن يكونوا ضد التفاهم معتبرين أنه يريد إلغاءهم؟

لا شك في أن اللعبة مفتوحة أمام الجميع. أليس هذا ما أعلن عنه رئيس “القوات” في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب؟ ثمة اتجاه واحد للعبور نحو قصر بعبدا اليوم. ربما للمرة الأولى تكاد اللعبة تكون لبنانية منذ العام 1990 وبدء تطبيق الطائف على الطريقة السورية. وربما أيضًا هذا هو الوقت المناسب للعودة إلى الطائف كما هو وإلى أصول اللعبة الديمقراطية المحكومة بالتوازن. والسر يبقى في أهمية المكان الذي انطلقت منه كلمة السر بعدما كانت تأتي من أمكنة كثيرة.

 للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل