#adsense

كنا هناك ــ بيار جبور: بعد 35 عاماً من حملي للبندقية تأكدت أن خياري كان صائباً

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1533

الجزء الثاني والأخير:

ليس الوعي الوطني ما دفع بيار جبور، الشاب في مقتبل العمر، للإنخراط في صفوف المقاومة المسيحية، بل هو الإيمان بالكنيسة ودور الموارنة في قيام هذا الوطن منذ 1400 عام رغماً عن الغزاة والمحتلين الذين مرّوا على لبنان ولم يتمكنوا من تطويع أجدادنا الذين حفروا الصخر وولدوا منه الزرع والحياة. هكذا يختصر بيار دخوله في صفوف المقاومة باللاوعي الماروني الذي حمّله البندقية وعمّده بالنار.

بعد 40 عاماً يقول بيار “تستحق تجربة المقاومة وخوض حرب الدفاع عن وجود لبنان ووجهه المسيحي في هذا الشرق، أن تُروى فصولها بكل حلوها ومرّها، من انتصارات وهزائم الى انجازات عسكرية وخيبات سياسية، الى خسائر جسدية ومعنوية ومجد غار الشهادة على جبين الرفاق نصب أعيننا مع كل طلعة شمس… أروي اليوم وأشهد على عُمر من المقاومة لا لنمّجد ذاتنا و”القوات” بل لنبدأ نقداً ذاتياً نستعرض فيه خياراتنا المصيرية طيلة تلك السنوات ومدى صوابية حملنا للبارودة والتشبث بهذه الأرض بدلًا من البحث عن مستقبلنا ومصالحنا ولنقول “نعم كنا على حق” في خيارنا مع أن أبواب العالم كانت مفتوحة لنا لنعمل وننجح ونجني الثروات. وبعد كل ما حصل وما تحقّق أعتبر أنني كنت على حق في خياراتي وهذا حافز لي لأخبر تجربتي. بالنسبة لي هذه التجربة فخر لي أكبر فيها، وشرف  لي أنني إتخذت قرارًا قبل 35 عاماً ثبت أنه القرار الصائب مع أنه الأصعب وقد ينهي حياتي بلحظة”.

يكمل جبور الرواية ويقول إنه بعد لقائه الأول بالدكتور جعجع وسباق الركض والتحمّل الذي خاضه معه في مدرسة مار يوسف – جبيل، لمعت في رأسه وهو بعد بعمر التاسعة عشرة فكرة تأسيس فرقة على مستوى فرق الكومندوس التي كان يقرأ عنها وعن التدريبات التي تخضع لها لرفع قوة الاحتمال وحب البقاء لدى عناصرها، أي وحدات خاصة من النخبة العسكرية. يومها لم تكن الفكرة مطروحة وسط القوات المسلّحة المسيحية ولم تكن القوات اللبنانية قد ولدت حتى. وترسخت الفكرة أكثر في رأس بيار مع خوضه تجربة معركة زحلة وافتقار المجموعات التي حاولت خرق حصار زحلة للتدريب والعتاد والسلاح الخاص لهكذا ظروف طبيعية قاسية. ويتابع جبور “كنا نقاتل بقوة الإيمان وكان الشباب يدافعون عن أرضهم بمعطيات عسكرية وظروف طبيعية وقتالية غير مواتية وتعمل أحياناً ضدّهم. وسمير جعجع الذي قاد مجموعتنا الى زحلة هو قائد صدم بكل ما للكلمة من معنى لأنه مقاتل في الميدان حيث لا يمكن أن يكذب البحر الغطاس كما يقول أبناء عمشيت”.

ويضيف جبور: “لولا سمير جعجع هذا القائد لكانت كل القوة التي انطلقت الى زحلة استشهدت، هو قائد يحمي المجموعات التي معه. ولا مرة تركنا وحدنا في الميدان، هو من القادة التاريخيين الذين لم يهربوا لحظة الخطر. أقول ذلك لأوكد أن سمير جعجع لا يمكن ان يترك رجاله وانا لا أجامل ولم يكن هناك معرفة شخصية بيني وبينه يوم معركة زحلة. أذكر أننا وقفنا في ساحة “التليسياج ” في عيون السيمان صلينا الأبانا والسلام مع الحكيم قبل ان ننطلق صعودا نحو الشير الأحمر فزحلة. لكن حصل ما لم يكن متوقعاً وهدّد السوريون بإنزال شامل في المنطقة ما اضطر القيادة في بيروت الى وقف مهمتنا في زحلة. في طريق الانسحاب والعودة لم يكن الحكيم ليسمح لأي من المقاتلين بأن يرتاح او يجلس كي لا يتجمّد من البرد وتتكرّر فاجعة تجمّد الشباب في الغرفة الفرنسية. وعندما وصلنا الى عيون السيمان علمنا ان الرفيقين نجا الخوري ونبيل رحمه استشهدا وآخرين جرحوا لا أذكر أسماءهم. في هذا الوقت رأينا راتراك ينقل  جرحى مغاوير “القوات” من زحلة. بعدها نفّذ الجيش السوري إنزالاً على جرود صنين عيون السيمان والغرفة الفرنسية وإحتلوها وقطعوا كل طرق الامدادات بين الجبل وزحلة واستشهد على ما أذكر يومها الرفيق جاك عقيقي وهو يطلق صاروخ سام على طائرة سورية. وهكذا كنا نحن آخر من عبر تلك المنطقة قبل أن ترتسم عليها خطوط تماس جبهة الجبل.

عندما عدنا الى البيت، توافد الكل لتهنئتنا بالسلامة. ومع اننا أبناء بلدة بعيدة من جبهات الحرب وقد يكون من الطبيعي ان يقاتل أبناء أي بلدة عن حدودها وأهلها لكننا نحن شاركنا في القتال يومها عن منطقة بعيدة نسبياً عنا ومع ذلك قال لي والدي يومها “ما فعلته يا بيار كان عظيماً مهما كان دورك فأنت شاركت في تلك المعركة لتقول إن مسيحيي جبل لبنان وموارنته بالتحديد يؤازرون أي مسيحي في أية بقعة من لبنان أكانوا موارنة أو من طوائف أخرى، هيدي مهمة عظيمة وبدي شبّه القائد اللي كان معكن بـ يوسف بك كرم العصر الحديث”. أثّر فيّ هذا الحديث المليء بالعنفوان، وأعتبر ان دور أهلي وتربيتهم لنا على روح العنفوان هذه هي التي زرعت فينا الإيمان بالمقاومة. أما والدتي فمثل كل الأمهات بادرتني لدى وصولي بكلمة “يا تقبرني كتر خير الله رجعت بالسلامة ليك غيرك انجرحوا او استشهدوا” لأن الأخبار كانت وصلت الى البلدة من الشباب الذين سبقونا أن كل المجموعة التي نزلت الى زحلة استشهدت. كانوا ينتظرون عودتنا شهداء لكنهم فوجئوا بنا عندما وصلنا. أذكر أن أخي الأصغر سناً بول كان مصرّاً على مرافقتنا في المهمة الى زحلة لكن مفوض المنطقة العسكري رفض وقال له “ما فيكن تروحوا 2 من عيلة واحدة، ما فينا نخاطر فيكن سوا” يومها بكى أخي من شدّة الاندفاع! وبرأيي هذا الاندفاع كان سرّ قوتنا. عندما سمع أخي من الشباب أن كل المجموعة مع الحكيم استشهدت اتصل بالمفوض مستفسراً فقال له أن الأمر غير مؤكد ولم تصل بعد أي أخبار رسمية، فقال بنفسه أن الموضوع يبدو أكيدا لكن قائد الثكنة يهيئ لأهلي الخبر، هنا ولد الشكّ عند الأهل خصوصًا وأن الجيران كانوا يتهامسون ويتحسّرون على إبن حيّهم، لذا عندما وصلنا الى الحي كان لنا عرس فرح.

لدى استعادة ذكرى تلك المعركة بعد كل تلك الأعوام يمكن القول إن الجرأة والاندفاع وقوة العزيمة هي العوامل التي أخذتنا الى فوق لحماية أهلنا في زحلة، وقوة الضغط التي كانت تمارس على الشيخ بشير هي التي أجبرته على دفعنا في مهمة غير آمنة بالحسابات العسكرية وفي ظروف طبيعية قاسية ونحن غير مجهزين لمقاومة الثلج والبرد، حتى بزّاتنا العسكرية لم تكن باللون الأبيض لحمايتنا من العدو الذي كشفنا فوراً ونحن نتقدم على الثلج. الحرب علم وتكتيك وذكاء ومعدات لوجستية… لكن كل ذلك لم يكن متوفراً وسلاحنا كان فقط الايمان. صمود زحلة “خربط” كل حسابات الجيش السوري المجهّز لمحاربة إسرائيل وأوصل بشير الى رئاسة الجمهورية!.

المسيحيون لم يكونوا بعد محترفي حرب، وقد أدرك ذلك الدكتور جعجع وهو يرى الخسائر الكبرى التي نتكبدها لذا عندما تولى قيادة “القوات” انتقل بها الى مؤسسة عسكرية منظمّة ومدربة كما أفضل الجيوش. وبدأ هذا الإحتراف يظهر مع إنشاء معاهد تدريب الضباط والرتباء والوحدات الخاصة وبدأنا نتحول من ميليشيا الى جيش وهذا ما ظهر عندما قاومت “القوات” كل محاولات إلغائها ومجرد صمودها أمام عملية الـ “هوفر” التي كانت تحضّر للقضاء عليها في 48 ساعة أكبر دليل على ذلك.

تحضُرني هنا حادثة تثبت مدى عمق وبعد الرؤية لدى “الحكيم” وبنظر حلفاء لنا لم يعايشوه حتى زمن الشدائد، ففي خلال لقاء بين الشيخ سعد الحريري والرئيس الفرنسي ساركوزي قال له الحريري “هذا هو سمير جعجع الذي وقف في وجه “حزب الله” وكل قوى 8 آذار في عملية 23 كانون الثاني 2007 ولم يسمح للسوريين بأن يجتاحوا كل لبنان فبقي على صورته كما هو اليوم” فردّ عليه ساركوزي  “je sais”أذكر هذه الواقعة لأقول إن الخاسر لا أحد يسأل عنه، ونحن بصمودنا طيلة الحرب وبفضل هكذا قادة أجبرنا المجتمع الغربي على إحترامنا”.

 

عاد بيار الطالب الجامعي من زحلة ليكمل حياته بين الجامعة والمقاومة وكانت هذه هي الحياة الطبيعية لدى شباب ذلك الزمن. تجربة دفعته الى الخضوع لتدريبات عسكرية أصعب تؤهله للقتال في ظروف الثلج فالتحق بدورة تدريبية نظمتها “القوات” بالتعاون مع ضباط من الجيش الفرنسي، فبدأ معها حلم فرقة الكوماندوس يقترب عندما تأسست فرقة الصدم في “القوات اللبنانية” والتحق بها مع كثر من رفاق “النخبة” في القتال والتحمّل والذكاء والحنكة والمناورة. لكن قبل ذلك محطات تدرّج فيها بالخبرة والعلوم العسكرية.

فبعد العام 1982 واغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل ونزول سريته من الجبل عاد الى عمشيت وبدأ تركيزه على دورات العمليات والاشراف على الجبهات وتنظيم الخرائط العسكرية وتنظيم جداول الخدمة والتنسيق بين الأسلحة وكل التقنيات العسكرية العملانية البحت. ويتابع الرواية ويقول: “في هذه الأثناء خضعت لأول دورة رتيب عمليات، ومن ثم سميت للالتحاق بدورة ضابط عمليات على مستوى لواء استمرت 6 أشهر في بيروت. يومها كنت الوحيد من عمشيت وكانت الدورة تضمّ عنصراً واحداً من كل منطقة. بعدها تخرجنا كأول دورة ضباط عمليات في “القوات” وكنت طليع الدورة”.

ذاك الشاب الذي كان يهوى الشعر والأدب ويعشق القراءة واللاهوت استطاع ان ينتقل من التفوّق العلمي الى التفوق العسكري وتحوّل الى مقاوم محترف خاض معارك وتنقل بين جبهات واجه فيها الموت أكثر من مرّة. كيف يمكن لشاب بعمره وثقافته ألا يخاف؟ ألا يفكّر بمستقبله واختصاصه ومصلحته؟

الجواب لدى بيار تلقائي وصريح: “الخوف في العسكر طبيعي ومن لا يخاف يمكن أن يؤذي نفسه ومن معه. لكن الخوف يعني الحذر في قاموسنا، الحذر من المجهول. وهذا ما يجعلنا جاهزين دومًا لكل الاحتمالات والعواقب. اما جوابي عن كيفية جمعي للنقيضين فأنا أؤمن أن الانسان الملتزم يقاتل من أجل قضيته، وأنا كنت الراهب الذي استشرس دفاعًا عن قضيته ومبادئها. من البدايات كانت البندقية وسيلة لا غاية بالنسبة إلي، وطوّرت قدراتي دفاعًا عن جماعتي مثلي مثل كثر من الرفاق ومنا من استشهدوا وأصيبوا كما أصبت أنا. لكن من المؤكد أن الرئيس الشهيد بشير الجميّل زرع فينا الروح الوطنية ومبادئ القومية اللبنانية التي أبقتنا مزروعين في هذه الأرض ولم يتحقق المخطّط الدولي لتهجيرنا كما حصل مع الفلسطينيين. نحن لم نتخاذل وبقينا رهبان هذه الأرض”.

كالعديد من الشباب المسيحي الذين نذروا أنفسهم للقضية التحق بيار بمعهد الضباط في “القوات اللبنانية” ونال مع رفاقه بكالوريوس في العلوم العسكرية كما كل ضباط الجيوش المنظمّة. تخلى عن حياة الرخاء والمستقبل الواعد الذي كان ينتظره لأن صوتًا كان يناديه “مطرحك هون”. ويتابع: “المصلحة الشخصية وتحقيق ذاتي في المجتمع المدني وضعتهما جانباً مع أن أهلي وككل أهل كانوا ينتظرون أن أتخرّج تماما مثل رفاق دفعتي في المدرسة الذين أصبح معظمهم أطباء ووزراء ومحامين ومهندسين… لكني لست نادماً على شيء. بعد انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 التحقت بمعهد غوسطا، وكان الدكتور جعجع قد تسلّم قيادة “القوات”، وأُنشئت وحدات “القوات الخاصة”، قوات النخبة المحترفة والممكننة أي المجهزة والمزودة بدبابات وملالات ومضاد دروع ومقرها في عمشيت. يومها عينت ضابط عمليات هذه الوحدات التي كان قائدها بول عنداري. استمرت دورتنا نحو السنة ونصف السنة ومن ثم التحقت بفرقة الصدم في دلبتا التي تسلم قيادتها (الشهيد) أكرم القزح بعدما تسلم حنا عتيق قيادة وحدات الدفاع.

أذكر أننا توجهنا ذات يوم في مهمة الى منطقة بسكنتا بعدما وصلتنا معلومات عن نية السوريين وإيلي حبيقة تنفيذ عمليات إختراق للمنطقة الشرقية على تلك الجبهة التي لها ثقلها المسيحي والقواتي والكتائبي، وبالتأكيد كان لدى السوريين نية إسقاط بكفيا ومحيطها وإسقاط “القوات اللبنانية” التي انتفضت على الاتفاق الثلاثي وأسقطته. بعدما وصلنا الى بسكنتا تسلّم أكرم القيادة ولكن لم يطل به الوقت حتى عاد الى غوسطا للالتحاق بدورة الضباط فبقيت أنا في الموقع وتسلّمت قيادة مهمة حماية جبهة بسكنتا. كنا ننطلق بدوريات ليلية على الحدود ومرات كثيرة نخترقها الى مناطق الاحتلال السوري ونصل الى الزعرور وننصب الكمائن للسوريين والمتحالفين معهم. بقينا فوق ستة أشهر تقريباً الى أن غادرت من جديد الى ثكنة الصدم المركزية حيث بدأ تدريب مجموعات جديدة من الشباب”.

كانوا نحو 40 شاباً شغلوا الدنيا في زمن الحرب.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

كنا هناك ــ بيار جبور: خرق حصار زحلة أول مهمة لي مع الحكيم

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل