#dfp #adsense

الفراغ و”ناطور” بعبدا وجهان لعملة واحدة

حجم الخط

 

يبدو أن الفراغ في قصر بعبدا، ورئيس جمهوريةٍ مكبًّلٍ بأغلال الشروط المسبقة وما يتبعها من هيمنة الدويلة، هما وجهان لعملة واحدة يصكُّها فريق المعطلين، لمنع قيام الدولة في لبنان. وإذا كان من سماحٍ لقيام دولة في لبنان، فيجب أن تكون صورتها نسخة طبق الأصل، عن محافظة إيرانية، باستثناء اللغة العربية المتداولة في «المحافظة» اللبنانية بدل اللغة الفارسية. هكذا تبدو صورة لبنان أو «ريف» بيروت اليوم، إذا ما «تكرّموا» علينا بتسمية عربية سورية لحليفهم الخائف من المسقبل المجهول  في دمشق. فماذا يريد المعطلون لقيام الدولة في لبنان؟ وما هي شروطهم للإفراج عنها؟  

فور إقلاع موكب الرئيس الحريري باتجاه بنشعي في الشمال، ارتفعت الأصوات الهادرة وهي تنادي بـ”السلّة” قبل الإفراج عن الرئاسة. ثم أتبعوها بشروط تعجيزية أكثر تفصيلاً، من الإتفاق سلفاً على توزيع الوزارات “الدسمة”، أي القابلة للنهب أو للسيطرة الأمنية، على بعض الكتل التي أنزلها الله على اللبنانيين بقوالب خاصة من الطهارة ورفعة النفس… إلى أسماء المستوزرين، والفيتوات على بعض الأسماء، إلى منع بعض الوزارات عن كتلٍ نيابية معينة… فأصبحنا أمام نوعين من المواطنين في عنصرية بغيضة، خصوصاً بعد تلك الشروط التي طالت “القوات اللبنانية” وسوّقها أحد الإعلاميين المحسوبين على “حزب الله” نيابة عنه. لم يتوقف “التحريم” على الوزارات والوزراء، إنما غاص عمقاً إلى المديريات، ونزولاً للوصول إلى مسؤولية ناطور الأحراش. فهل ما يُحكى عنه بهذا الشكل سلّة واحدة، أم إنها غابة من السلال التي لا تنتهي إلا بتثبيت الفراغ في الدولة؟!

لا يا سادة. “القوات اللبنانية”، وبدون تبجُّح، هي خير من قاوم في هذا الوطن؛ ولولا تضحياتها لما استطاع اللبنانيون الوصول إلى مواجهة الإحتلال الأسدي للبنان في مستهل القرن الحادي والعشرين، ولما كنا قد وصلنا إلى اللحظة التاريخية في 14 آذار 2005، ولما كنتم اليوم تنعمون بحرية التعبير في هذا الوطن ولكان لبنان اليوم مختصراً عملياً بعبارة “ريف بيروت” وعاصمته الفعلية عنجر ورئيسه الوالي المُنتدب من آل الأسد. قد تكون “القوات اللبنانية” ظلمتكم عندما استمرت في النضال لتحريركم. “القوات اللبنانية” ترفض الشتائم أو الردِّ عليها؛ لأن الشتيمة غير موجودة في قاموسها اللغوي؛ وعناوين قاموسها الصدق والكرامة والعنفوان والنضال الشريف ومحاربة الفساد. “القوات اللبنانية” ترفض تبادل الشتائم والمعصيات، لأنها تنتهي إلى الحروب وهي ترفض الحروب وتتهيّبها، ليس خوفاً من الموت ولكن ضنّاً بمن تدافع عنهم وتحميهم. أما إذا كُتِبت عليها الحرب، فليكن معلومكم أن “القوات اللبنانية” هي عائلات الشجاعة والبطولة في المعارك، وحليفة الإنتصار؛ وتاريخها يشهد لها على ذلك.

بالعودة إلى “السلّة” وشروطها، سواء كانت تسريباتٍ لتحريك مستنقع الشهوات والحصص، أو كانت واقعية؛ فإن أمر السلاّت التي تسبق انتخاب رئيس الجمهورية مرفوض سلفاً من قبل “القوات اللبنانية”؛ سواء كان هذا الرئيس حليفاً لـ”القوات” أو حتى خصماً لها. وتكبيل الرئيس بشروط كهذه قبل انتخابه، أمر ترفضه “القوات” لأنه يجوِّف الرئاسة من مضامينها ويفرّغ الرئيس من مسؤولياته، بحيث لن يبقى له أي دور بعد الإنتخاب سوى “البصم”. فما الفرق بين الفراغ في بعبدا وبين رئيس قيَّده البعض بشروطه المسبقة.

فهل يمكن لأي مرشح لمنصب الرئيس في لبنان، سواء كان من الأربعة أو غيرهم، أو من السياديين أو نقيضهم، أن يوافق على هذه الشروط قبل انتخابه!!! وحتى لو افترضنا بأنه تظاهر بقبولها، فهل يمكنه تطبيقها إذا وصل إلى كرسي بعبدا؟!

السلة، هذه القطبة المخفية، التي تحمل مضامين عديدة متطابقة أو متعارضة، هي عبارة عن “مؤتمر تأسيسي” بألفاظ مخففة. هي بمثابة تعطيلٍ للدستور قبل كلِّ استحقاق رئاسي. وإذا كان لهذه السلة من جدوى، فلماذا لم تتوصل طاولة الحوار، التي كانت نسخة مموهة عن المؤتمر التأسيسي، لماذا لم تتوصل على مدى عامين في عشرات من الجلسات الماراتونية، لا أقول إلى إيجاد حلٍّ لأي من بنودها الأربعة، إنما لأقول الولوج للبحث في إيجاد حلٍّ لأحد هذه البنود، وعلى رأسها، كما تعترف طاولة الحوار نفسها، بند رئاسة الجمهورية؟

“سلتُّكم” فاضية في الحوار الذي لم يبدأ عملياً منذ عامين. وعندما لاح في الأفق إمكانية إيجاد حلٍّ للرئاسة، استولدتم السلة من جديد لتعطيل الرئاسة. ولو افترضنا أنكم اجتمعتم لبحث السلة قبل الرئاسة؛ فهل هناك فرق بين طاولة الحوار التي لم تنتج شيئاً وطاولة “السلة” المزعومة، التي لن تؤدي إلاّ إلى استمرار التعطيل في سدة الرئاسة، واستمرار الفراغ الذي ترعونه منذ خمس سنوات مباشرة بعد توقيع “إعلان بعبدا”؟

اللبنانيون السياديون  الأحرار لا يجدون في سلتكم إلاّ أحد هدفين أو كليهما: الأول، استمرار الفراغ للإمعان في تجويف الدولة وقضمها، ومن ثم استسهال هضمها لاحقاً، وتثبيتها في الفلك الإيراني؛ والثاني، السيطرة على معظم مفاصلها في الوزارات الأمنية، الإقتصادية والمالية… ومن جديد النفطية كما يبدو، تمهيداً لربطها بمصالح الإمبراطورية الفارسية. في كلا الحالتين يبقى الهدف النهائي لسلتكم كما نراها، هو إلغاء الكيان اللبناني الذي عصيَ على الغزاة والفاتحين لآلاف السنين.

ويبقى السؤال: ماذا لو طبقنا مبادئ هذه السلة على المجلس النيابي بعد كل انتخابات نيابية؛ عندما يقف فريق أو أكثر، ويطالب المرشح أو المرشحين لرئاسة المجلس، بخارطة طريق لمسار المجلس خلال السنوات الأربع التي تلي؟ أو إذا طبقنا مبادئ هذه السلة قبل المشاورات التي تسبق تكليف رئيس الحكومة، لمعرفة حصص الأفرقاء السياسيين من حكومته؟

سياسة “السلال” لا تبني وطناً. سياسة السلال ظاهرها خارطة طريق، وباطنها تعطيل للمؤسسات. وماذا يبقى لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة من وزن خاص في مواقعهم إذا قيّدناهم بالسلال؟ عندها قد نأتي بناطور الأحراش (مع كامل احترامنا لمسؤوليته في ضبط الأحراش)، ليتسلّم هكذا مسؤولية وفقاً لخارطة طريق وأغلال نضعها في قدميه. ما الفرق؟

“السلة” مرفوضة سلفاً، لأنها ذريعة إما لتثبيت الفراغ، أو لتكبيل المقام الأول في الدولة. ونحن نرفض المقايضة بين الفراغ و”ناطور بعبدا”؛ لأنهما وجهان لعملة واحدة إسمها: “منع قيام الدولة في لبنان”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل