وجهة نظر أنقلها ولا أتبناها

تلقيت اتصالا من صديق قديم، وهو غير حزبي بالمناسبة، دعاني فيه إلى جلسة ثنائية عاجلة لمناقشة فكرة تراوده منذ فترة وبحاجة لمناقشتها معي، وأسمح لنفسي بان أنقل بأمانة ما سمعته من دون ان اتبنى فكرته ولا التعليق عليها، فقال “دخل لبنان منذ الحرب السورية في مرحلة سياسية جديدة تبدلّت فيها أولوية “حزب الله” من سورنة الوضع اللبناني مجددا، اي إعادة الوضع نسبيا إلى ما قبل خروج الجيش السوري، إلى الحفاظ على المساكنة بين ٨ و ١٤ آذار، وتحديدا مع تيار “المستقبل” من أجل ان يتكفّل بمواجهة التطرف داخل البيئة السنية، وبالتالي تبريد الساحة السياسية ليتمكن من مواصلة قتاله في سوريا.

وقد أدى هذا الستاتيكو الجديد الذي رفضه فقط رئيس “القوات” سمير جعجع إلى تطبيع العلاقات السياسية بين “حزب الله” و”المستقبل” الذي تفاجأ بإعلان جعجع ترشحه لرئاسة الجمهورية، هذه الخطوة التي قابلها بتأييد شكلي حفاظا على وحدة ١٤ آذار، ولكنه في العمق لم يكن مع هذا الترشيح ليس من منطلق رفضه لجعجع إطلاقا، إنما لأن ترشيحه يتناقض مع المسار الذي انطلق مع المساكنة الجديدة، كون رئيس “القوات”، بالنسبة إلى “المستقبل”، مشروع مواجهة سياسية، كما الرئيس فؤاد السنيورة في رئاسة الحكومة، وسيشكل انتخابه، لو حصل، عودة إلى الانقسام بين مشروعي الدولة والدويلة، اي الدخول في مواجهة جرِّبت ومن دون أفق، فيما المطلوب انتخاب الشخصية التي تعزز مسار المساكنة من منطلق أن الأزمة السورية طويلة والمصلحة تقتضي بترييح اللعبة الداخلية.

وهذا ما يفسر المساعي التي قادها الرئيس سعد الحريري من أجل انتخاب شخصية من ٨ آذار أكانت العماد ميشال عون او النائب سليمان فرنجية، كما يفسر أيضاً ردة فعل جعجع الذي حاول الحفاظ على ستاتيكو المواجهة مع “حزب الله” من خلال رفض الدخول في الحكومة والمشاركة في الحوار وإعلان ترشيحه، ولكنه لم ينجح في نهاية المطاف لأن كل مكونات ١٤ آذار فضلّت المهادنة على المواجهة، وبالتالي وجد نفسه مضطرا مواجهة ترشيح فرنجية بترشيح عون.

وعلى غرار كل الديناميات السياسية التي تبدأ من مكان وتنتقل إلى مكان آخر، اي تبدأ بخطوة تكتية لتتحول استراتيجية، فإن ترشيح جعجع لعون فرضته، باعتقادي، الظروف وتطوراتها المتلاحقة ليتحول لاحقا إلى قناعة سياسية وخطوة استراتيجية.

ومن هنا، وبعد هذا العرض الضروري، أحب ان أدخل في صلب الموضوع الذي أختصره بالنقاط الآتية:

أولا، الستاتيكو الذي بدأ مع حكومة الرئيس تمام سلام كان جعجع آخر “ركابه” بفعل غياب من يتضامن معه لمواجهته، ولكن هذا الستاتيكو تحول إلى خط مرحلي ثابت يحظى برعاية دولية-إقليمية وغير قابل للتبدل مبدئيا قبل انتهاء الأزمة السورية، ما يعني ان هذا الستاتيكو طويل ومفتوح.

ثانيا، مضمون هذا الستاتيكو الذي كان جعجع ضده وخارجه يرتكز على فكرة أساسية وهي محاولة تحييد السلطة عن الصراع المتصل بسلاح “حزب الله”، او بالأحرى تجميد هذا الصراع حتى إشعار آخر، وبالتالي يفترض بـ”القوات” ان تكون شريكة في هذه السياسة، لأن لا أفق لأي سياسة أخرى في ظل تمسك “المستقبل” بهذه السياسة.

ثالثا، وصول جعجع إلى “بعبدا” يَفترض إما ان يبدل في قناعاته، وهذا من سابع المستحيلات، وإما ان ينهزم المحور الإيراني، وهذا من سابع المستحيلات أيضاً، وبالتالي هو أمام خيارين: وصول رئيس توافقي يعجز عن إدخال أي تغيير على المعادلة التي تمسك بالبلد وتديره أقله منذ العام ٢٠٠٥ إلى اليوم، اي التحالف الرباعي والثنائية السنية-الشيعية، او انتخاب عون رئيسا، هذا الانتخاب الذي يطوي صفحة التحالف الرباعي ويدخل المكون المسيحي التمثيلي شريكا في لعبة السلطة للمرة الأولى منذ العام ١٩٩٠، والمدخل إلى هذا الدور رئاسة الجمهورية لا الكتل النيابية والوزارية، والدليل ان الحريري الذي بحوزته أكبر كتلة نيابية وأوسع تمثيل وزاري يتطلع إلى دخول السراي لاستعادة دوره الوطني، وبالتالي التوازن المسيحي-المسلم يبدأ من الرئاسات الثلاث لينتقل إلى سائر المؤسسات، خصوصا ان المسألة تتصل بشخصية الرئيس أكثر من اي اعتبار آخر، وليس أدّل على ذلك ان دور رئاسة الحكومة اختلف بين الشهيد رفيق الحريري والرئيس سليم الحص والمرحوم عمر كرامي، وهذا الاختلاف لا يعود إلى الصلاحيات، لأن جميعهم حكموا تحت سقف اتفاق الطائف، بل إلى شخصية الحريري.

رابعا، لقد دلت التجربة ان الرئيس بري هو عرّاب التحالف الرباعي، ووقف منذ اللحظة الأولى ضد تحالف “حزب الله” مع عون، ويحول دون وصوله إلى رئاسة الجمهورية، ويدعم كل من يحافظ على التوازنات التي كرسها الانقلاب على اتفاق الطائف، إي إبقاء المارونية السياسية خارج الحكم، ويحاول باستمرار تخيير المجتمع الدولي والعربي واللبناني بينه وبين “حزب الله”، وذلك على قاعدة انه في أسوأ الأحوال يبقى السيء أفضل من الأسوأ، ولكن انتخاب عون يقتضي هذه المرة إسقاط هذا المعادلة لمصلحة التحالف شيعيا مع “حزب الله” لأربعة أسباب أساسية: السبب الأول، لان بري يشكل بالممارسة عائقا فعليا أمام عودة الفعالية المسيحية إلى السلطة. السبب الثاني، لان الحزب ساهم بتصحيح الخلل المسيحي في السلطة. السبب الثالث، لان الرهان على بري ليس في محله كون القرار في القضايا الاستراتيجية بيد الحزب، ولان كل هدف بري من طبيعة سلطوية. السبب الرابع، لان ما ينطبق على “المستقبل” الذي برّد مع الحزب يجب ان ينسحب على “القوات”.

خامسا، سلاح “حزب الله” لا يمكن نزعه بالقوة وحلّه لن يكون إلا في إطار تسوية إقليمية ما زالت بعيدة جدا، وبالتالي المصلحة المسيحية الوطنية تقتضي العمل على ستة محاور: المحور الأول، تعزيز الحضور المسيحي داخل السلطة كهدف استراتيجي للحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان. المحور الثاني، تطمين “حزب الله” من أجل تشجيعه على التحول من حالة ثورية إلى حالة دولتية. المحور الثالث، تطمين “المستقبل” بان لا عودة إلى سياسات الغلبة، بل التعاون والتكامل بين رئيسي الجمهورية والحكومة بما يرسّخ الاستقرار. المحور الرابع، عدم الدخول بأي تناقض سني-شيعي، بل العمل على مد الجسور بين السنة والشيعة، وهذه الجسور لا يمكن مدها سوى من فريق مسيحي تمثيلي. المحور الخامس، تطمين “الاشتراكي” بان المكون المسيحي التمثيلي سيشكل الضمانة والحاضنة للدرزية السياسية في جبل لبنان الجنوبي. المحور السادس، التمسك بمشروع الدولة الذي لن ينهض لبنان من دونه، ولكن إعادة الاعتبار لهذا المشروع تبدأ مع عودة الفعالية المسيحية، والمدخل لهذه العودة رئاسة الجمهورية الكفيلة بإطاحة التوازنات التي كرسها النظام السوري على حساب المسيحيين، ومن ثم العودة تتم على دفعات وعلى قاعدة الجولات لا الضربة القاضية، وإذا كانت الجولة الأولى تمثلت بعودة الزعامات المسيحية التاريخية إلى الحياة السياسية، فإن الجولة الثانية تكمن في الإمساك برئاسة الجمهورية والتمثيل المسيحي-الوطني”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل