.jpg)
واشنطن – خاص
قبل أربعة أسابيع على موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، الحاسمة والحامية في آن، أدخلت إدارة الرئيس باراك أوباما السياسة الخارجية الأميركية في إحراج شديد وأظهرت مدى انعكاس سياسة الانكفاء الدولي الجزئي الذي وضعه أوباما نفسه ردّاً على التوسع الأميركي العسكري والسياسي في عهد سلفه جورج بوش الإبن، على الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم بعدما إرتدت صفة شرطي العالم، ولئن كانت الإدارة الحالية تهربت من هذا الدور لكي لا تلتزم لوحدها وبشكل أحادي بمعالجة أزمات العالم، إلا أن هذا التهرّب أثبت بما لا يقبل الشك أن واشنطن لم تعد مؤثرة بشكل كبير في الساحة الدولية، طالما أن العدو الروسي جاهز لمواجهتها في غير ملف وفي غير مكان. فهل يمكن أن يستدرك أوباما الوضع في آخر أيام عهده؟ وهل هناك استراتيجية أميركية جديدة بعد قرار وقف المفاوضات مع موسكو حول سوريا؟
أبرز مثال على الانكفاء الأميركي هو كيفية التعامل مع ملف الحرب في سوريا، التي تميزت بضبابية واضحة عن قصد أو غير قصد، وهذه الضبابية مردها إما إلى ما أخفته الإدارة الحالية من نواياها الحقيقية إزاء النزاع السوري فإما هي أرادت وتريد إطالة أمد هذا النزاع، أو أنها فشلت في تقديم المساعدة لمعالجته. ولكن الخيار الثاني هو المرجح منذ وضع أوباما الخطوط الحمر تحذيراً لنظام الأسد من استخدام الأسلحة الكيميائية (استعلمت على نطاق واسع) إلى رسم سيناريوهات الحلّ وتحديد روزنامته في آب المنصرم (جون كيري كان حدّد هذا الموعد لبدء تنفيذ مرحلة الانتقال السياسي في سوريا)، وصولاً إلى التراجع بشكل واضح عن الأحلام أو الرؤى الكبيرة لمعالجة الأزمة في سوريا، والاكتفاء فقط بمفاوضة الراعي الروسي لنظام الأسد على إتفاق لوقف إطلاق النار أو وقف الأعمال القتالية، وإدخال المساعدات الانسانية، ولكن حتى هذا الاتفاق أدخل الإدارة الأميركية الحالية في خيبة أمل حقيقية وسقطت كل الرهانات التي وضعها وزير الخارجية الأميركية على صداقته مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.
لا تبدو إدارة أوباما في وضع تحسد عليه في شهرها الأخير، فطوال رئاسة أوباما في ولايتيه المتتاليتين برزت خلافات كثيرة إلى العلن بينه وبين الكونغرس ولا سيما مع مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية، إضافة إلى خلافات غير معلنة بشكل واضح بينه وبين بعض الوزراء المهمين، ولا سيما مع وزيري الدفاع والخارجية، فعلى الرغم من دعمه لترشح هيلاري كلينتون إلى الرئاسة أبرزت وزيرة الخارجية السابقة في كتابها “خيارات صعبة” التباين الذي حصل بينها وبين الرئيس، كما أن وزير الدفاع السابق روبرت غيتس ترك منصبه وهو على خلاف مع أوباما، وعبّر عن ذلك بتصريحات بعدما أصبح وزيراً سابقاً وفي كتابه الخاص الذي أصدره عام 2014 تحت عنوان “الواجب” أو “المهمة”.
في الملف السوري
على وقع تصعيد الحرب على حلب بقرار روسي عن سابق تصوّر وتصميم شعر رئيس الدبلوماسية الأميركية بأنه طعن من صديقه الذي وثق به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فاتفاق وقف الأعمال القتالية الذي تحفظت الولايات المتحدة عن نشره، لم يطبق سوى لمدة وصلت إلى ثمانية وأربعين ساعة، وليس سبعة ايام كما حدده الاتفاق تمهيداً للإنتقال إلى المرحة الثانية منه التي تتطلب تعاوناً عسكرياً مباشراً بين الولايات المتحدة وروسيا لاستهداف الجماعات الإرهابية، وعن نقطة التعاون هذه جوبه الوزير كيري والفريق المؤيد للاتفاق مع روسيا الذي يقف خلفه أوباما تحديداً، بمعارضة شديدة من قبل وزير الدفاع آشتون كارتر، الذي أبلغ إدارته بأن هناك عاملين يحولان دون تحقيق التعاون العسكري مع روسيا، أولهما عدم ثقة العسكر بالروس، وهي ثقة لم تبن أصلاً بين دولتين تصنفان بأنهما عدوتين، وثانيهما تنطلق من ركيزة الحفاظ على سرية الخطط العسكرية والأمنية للولايات المتحدة والتي من شبه المستحيل تبادل أي مستوى منها مع الروس، فلا شراكة على هذا المستوى بين جيشين غير حليفين، وبالتالي فإن حظوظ تكملة اتفاق وقف الأعمال القتالية كانت صفراً حتى قبل وضعه موضع التنفيذ، ولأن العسكر الروسي يدرك تماماً موقف قيادة الأركان الأميركية، لم تشأ موسكو تطبيق ما التزمت به في الاتفاق، ولذلك يمكن القول صراحة إن العسكر الأميركي انتصر هذه المرة على الدبلوماسية وجعل وجهة نظره هي التي تقرر في أحد ملفات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وعليه بدت قوة البنتاغون واضحة ومتقدمة على طابخي السياسة في البيت الأبيض وجاء إعلان قرار تعليق المباحثات مع روسيا من قبل وزارة الخارجية، ومردّ هذا الإعلان، هو إدراك واشنطن ولو متأخرة أن روسيا لا تأبه للموقف أو الموقع الأميركي في النزاع السوري، وأظهرت الوقائع على الأرض أن روسيا لا تريد شراكة أحد في التعامل مع الصراع في سوريا، كما أنها لا تقبل أية حلول دولية ما عدا الخطط التي رسمتها هي لإدارة هذا الصراع. وما أغاظ واشنطن، هو إستمرار قوات النظام السوري المدعومة من الميليشيات الإرهابية التي تدين بالولاء لإيران والسلاح الجوي الروسي بقصف المنطقة التي يسيطر عليها مقاتلو الفصائل المسلحة المعارضة للنظام في حلب وأصابوا واحدة من المستشفيات الرئيسية في المدينة وتسببوا بأضرار فادحة في شبكات إمدادات المياه.
وبحسب مراقبين في واشنطن، فإن انهيار المحادثات الروسية الأميركية بشأن سوريا يدل إلى أمل ضئيل إن لم يكن معدوما في التوصل إلى حل دبلوماسي قريب للحرب الأهلية المستمرة منذ خمسة أعوام ونصف. وقد أبدت الخارجية الأميركية أسفها لعدم إلتزام روسيا بتعهداتها، وأعلنت صراحة أنها كانت إما غير راغبة أو غير قادرة على ضمان التزام النظام السوري بالترتيبات التي وافقت عليها موسكو. وذهبت إلى حد إتهام روسيا والنظام السوري مباشرة بمتابعة الحملة العسكرية، وهذا يتعارض مع وقف الأعمال العدائية، من خلال الهجمات المكثفة ضد المناطق المدنية، واستهداف البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات، ومنع المساعدات الإنسانية من الوصول إلى المدنيين المحتاجين والمحاصرين.
وفي إشارة إلى تبني موقف وزارة الدفاع أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة ستستمر على تواصل مع الجيش الروسي لتجنب ما يسمى بالاحتكاك ولتجنب المواجهات العسكرية العرضية فوق سوريا. لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستسحب كل الطواقم التي أرسلتها للتحضير للتعاون العسكري مع روسيا بموجب اتفاقية الهدنة. ومن المحتمل أن يؤدي هذا القرار إلى تفكير أميركي أكبر في الخيارات العسكرية مثل تقديم أسلحة أكثر تعقيدا ودعم لوجستي وتدريب للفصائل السورية المسلحة وهي جوانب قال مسؤولون أميركيون إنهم يبحثون تنفيذها أما بشكل مباشر أو عبر دول الخليج العربية أو تركيا.
قانون “جاستا”
لقد أدّى إسقاط الكونغرس الأميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب بالإجماع نقض الرئيس الأميركي لقانون” العدالة ضدّ رعاة الإرهاب” المعروف بقانونJASTA أيJustice Against Sponsors of Terrorism Act ، إلى توجيه ضربة قوية لإدارة أوباما في علاقتها المتوترة أصلاً مع الكونغرس، ولكن هذه المرة كان لافتاً وقوف المشرعين من الحزب الديمقراطي ضدّ فيتو أوباما، بحيث رفض مجلس النواب الأميركي بأغلبية كاسحة الفيتو الذي استخدمه الرئيس ضد مشروع القانون وكانت نتيجة التصويت رفض 338 نائبا للفيتو مقابل 74 وهو أكثر من أغلبية الثلثين التي يحتاجها مجلس النواب لإسقاط الفيتو. وكان مجلس الشيوخ قد رفض الفيتو بواقع 97 صوتا معارضا مقابل صوت واحد مؤيد.
ويشير مراقبون أميركيون في واشنطن إلى مدى التخبط الذي تعيش فيه الإدارة الحالية في آخر أيامها، فمرّة يقف العسكر ضد الدبلوماسية وينتصر كما جرى في قرار تعليق المفاوضات مع روسيا حول سوريا، ومرة أخرى، لا يأبه السياسيون المشرعون للتحذيرات التي أطلقها كبار مسؤولي الأمن القومي لجهة ما يتركه السير بقانون “جاستا” على مبدأ خرق الحصانة السيادية للولايات المتحدة، وساروا عكس التيار ومضوا قدماً في قانون قد يصل في نهاية المطاف إلى محاسبة السعودية أو بعض المسؤولين السابقين فيها وتحميلهم مسوؤلية هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 وأحكام المحاسبة هذه لن تتوقف عند مطالبة السعودية بدفع التعويضات اللازمة لأسر ضحايا هذه الهجمات، بقدر ما قد يهدد منظومة العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة والسعودية.
ولن تقف حدود هذا القانون عند العلاقة الأميركية السعودية، بل سيؤدي ذلك إلى رفع دعاوى قضائية ضد مسؤولين أميركيين عن أفعال تقوم بها جماعات أجنبية تتلقى مساعدات أو عتادا عسكريا أو تدريبا من الولايات المتحدة كما سيلحق الضرر بجهود العمل مع حلفاء أجانب بخصوص مكافحة الإرهاب وقضايا أخرى.
وقد إستخدم الرئيس الأميركي في الدفاع عن نقضه قانون “جاستا”، لغة قانونية بحتة معتبراً أن رفع الحصانة السيادية في المحاكم الأميركية عن الحكومات الأجنبية غير المصنفة كدول راعية للإرهاب وبالاعتماد فقط على ادعاءات مثل أن أفعال هذه الحكومات الأجنبية بالخارج تتصل بإصابات جرت على الأراضي الأميركية تهدد بتقويض المبادئ القائمة منذ فترة طويلة لحماية الولايات المتحدة وقواتها وجنودها.
فيما رفع جون برينان مدير المخابرات المركزية الأميركية لهجة تحذيره من السير بالقانون الذي يسمح برفع دعاوى ضد الحكومة السعودية معتبراً أن هذا الأمر سيكون له تداعيات خطيرة على الأمن القومي الأميركي.
وقال برينان إن النتيجة الأشد ضررا ستقع على عاتق مسؤولي الحكومة الأميركية الذين يؤدون واجبهم في الخارج نيابة عن الولايات المتحدة، وأوضح أن مبدأ الحصانة السياسية يحمي المسؤولين الأميركيين كل يوم وهو متأصل في المعاملة بالمثل.
ويعتبر أحد المحللين والمختصين بشؤون القانون الدولي أن الولايات المتحدة الأميركية تعتبر أكثر الدول المنتفعة بالحصانة السيادية، من هنا تعتبر مصادر أميركية أن استغرابًا شديداً حصل من تصرف الكونغرس الذي يمكن وضعه فقط في سياق تظهير عميق للخلاف بينه وبين البيت الأبيض.
نص قانون “جاستا”
إسم القانون، عبرت عنه المادة الأولى بتسميته: “قانون العدالة ضد الإرهاب”.
المادة الأولى، تعتبر أن “الإرهاب الدولي” يعتبر مشكلة خطيرة تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية.
فيما اعتبرت المادة الثانية، أن الإرهاب الدولي يؤثر سلباً على حركة التجارة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره يلحق ضررا بالتجارة الخارجية وينسف استقرار السوق ويضيق على حركة سفر المواطنين الأميركيين إلى خارج البلاد، وعلى قدوم الزائرين الأجانب إلى الولايات المتحدة.
أما المادة الثالثة، فاعتبرت بعض المنظمات الإرهابية الأجنبية (من دون أن تسميها) تنشط من خلال أفراد أو مجموعات تابعة لها في جمع مبالغ ضخمة خارج الولايات المتحدة وتوظيفها لاستهداف الولايات المتحدة.
المادة الرابعة، أوضحت، أن من الضروري معرفة الأسباب الموضوعية وأبعاد المسؤولية القانونية حول الأفعال التي تحض على تقديم المساعدة وتدعو للتحريض والتآمر تحت الفصل “113 ب” من الباب “18” من القانون الأمريكي.
المادة الخامسة قالت إن الأشخاص أو الجهات أو الدول التي تساهم أو تشارك في تقديم دعم أو موارد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر لأشخاص أو منظمات تشكل خطراً داهماً وارتكاب أعمال إرهابية تهدد سلامة مواطنى الولايات الأمريكية أو أمنها القومي أو سياستها الخارجية أو اقتصادها ، يتوقع جلبها للمثول أمام المحاكم الأميركية للرد على أسئلة حول تلك الأنشطة.
واعتبرت المادة السادسة، أن لدى الولايات المتحدة الأميركية مصلحة حقيقية في توفير الحق للأشخاص أو الجهات التي تتعرض للإصابة جراء هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة بالمثول أمام النظام القضائي من أجل رفع قضايا مدنية ضد أولئك الأشخاص أو الجهات أو الدول التي قامت بتقديم دعم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر إلى أشخاص أو منظمات تعتبر مسؤولة عن الإصابات التي لحقت بهم.
الغرض من القانون هو:
توفير أوسع نطاق ممكن للمتقاضين المدنيين تماشياً مع دستور الولايات المتحدة للحصول على تعويض من الأشخاص والجهات والدول الأجنبية التي قامت بتقديم دعم جوهري سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لأفراد أو منظمات تعتبر مسؤولة في أنشطة إرهابية ضد الولايات المتحدة.
المادة الثالثة: مسؤولية الدول الأجنبية عن الإرهاب
لن تكون هناك دولة أجنبية محصنة أمام السلطات القضائية الأمريكية في أي قضية يتم فيها المطالبة بتعويضات مالية من دولة أجنبية نظير إصابات مادية تلحق بأفراد أو ممتلكات أو نتيجة لحالات وفاة تحدث داخل أمريكا وتنجم عن فعل إرهابي أو عمليات تقصيرية أو أفعال تصدر من الدول الأجنبية أو من أي مسؤول أو موظف أو وكيل بتلك الدولة أثناء فترة توليه منصبه بغض النظر إذا كانت العمليات الإرهابية تمت أم لا.
ومنحت هذه المادة المواطن الأميركي حق تقديم دعوى ضد أي دولة أجنبيةووفقاً للمادة (4) من القانون فإنه تم بشكل عام تعديل الفصل (2333) من المادة (18) من القانون الأمريكي الخاصة بالحصانة السيادية للدول الأجنبية بإضافة النص التالي “يؤثر التعديل الذي تم في هذه المادة على حصانة الدول الأجنبية تحت أي قانون آخر ، وذلك حسب تعريف هذا التعبير الوارد بالمادة 1603 من الباب (28) من القانون الأمريكي.
وتحدثت المادة (5) من القانون عن وقف الدعاوى لحين انتهاء المفاوضات مع الدول، ويقول نصها :
تملك المحاكم سلطة قضائية حصرية للبت في أي قضية تخضع بموجبها دولة أجنبية للقضاء الأمريكي، كما يحق للمدعي العام التدخل في أي قضية تخضع بموجبها دولة أجنبية للسلطة القضائية للمحاكم الأمريكية، وذلك بغرض السعي لوقف الدعوى المدنية كلياً أو جزئياً.
ومنح القانون المحاكم الأميركية حق وقف الدعوى ضد أي دولة أجنبية إذا ما شهد وزير الخارجية بأن الولايات المتحدة تشارك بنية حسنة مع الدولة الأجنبية المدعي عليها بغية التواصل إلى حلول للدعاوى المرفوعة على الدولة الأجنبية أو أي جهات أخرى مطلوب إيقاف الدعاوى المرفوعة بشأنها.
وحدد القانون مدة إيقاف الدعوى بأن لاتزيد عن 180 يوماً، كما يحق للمدعي العام مطالبة المحكمة بتمديد فترة إيقاف الدعوى لمدة 180 يوماً إضافية. وفي المادة السادسة أكد القانون إنه في حال تبين أن نصوص القانون أو أي تعديل تم بموجبه أو أي شرط أو أي نص باطل ، تظل باقي أحكام القانون والتعديلات التي تتم بموجبه سارية، وعدم بطلان الأحكام على أي شخص آخر يمر في حالات مغايرة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]