
كتب د. فادي الأحمر في “المسيرة” – العدد 1580:
توقّفت المحادثات بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا حول سوريا. ولكن الحرب مستمرّة على حلب. أغلق مركز التنسيق العسكري بين الدولتين الذي كان قد أعلن عن تأسيسه للتنسيق في الحرب ضد “الإرهاب”. أما خطوط الاتصال العسكرية مستمرة بين سلاحي الجو في كلا البلدين لتفادي صدام عسكري في الأجواء السورية. بحسب الناطق بإسم البيت الابيض، إن ايقاف محادثات كيري – لافروف اتى نتيجة اصرار الجانب الروسي على الحسم العسكري في حلب. وهذا واضح. فالجانب الروسي ومعه النظام وحلفاؤهما الإيرانيون و”حزب الله” هم من استعادوا الأعمال العسكرية. وقد بدأوها باستهدافهم قافلة مساعدات إنسانية كانت في طريقها الى المعارضة المحاصرة في حلب الشرقية. إن حرب حلب هي محطة في الاستراتيجية الروسية التي وقّعها فلاديمير بوتين في نهاية شهر كانون الأول من العام 2015. وهي بطبيعة الحال تتجاوز حلب الى الأزمة السورية والشرق الأوسط وما هو أبعد منهما في أوروبا وآسيا والعالم. من هنا أهمية العودة الى هذه الاستراتيجية.
عنوان الوثيقة “استراتيجية الامن القومي للاتحاد الروسي”. وهي تتناول مسائل تتعلّق بالسياسة الداخلية وأخرى بالسياسة الخارجية. على المستوى الداخلي تضع الوثيقة خطة لمواجهة العقوبات الأوروبية والأميركية التي فرضت ضد روسيا إثر الأزمة الأوكرانية وضم جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي. هذه العقوبات أدّت الى تدهور الوضع الاقتصادي في روسيا الذي يعاني أصلاً من أزمات. فقد تراجع سعر الروبل وكذلك الاستثمارات الخارجية وكمية تصدير النفط والغاز الى دول الاتحاد الأوروبي عماد الاقتصاد والمصدر الأساسي للخزينة. فالوثيقة – الخطة الاستراتيجية تتطرّق الى كيفية “تطوير الاقتصاد الوطني، وتحسين ظروف الحياة للمواطنين، وتدعيم الاستقرار السياسي للمجتمع، …” كما تتطرّق الى معالجة العديد من المسائل التي يعاني منها الاتحاد الروسي وفي مقدّمها الفساد، وضعف ثقة المواطن بالعدالة والقوى الأمنية، وتدني مستوى المعيشة للمواطنين، والخلل الكبير على مستوى الدخل بين أفراد المجتمع، وانتشار الفقر، والتأخر في مجال التكنولوجيا، وضعف المنافسة والإنتاجية في العمل، وعدم التكافؤ في إنماء المناطق…
أما على المستوى الخارجي، فتحتلّ القضايا الدولية والدفاع حوالي ربع الوثيقة. إذ تركّز على “تدعيم قدرة المنافسة للاتحاد الروسي على المستوى الدولي”. فهي تظهر بشكل واضح إرادة الكرملين في تثبيت موقعه على الساحة الدولية. وتشير عدّة مرّات إلى موقع روسيا المتقدّم في “العالم المتعدّد الأقطاب الذي يتكوّن”. وهي مسألة ليست جديدة في الخطاب الدبلوماسي الروسي. منذ العام 2003 بدأ دبلوماسيون روس الإشارة الى ضرورة قيام عالم متعدّد الأقطاب بدل آحادية القيادة الأميركية التي واجهت مجلس الأمن الدولي وتخطته في تلك السنة واجتاحت العراق واسقطت نظام صدام حسين الذي كان قائماً. استغلّ حينها فلاديمير بوتين اعتراض فرنسا وألمانيا على الاجتياح ودعا الى قمّة ثلاثية في مدينة سان بيترسبورغ ليظهر ان العالم لا يقوده قطب واحد، بخاصة وان “التهديد” الأميركي للاتحاد الروسي كان قد وصل الى العوالم الجيوسياسية المحيطة به في القوقاز وآسيا الوسطى والتي تشكّل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الروسي.
لم يتحوّل “معسكر السلام” (التسمية التي أطلقت على اجتماعات بوتين – شيراك – شرودر) الى جبهة في مواجهة واشنطن. فمصالح الاتحاد الأوروبي، وتحديداً ركيزتيه فرنسا وألمانيا، كبيرة مع الولايات المتحدة الأميركية. وهناك أيضًا الخشية من عودة “الدب الروسي”. لذلك كان الاتحاد الأوروبي قد باشر منذ تسعينات القرن الماضي محادثات مع خمس عشرة دولة في أوروبا الشرقية للانضمام إليه. وقد تحقّق ذلك في العام 2004 ليصبح بذلك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو عند حدود الاتحاد الروسي. في العام نفسه دعمت واشنطن “الثورة البرتقالية” في اوكرانيا عند الحدود الروسية.
أمام هذه الأخطار الجيوسياسية التي شكّلت تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي قرّر فلاديمير بوتين الهجوم في مناطق النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط عبر إعادة إحياء العلاقات مع الحلفاء القدامى وفي مقدمتهم سوريا. فبينما كانت الإدارة الإميركية، ومعها غالبية المجتمع الدولي، تفرض حصاراً على دمشق، قامت موسكو بإعفائها من 70 في المئة من الديون المترتبة عليها والتي تعود الى مرحلة الاتحاد السوفياتي. ما سمح لبشار الأسد بتطوير خطته الإصلاحية الاقتصادية. وفي العام 2007 وقّعت معها اتفاقية بيع أسلحة. كما أعاد بوتين إحياء العلاقات مع ليبيا. والدولتان، سوريا وليبيا، كانتا على اللائحة الأميركية للدول المارقة. بعد العام 2004 كثرت الشكوك والشبهات حول الدعم الروسي للمشروع النووي الإيراني مع وصول المتشدّد أحمدي نجاد الى السلطة. ولم يتوانَ بوتين عن دعم هوغو شافيز وعقد صفقات بيع أسلحة مع فنزويلا. أما مجموعة الـ “بريكس” فكانت أيضاً إحدى محاولات روسيا لإقامة عالم متعدّد الأقطاب في وجه الآحادية الأميركية.
تفاجأت روسيا بـ”الربيع العربي” كما تفاجأت به دول أخرى. تريّث بوتين قليلاً لتكييف استراتيجيته مع المتغيّرات الجيوسياسية في المنطقة. في هذا الوقت سقط منه “سهواً” الملف الليبي. ولكنه كان متيقّظاً جداً الى الأزمة السورية التي تشكّل نقطة محورية في استراتيجية الدور الروسي في المنطقة وعلى البحر الأبيض المتوسط. التركيز على المجموعات الإرهابية كانت خطة النظام السوري وروسيا. فالوثيقة الاستراتيجية تتهّم الغرب بفشله في حل مشكلة الإرهاب. لذلك ركّزت موسكو منذ “إنزالها” العسكري في سوريا في أيلول من العام الماضي على محاربة الإرهاب. ولكنه في الواقع رد ثانٍ على الهجوم الأوروبي – الأميركي في أوكرانيا، بعد الرد الأوّل المباشر الذي تمثّل بضم جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي.
قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بعدم إقحام القوات البرّية الأميركية في صراعات الشرق الأوسط شجّع نظيره الروسي على عدم التردّد في إعلان التدخّل العسكري المباشر في سوريا بعدما كان هذا التدخّل يقتصر على الخبراء العسكريين والإمداد بالأسلحة. وقد تأكد له ذلك في أيلول من العام 2013 حين هدّدت واشنطن بضرب النظام بسبب استعماله السلاح الكيماوي وحركّت أساطيلها، ولكنها لم تفعل. وها هو “قيصر” روسيا اليوم يستغلّ المرحلة الانتقالية الأميركية بين عهدين للإمساك بالورقة السورية كلّياً، كجزء من خطته الاستراتيجية القاضية بتكريس الدور الروسي في العالم.
نعي واشنطن للمحادثات مع موسكو يؤشر الى ان نهاية السنة السادسة من الحرب السورية ستكون عسكرية بامتياز. ساحتها الأساسية حلب. انسحابها من المفاوضات السياسية لا يعني انسحابها من الحرب العسكرية. ففي الصراع على سوريا، عندما تنكفئ الدبلوماسية يتقدّم العمل المخابراتي – العسكري. هل يكون إمداد الفصائل السورية بصواريخ أرض – جو أوّل الغيث الذي طال انتظاره من قبل المعارضة وحلفائها لمواجهة الآلات العسكرية للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين و”حزب الله”؟!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]